مسألة النحلة

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 185 : -

 ( مسألة النحلة )

الناحية الثانية : المناقشة التي قامت بين الخيلفة والصديقة حول نحلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياها فدك ، فقد ادعت الصديقة النحلة وشهد بذلك قرينها وام أيمن فلم يقبل الخليفة دعواها
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 186 : -

 1 - والنقطة الاولى التي نؤاخذ الصديق عليها هي وقوفه موقف الحاكم في المسألة مع أن خلافته لم تكتسب لونا شرعيا إلى ذلك الحين على أقل تقدير ( 1 ) . ولكننا لا نريد الان أن نضع هذه المؤاخذة قيد الدرس ، لأن المناقشة على هذا الشكل تبعثنا إلى آفاق واسعة من البحث وتضطرنا إلى نسف الحجر الأساسي لدنيا السياسة في الأسلام ، وهي عملية لها حساب طويل .


 2 - والملاحظة الثانية في الموضوع هي أن فدك إذا كانت في حيازة الزهرا عليها السلا م فلا حاة لها إلى البينة وفي هذه الملاحظة أمران :

( أولا ) من هو الذي كانت فدك في حيازته ؟ وهل كانت في يد الزهراء حقا ؟ قد يمكن أن نفهم ذلك من قول أمير المؤمنين في رسالته الخالدة إلى عثمان بن حنيف : بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء . فشحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ( 2 ) .
 

فإن المفهوم من كلمة أيدينا أن فدك كانت في أيدي أهل البيت وقد نصت على ذلك روايات الشيعة . وحصر ما كان في تلك الأيدي التي عناها الأمام بفدك يدل على أنها كانت في حياز ة علي وزوجه خاصة ، ويمنع عن تفسير العبارة بأن فدك كانت في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أن حيازته حيازة أهل البيت ، لأننا نعلم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) قوله : إلى ذلك الحين ، أي بعد عشرة أيام من قيام الخلافة وحينذاك لم يكن بنو هاشم وجماعة من
أجلاء الصحابة قد بايعوا أبا بكر ، فلم يكتسب الخليفة إذن الشرعية الكاملة . راجع تاريخ الطبري 2 : 233 .
( 2 )
شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 208 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 187 : -

أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في يده أشياء اخرى غير فدك من مختصاته وأملاكه .

( وثانيا ) هل الحيازة دليل على الملكية ؟ والجواب الأيجابي عن هذه المسألة مما أجمع ( 1 ) عليه المسلمون ، ولو لا اعتبارها كذلك لاختل النظام الاجتماعي للحياة الأنسانية .

وقد يعترض على دعوى أن فدك كانت في يد الزهراء بأنها لم تحتج بذلك ، ولو كانت في يدها لكفاها عن دعوى النحلة والاستدلال بآيات الميراث ، وفي المستندات الشيعية للقضية جواب عن هذا الاعتراض لأنها تنقل احتجاج أهل البيت بذلك

على الخليفة ، غير أننا لا نريد دراسة المسألة على ضوء شئ منها . ولكن ينبغي أن نلاحظ أن فدك كانت أرضا مترامية الأطراف وليس شأنها شأن التوافه من الأملاك والمختصات الصغيرة التي تتضح حيازة مالكها لها بأدنى ملاحظة .

فإذا افترضنا أن فدك كانت في يد فاطمة يتعهدها وكيلها الذي يقوم بزراعتها ، فمن يجب أن يعرف ذلك من الناس غير الوكيل ؟ ! ونحن نعلم أن فدك لم تكن قريبة من المدينة ليسلع أهلها على شؤونها ، ويعرفوا من يتولاها ، فقد كانت تبعد عنها بأيام ، كما أنها قرية
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع : القواعد الفقهية / السيد حسن البجنوردي 1 : 113 ، المحلى / ابن حزم 9 : 436 ، المهذب / الشيرازي الشافعي 2 : 312 ، الفروق / القراني المالكي 4 : 78 ، تحرير المجلة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء 4 : 150 قال : إن اليد هي إمارة على الملكية شرعا وعرفا . . . ) . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 188 : -

 يهودية ( 1 ) ، وليست في محيط إسلامي لتكون حيازة فاطمة لها معروفة بين جماعة المسلمين . فماذا كان يمنع الزهراء عن الاعتقاد بأن الخليفة سوف يطالبها بالبينة على أن فدك في يدها إذا ادعت ذلك كما طالبها على النحلة ما دام

- في نظرها - مسيرا في الموقف بقوة طاغية من هواه لا تجعله يعترف بشئ ؟ وكان من السهل في ذلك اليوم أن تبتلع
الحوت وكيل فاطمة على فدك أو أي شخص له اطلاع على حقيقة الأمر كما ابتلعت أبا سعيد الخدري فلم يرو النحلة .

