|
مسألة النحلة |
|
|
( مسألة النحلة )
الناحية الثانية : المناقشة التي قامت بين
الخيلفة والصديقة حول نحلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياها فدك ، فقد
ادعت الصديقة النحلة وشهد بذلك قرينها وام أيمن فلم يقبل الخليفة دعواها
1 - والنقطة الاولى التي نؤاخذ الصديق عليها هي وقوفه موقف الحاكم في المسألة مع أن خلافته لم تكتسب لونا شرعيا إلى ذلك الحين على أقل تقدير ( 1 ) . ولكننا لا نريد الان أن نضع هذه المؤاخذة قيد الدرس ، لأن المناقشة على هذا الشكل تبعثنا إلى آفاق واسعة من البحث وتضطرنا إلى نسف الحجر الأساسي لدنيا السياسة في الأسلام ، وهي عملية لها حساب طويل .
( أولا ) من هو الذي كانت فدك
في حيازته
؟ وهل كانت في يد الزهراء حقا
؟ قد يمكن أن نفهم ذلك من قول أمير المؤمنين في
رسالته الخالدة إلى عثمان بن حنيف : بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته
السماء . فشحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ( 2 )
.
فإن المفهوم من كلمة أيدينا أن فدك كانت في أيدي أهل البيت
وقد نصت على ذلك روايات الشيعة . وحصر ما كان في تلك الأيدي التي عناها الأمام
بفدك يدل على أنها كانت في حياز ة علي وزوجه خاصة ، ويمنع عن تفسير العبارة بأن
فدك كانت في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أن حيازته حيازة أهل
البيت ، لأننا نعلم
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في يده أشياء اخرى غير فدك من مختصاته وأملاكه . ( وثانيا ) هل الحيازة دليل على الملكية ؟ والجواب الأيجابي عن هذه المسألة مما أجمع ( 1 ) عليه المسلمون ، ولو لا اعتبارها كذلك لاختل النظام الاجتماعي للحياة الأنسانية . وقد يعترض على دعوى أن فدك كانت في يد الزهراء بأنها لم تحتج بذلك ، ولو كانت في يدها لكفاها عن دعوى النحلة والاستدلال بآيات الميراث ، وفي المستندات الشيعية للقضية جواب عن هذا الاعتراض لأنها تنقل احتجاج أهل البيت بذلك على الخليفة ، غير أننا لا نريد دراسة المسألة على ضوء شئ منها . ولكن ينبغي أن نلاحظ أن فدك كانت أرضا مترامية الأطراف وليس شأنها شأن التوافه من الأملاك والمختصات الصغيرة التي تتضح حيازة مالكها لها بأدنى ملاحظة . فإذا افترضنا أن فدك كانت في يد فاطمة يتعهدها وكيلها الذي
يقوم بزراعتها ، فمن يجب أن يعرف ذلك من الناس غير الوكيل
؟ ! ونحن نعلم أن فدك لم تكن قريبة من المدينة
ليسلع أهلها على شؤونها ، ويعرفوا من يتولاها ، فقد كانت تبعد عنها بأيام ، كما
أنها قرية
يهودية ( 1 ) ، وليست في محيط إسلامي لتكون حيازة فاطمة لها معروفة بين جماعة المسلمين . فماذا كان يمنع الزهراء عن الاعتقاد بأن الخليفة سوف يطالبها بالبينة على أن فدك في يدها إذا ادعت ذلك كما طالبها على النحلة ما دام - في نظرها - مسيرا في الموقف بقوة طاغية من هواه لا تجعله
يعترف بشئ ؟ وكان من السهل في ذلك اليوم أن تبتلع
وقد حدث بها بعد ذلك كما ورد في طريق الفريقين ، أو أن تقتله الجن كما قتلت سعد بن عبادة وأراحت الفاروق ( 2 ) ، أو أن يتهم بالردة لأنه امتنع عن تسليم صدقة المسلمين للخليفة كما اتهم مانعوا الزكاة والرافضون لتسليمها له ( 3 ) .
التطهير لأن موسوعات الأمامية في فضائل أهل البيت تكفينا هذه المهمة . ولا نشك في أن الخليفة كان على علم بذلك لأن السيدة عائشة نفسها كانت تحدث بنزول آية التطهير في فاطمة وقرينها وولديها ( 1 ) ، وقد صرحت بذلك صحاح الشيعة والسنة . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما خرج إلى الفجر بعد نزول الاية يمر ببيت فاطمة ويقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ، وقد استمر على هذا ستة أشهر ( 2 ) . وإذن فلماذ طلب الخليفة بينة من فاطمة على دعواها ؟ وهل تحتاج الدعوى المعلوم صدقها إلى بينة ؟ قال المعترضون على أبي بكر : إن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي ، والعلم أقوى منها فإذا لزم الحكم للمدعي الذي تقوم البينة على دعواه يجب الحكم للمدعي الذي يعلم الحاكم بصدقه .
وكان من حق المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة
المطلوب مبدئيا ا لأخذ بها في كل مخاصمة . ولا يفضل علم
الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة ، لأن الحاكم قد يخطأ كما أن البينة قد تخطأ ، فهما في شرع الواقع سواء كلاهما مظنة للزلل والاشتباه . ولكن في المسألة أمر غفل عنه الباحثون
أيضا ، وهو أن ما يعلمه الخليفة من صدق
( 1 ) الزهراء يستحيل أن لا يكون حقيقة ، لأن سبب
علمه بصدقها ليس من الأسباب التي قد تنتج توهما خاطئا وجهلا مركبا ، وإنما هو
قرآن كريم دل على عصمة وعلى ضوء هذه الخاصية التي يمتاز بها العلم بصدق الزهراء ، يمكننا أن نقرر أن البينة التي قد تخطأ إذا كانت دليلات شرعيا مقتضيا للحكم على طبقه . فالعلم الذي لا يخطئ وهو ما كان بسبب شهادة الله تعالى بعصمة المدعي ، وصدقة أولى بأن يكتسب تلك الصفة في المجالات القضائية . وعلى اسلوب آخر من البيان نقول : إن القرآن الكريم لو كان قد نص على ملكية الزهراء لفدك وصدقها في دعوى النحلة لم يكن في المسألة متسع للتشكيك لمسلم أو مساغ للتردد لمحكمة من محاكم القرآن . ومن الواضح أن نصه على عصمة الزهراء في قوة النص على
النحلة ، لأن المعصوم لا يكذب ، فإذا ادعى شيئا فدعواه صائبة بلا شك . ولا فرق
بين النص على العصمة والنص على النحلة فيما يتصل بمسألتنا ، سوى أن ملكية
الزهراء لفدك هي المعنى الحرفي للنص الثاني ، والمعنى المفهوم من النص
الأول عن طريق مفهومه الحرفي . 4 - ونقول من ناحية اخرى : إن أحدا من المسلمين لم يشك في صدق الزهراء ولم يتهمها بالافتراء على أبيها ، وإنما قام النزاع بين المتنازعين في أن العلم بصواب الدعوى هل يكفي مدركا للحكم على وفقها أو لا ؟ فلندع آية التطهير ونفترض أن الخليفة كان كأحد هؤلاء المسلمين ، وعلمه بصدق الزهراء حينئذ ليس حاويا على الامتياز الذي أشرنا إليه في النقطة السابقة ، بل هو علم في مصاف سائر الاعتقادات التي تحصل بأسباب هي عرضة للخطأ والاشتباه ، ولا يدل حينئذ جعل البينة دليلا على مشاركته لها في تلك الخاصية ، لأنه ليس أولى منها بذلك كما عرفنا سابقا . ولكن الحاكم يجوز له مع ذلك - أن يحكم على وفق علمه ( 1 ) ، كما يجوز له أن يستند في الحكم إلى البينة بدليل ما جاء في الكتاب الكريم مما يقرر ذلك ، إذ قال الله تعالى في سورة النساء : ( وإذا حكمتم بين االناس أن تحكموا بالعدل ) ( 2 ) ، وقال في سورة الأعراف : ( وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون ) ( 3 ) أي يحكمون . وللحق والعدل ملاحظتان : -