وقد حدث بها بعد ذلك كما ورد في طريق الفريقين ، أو أن تقتله الجن كما قتلت سعد بن عبادة وأراحت الفاروق ( 2 ) ، أو أن يتهم بالردة لأنه امتنع عن تسليم صدقة المسلمين للخليفة كما اتهم مانعوا الزكاة والرافضون لتسليمها له ( 3 ) .


 3 - ولنترك هذه المناقشة لنصل إلى المسألة الأساسية وهي : أن الخليفة هل كان يعتقد بعصمة الزهراء ويؤمن بآية التطهير نفت الرجس عن جماعة منهم فاطمة أو لا ؟ ! ونحن لا نريد أن نتوسع في الكلام على العصمة وإثباتها للصديقة بآية
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع : فتوح البلدان / البلاذري : 42 - 43 .
( 2 )
وقد جاءت الرواية مصرحة بأن عمر أرسل رسولا إلى سعد ليقتله إن لم يبايع ، فلما أبى سعد قتله الرسول .
       راجع العقد الفريد 4 : 247 .
( 3 )
كما في قصة مالك بن نويرة . راجع تاريخ الطبري 2 : 273 ، وراجع الطبعة المحققة 2 : 28 ، وقد وضح
      ذلك الخليفة الثاني مطالبا بالقود من خالد بن الوليد لأنه على حد تعبيره : ( قتل مسلما ونزل على امرأته ) . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 189 : -

التطهير لأن موسوعات الأمامية في فضائل أهل البيت تكفينا هذه المهمة . ولا نشك في أن الخليفة كان على علم بذلك لأن السيدة عائشة نفسها كانت تحدث بنزول آية التطهير في فاطمة وقرينها وولديها ( 1 ) ، وقد صرحت بذلك صحاح الشيعة والسنة .

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما خرج إلى الفجر بعد نزول الاية يمر ببيت فاطمة ويقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ، وقد استمر على هذا ستة أشهر ( 2 ) .

وإذن فلماذ طلب الخليفة بينة من فاطمة على دعواها ؟ وهل تحتاج الدعوى المعلوم صدقها إلى بينة ؟ قال المعترضون على أبي بكر : إن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي ، والعلم أقوى منها فإذا لزم الحكم للمدعي الذي تقوم البينة على دعواه يجب الحكم للمدعي الذي يعلم الحاكم بصدقه .


والاحظ أن في هذا الدليل ضعفا ماديا لأن المقارنة لم تقم فيه بين البينة وعلم الحاكم ، بالأضافة إلى صلب الواقع ، وإنما لوحظ مدى تأثير كل منهما في نفس الحاكم ، وكانت النتيجة حينئذ أن العلم أقوى من البينة لأن اليقين أشد من الظن .

وكان من حق المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئيا ا لأخذ بها في كل مخاصمة . ولا يفضل علم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح مسلم : 3 : 331 ، المستدرك 3 : 159 ، طبعة دار الكتب العلمية ،
      التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول
/ منصور علي ناصف 3 : 333 .
( 2 )
مسند الأمام أحمد 3 : 295 - طبعة دار صادر ، وراجع المستدرك 3 : 172 - طبعة دار الكتب العلمية . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 190 : -

الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة ، لأن الحاكم قد يخطأ كما أن البينة قد تخطأ ، فهما في شرع الواقع سواء كلاهما مظنة للزلل والاشتباه .

ولكن في المسألة أمر غفل عنه الباحثون أيضا ، وهو أن ما يعلمه الخليفة من صدق ( 1 ) الزهراء يستحيل أن لا يكون حقيقة ، لأن سبب علمه بصدقها ليس من الأسباب التي قد تنتج توهما خاطئا وجهلا مركبا ، وإنما هو قرآن كريم دل على عصمة
( 2 )
المدعية .

وعلى ضوء هذه الخاصية التي يمتاز بها العلم بصدق الزهراء ، يمكننا أن نقرر أن البينة التي قد تخطأ إذا كانت دليلات شرعيا مقتضيا للحكم على طبقه . فالعلم الذي لا يخطئ وهو ما كان بسبب شهادة الله تعالى بعصمة المدعي ، وصدقة أولى

بأن يكتسب تلك الصفة في المجالات القضائية . وعلى اسلوب آخر من البيان نقول : إن القرآن الكريم لو كان قد نص على ملكية الزهراء لفدك وصدقها في دعوى النحلة لم يكن في المسألة متسع للتشكيك لمسلم أو مساغ للتردد لمحكمة من محاكم

القرآن . ومن الواضح أن نصه على عصمة الزهراء في قوة النص على النحلة ، لأن المعصوم لا يكذب ، فإذا ادعى شيئا فدعواه صائبة بلا شك . ولا فرق بين النص على العصمة والنص على النحلة فيما يتصل بمسألتنا ، سوى أن ملكية الزهراء لفدك هي المعنى الحرفي للنص الثاني ، والمعنى المفهوم من النص
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع قوله - أي الخليفة الأل - في تصديق الزهراء ، شرح النهج 16 : 216 .

( 2 ) كما في آية التطهير قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل لبيت ويطهركم تطهيرا ) الأحزاب / 33 .
راجع المستدرك 3 : 160 - 161 ، طبعة دار الكتب العلمية ، راجع صحيح مسلم 5 : 37 ، فضائل الصحابة ، باب فضائل أهل البيت عليهم السلام ، ط 1 ، مؤسسة عز الدين - بيروت / 1407 ه‍ ، تحقيق الدكتور موسى لاشى والدكتور أحمد عمر هاشم . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 191 : -

الأول عن طريق مفهومه الحرفي .

 4 - ونقول من ناحية اخرى : إن أحدا من المسلمين لم يشك في صدق الزهراء ولم يتهمها بالافتراء على أبيها ، وإنما قام النزاع بين المتنازعين في أن العلم بصواب الدعوى هل يكفي مدركا للحكم على وفقها أو لا ؟ فلندع آية التطهير ونفترض أن

الخليفة كان كأحد هؤلاء المسلمين ، وعلمه بصدق الزهراء حينئذ ليس حاويا على الامتياز الذي أشرنا إليه في النقطة السابقة ، بل هو علم في مصاف سائر الاعتقادات التي تحصل بأسباب هي عرضة للخطأ والاشتباه ، ولا يدل حينئذ جعل البينة دليلا

على مشاركته لها في تلك الخاصية ، لأنه ليس أولى منها بذلك كما عرفنا سابقا . ولكن الحاكم يجوز له مع ذلك - أن يحكم على وفق علمه ( 1 ) ، كما يجوز له أن يستند في الحكم إلى البينة بدليل ما جاء في الكتاب الكريم مما يقرر ذلك ، إذ قال

الله تعالى في سورة النساء : ( وإذا حكمتم بين االناس أن تحكموا بالعدل ) ( 2 ) ، وقال في سورة الأعراف : ( وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون ) ( 3 ) أي يحكمون .

وللحق والعدل ملاحظتان : -
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع سنن البيهقي 10 : 142 ، طبعة دار الفكر ، وقد نقل عن الشيخ الطوسي أنه ادعى الأجماع في الجواز .
      راجع : تنقيح الأدلة في بيان حكم الحاكم بعلمه / محمد رضا الحائري ، كما ذكر ابن رشد : إنه قول الجمهور ( أي الجواز )
      راجع بداية المجتهد 2 : 465 منشورات الرضي - قم / 1966 .

( 2 ) النساء / 58 . ( 3 ) الأعراف / 181 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 192 : -

( إحداهما ) الحق والعدل في نفس الأمر والواقع .

( والاخرى ) الحق والعدل بحسب الموازين القضائية . فالحكم على وفق البينة . حق واعتدال في عرف هذه الملاحظة وإن أخطأت ، ويعاكسه الحكم على وفق شهادة الفاسق ، فإنه ليس حقا ولا عد لا وإن كان الفاسق صادقا في خبره .

والمعني بالكلمتين في الايتين الكريمتين إن كان هو المعنى الأول للحق والعدل ، كانتا دالتين على صحة الحكم بالواقع من دون احتياج إلى البينة فإذا أحرز الحاكم ملكية شخص لمال صح له أن يحكم بذلك لأنه يرى أنه الحق الثابت ( 1 ) في الواقع

والحقيقة العادلة ، فحكمه بملكية ذلك الشخص للمال مصد اق في عقيدته للحكم بالحق والعدل الذي أمر به الله تعالى . وأما
إذا فسرنا الكلمتين في الايتين بالمعنى الثا ني أعني ما يكون حقا وعدلا بحسب مقاييس القضاء فلا يستقيم الاستدلال بالنصين

القرآنيين على شئ في الموضوع لأنهما لا يثبتان حينئذ أن أي قضاء يكون قضاء بالحق وعلى طبق النظام ، وأي قضاء لا يكون كذلك ؟ ومن الواضح أن المفهوم المتبادر من الكلمتين هو المعنى الأول دون الثاني وخاصة كلمة الحق ، فإنها متى

وصف بها شي فهم أن ذلك الشئ أمر ثابت في الواقع ، فالحكم بالحق عبارة عن الحكم بالحقيقة الثابتة . ويدل على ذلك الاسلوب الذي صيغت عليه الاية الاولى ، فإنها تضمنت أمرا بالحكم بالعدل .