( إحداهما ) الحق والعدل في نفس الأمر والواقع . ( والاخرى ) الحق والعدل بحسب الموازين القضائية . فالحكم على وفق البينة . حق واعتدال في عرف هذه الملاحظة وإن أخطأت ، ويعاكسه الحكم على وفق شهادة الفاسق ، فإنه ليس حقا ولا عد لا وإن كان الفاسق صادقا في خبره . والمعني بالكلمتين في الايتين الكريمتين إن كان هو المعنى الأول للحق والعدل ، كانتا دالتين على صحة الحكم بالواقع من دون احتياج إلى البينة فإذا أحرز الحاكم ملكية شخص لمال صح له أن يحكم بذلك لأنه يرى أنه الحق الثابت ( 1 ) في الواقع والحقيقة العادلة ، فحكمه بملكية ذلك الشخص للمال مصد اق في
عقيدته للحكم بالحق والعدل الذي أمر به الله تعالى . وأما
القرآنيين على شئ في الموضوع لأنهما لا يثبتان حينئذ أن أي قضاء يكون قضاء بالحق وعلى طبق النظام ، وأي قضاء لا يكون كذلك ؟ ومن الواضح أن المفهوم المتبادر من الكلمتين هو المعنى الأول دون الثاني وخاصة كلمة الحق ، فإنها متى وصف بها شي فهم أن ذلك الشئ أمر ثابت في الواقع ، فالحكم بالحق عبارة عن الحكم بالحقيقة الثابتة . ويدل على ذلك الاسلوب الذي صيغت عليه الاية الاولى ، فإنها تضمنت أمرا بالحكم بالعدل . وواضح جد ا أن تطبيق التنظيمات الأسلامية في موارد
الخصومة لا يحتاج إلى أمر شرعي ، لأن نفس وضعها قانونا للقضاء معناه لزوم تطبيقها ، فلا يكون الأمر بالتزام القانون إلا تكرارا أو تنبيها ، وليس من حقيقة الأمر في شئ . وأما الأمر بالحكم على طبق الحقائق الواقعية سواء أكان عليها دليل من بينة وشهادة أو لا ، فهو من طبيعة الأمر بالصميم لأنه تقرير جديد يوضح أن الواقع هو ملاك القضاء الأسلامي والمحور الذي ينبغي أن يدور عليه دون أن يتقيد بالشكليات والأدلة الخاصة ( 1 ) .
مات ، جاء لأبي بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر : من كان له على النبي دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا . قال جابر : وعدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يده ثلاث مرات ، قال جابر : فعد في يدي خمسمائة ، ثم خمسمائة ، ثم خمسمائة .
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا أبا بشير إذا جاءنا شئ فأتنا ، فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثا فوجدوها ألفا وأربعمائة درهم . فإذا كان الصديق لا يطالب أحدا من الصحابة بالبينة على الدين أو العدة فكيف طب من الزهراء بينة على النحلة ؟ ! وهل كان النظام القضائي يخص الزهراء وحدها بذلك أو أن الظروف السياسية الخاصة هي التي جعلت لها هذا الاختصاص ؟
أن الذي لا يتهم جابر ا أو أبا بشير بالكذب يرتفع بالزهراء عن
ذلك أيضا . وإذا لم يكن إعطاء الخليفة لمدعي العدة ما طلبه على أساس الأخذ
بدعواه ، وإنما دعاه احتمال صدقة إلى إعطائه ذلك ، وللأمام أن يعطي أي شخص المبلغ الذي يراه ، فلماذا لم يحتط بمثل هذا الاحتياط في مسألة فدك ؟ ! وهكذا أجز الصديق وعود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي لم تقم عليها بينة وأهمل هباته المنجزة التي ادعتها سيدة نساء العالمين . وبقي السؤال عن الفارق بين الديون والعدات وبين نحلة بلا جواب مقبول .
( أولا ) عما منع الصديق من
التقدم بالشهادة على النحلة إذا كان عالما بصدق الحوراء سلام الله عليها ، إذ
يضم بذلك شهادته إلى شهادة علي وتكتمل بهما البينة ويثبت الحق . واعتباره لنفسه
حاكما لا يوجب سقوط شهادته لأن شهادة الحاكم معتبرة
( أحدهما ) الحكم للمدعي بما يدعيه . ( والاخر ) تنفيذ آثار الواقع . وإذا افترضنا أن الأول محدود بالبينة فالاخر واجب على كل تقدير ، لأنه ليس حكما ليحدد بحدوده . فإذا علم شخص بأن بيته للاخر فسلمه لمالكه ، لم يكن هذا حكما بملكيته له ، وإنما هو إجراء للأحكام التي نص عليها القانون . كما أن الحاكم نفسه إذا ادعى شخص عنده ملكية بيت وكان في حيازته ، أو دل الاستصحاب على الملكية المدعاة ، فاللازم عليه وعلى غيره من المسلمين أن يعتبروا هذا البيت كسائر ممتلكات ذلك ا لمدعي . وليس معنى هذا ان الحاكم حكم بأن البيت ملك المدعية مستندا إلى قاعدة اليد ( 1 ) أو الاستصحاب . وإن المسلمينن أخذوا أنفسهم باتباع هذا الحكم ، بل لو لم يكن بينهم حاكم للزمهم ذلك . وليس الاستصحاب أو اليد من موازين الحكم في الشريعة وإنما يوجبان تطبيق أحكام الواقع . والفارق بين حاكم الحاكم بملكية شخص لمال ، أو فسقه ونحو هما من الشؤون التي تتسع لها صلاحيات الحاكم وبين تطبيق آثالر تلك
الامور هو : امتياز الحكم بفصل الخصومة ، ونعني بهذا الامتياز أن الحاكم إذا
أصدر حكما حرم نقضه على جميع المسلمين ، ولزم اتباعه من دون نظر إلى مدرك آخر
سوى ذلك الحكم . وأما تطبيق القاضي لاثار الملكية عمليا بلا حكم فلا يترتب عليه
ذلك
المعنى ولا يجب على كل مسلم متابعته وإجراء تلك الاثار كما يجريها إلا إذا حصل له العلم بذلك كما حصل للحاكم . والنتيجة : إن الخليفة إذا كان يعلم بملكية الزهراء لفدك ، فالواجب عليه أن لا يتصرف فيها بما تكرهه ، ولا ينزعها منها سواء أجاز له أن يحكم على وفق علمه أو لا . ولم يكن في المسألة منكر ينازع الزهراء ليلزم طلب اليمين منه واستحقاقه للمال إذا أقسم ، لأن الأموال التي كانت تطالب بها الزهراء أما أن تكون لها أو للمسلمين . وقد افترضنا أن أبا بكر هو الخليفة الشرعي للمسلمين يومئذ ، وإذن فهو وليهم المكلف بحفظ حقوقهم وأموالهم ، فإذا كانت الزهراء صادقة في رأيه ، ولم يكن في الناس من ينازعها فليس للخليفة أن ينتزع فدك منها . وتحديد الحكم بالبينة خاصة إنما يحرم الحكم ولا يجيز انتزاع الملك من صاحبه . وإذن فعدم جواز حكم الحاكم على وفق علمه ( 1 ) لا يخفف من صعوبة الحساب ولا يخرج الخليفة ناجحا من الامتحان . محمد باقر الصدر
.................... تم........................
|
|