وواضح جد ا أن تطبيق التنظيمات الأسلامية في موارد
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الحق : هو الأمر الثابت . راجع المصباح المنير 1 : 143 ، نشر دار الهجرة . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 193 : -

الخصومة لا يحتاج إلى أمر شرعي ، لأن نفس وضعها قانونا للقضاء معناه لزوم تطبيقها ، فلا يكون الأمر بالتزام القانون إلا تكرارا أو تنبيها ، وليس من حقيقة الأمر في شئ . وأما الأمر بالحكم على طبق الحقائق الواقعية سواء أكان عليها دليل من

بينة وشهادة أو لا ، فهو من طبيعة الأمر بالصميم لأنه تقرير جديد يوضح أن الواقع هو ملاك القضاء الأسلامي والمحور الذي ينبغي أن يدور عليه دون أن يتقيد بالشكليات والأدلة الخاصة ( 1 ) .


وإذن فالايتان دليل على اعتبار علم الحاكم في قوانين القضاء الأسلامية ( 2 ) . وأضف إلى ذلك أن الصديق نفسه كان يكتفى كثيرا بالدعوى المجردة عن البينة . فقد جاء عنه في صحيح البخاري ( 3 ) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) وإذا أردنا أن نترجم هذا المعنى إلى اللغة العلمية قلنا : إن الأمر على التقدير الثاني يكون إرشاديا إذ لا ملاك للأمر المولوي في المقام ، حيث أن المأمور اتباعه هو بنفسه كاف للبعث والتحريك ، فظهو ر الأمر في المولوية يقضي بصرف لفظة العدل إلى المعنى الأول لجواز الأمر مولويا باتباع الواقع فيما إذا دلت عليه البينة خاصة وإمكان الأمر باتباعه مطلقا .

وأنا أعتذر عن عدم استعمال الاصطلاحات العلمية الدائرة في مباحث المنطق والفلسفة والفقه والاصول - إلا حين اضطر إلى ذلك اضطرارا - لأنني احاول أن تكون بحوث هذا الفصل مفهومة لغير المتخصصين في تلك العلوم . ( الشهيد )

( 2 ) إن قيل : إن الحديث الوارد عن أهل البيت فيمن قضى بالحق وهو لا يعلم الحكم باستحقاقه للعقاب يدل على عدم كون القضاء من آثار الواقع ، فيدور الأمر بين صرف هذه الرواية عن ظهورها في عدم نفوذ الحكم وحمل العقاب فيها على التجري ، وبين صرف الكلمتين إلى

 المعنى الثاني قلت : لا وجه لكلا التأويلين بل الرواية المذكورة مقيدة للايات بصورة العلم ، فيكون موضوع القضاء مركبا من الواقع والعلم به ، وبتعبير آخر أنه من آثار الواقع الواصل . ( الشهيد )

( 3 ) صحيح البخاري 2 : 953 ، حديث 2537 كتاب الشهادات - باب 29 . ( الشهيد ) ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 194 : -

مات ، جاء لأبي بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر : من كان له على النبي دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا . قال جابر : وعدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يده ثلاث مرات ، قال جابر : فعد في يدي خمسمائة ، ثم خمسمائة ، ثم خمسمائة .


وروي في الطبقات ( 1 ) عن أبي سعيد الخدري أنه قال : سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين : من كانت له عدة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليأت ؟ فيأتيه رجال فيعطيهم . فجاء أبو بشير المازني فقال : إن

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا أبا بشير إذا جاءنا شئ فأتنا ، فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثا فوجدوها ألفا وأربعمائة درهم .

فإذا كان الصديق لا يطالب أحدا من الصحابة بالبينة على الدين أو العدة فكيف طب من الزهراء بينة على النحلة ؟ ! وهل كان النظام القضائي يخص الزهراء وحدها بذلك أو أن الظروف السياسية الخاصة هي التي جعلت لها هذا الاختصاص ؟


ومن الغريب حقا أن تقبل دعوى صحابي لوعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمبلغ من المال وترد دعوى بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها لم تجد بينة على ما تدعيه . وإذا كان العلم بصدق المدعي مجوزا لأعطائه ما يدعيه فلا ريب

أن الذي لا يتهم جابر ا أو أبا بشير بالكذب يرتفع بالزهراء عن ذلك أيضا . وإذا لم يكن إعطاء الخليفة لمدعي العدة ما طلبه على أساس الأخذ
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الطبقات الكبرى 2 : 318 ، طبعة دار صادر . ( الشهيد ) ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 195 : -

بدعواه ، وإنما دعاه احتمال صدقة إلى إعطائه ذلك ، وللأمام أن يعطي أي شخص المبلغ الذي يراه ، فلماذا لم يحتط بمثل هذا الاحتياط في مسألة فدك ؟ ! وهكذا أجز الصديق وعود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي لم تقم عليها بينة وأهمل هباته المنجزة التي ادعتها سيدة نساء العالمين . وبقي السؤال عن الفارق بين الديون والعدات وبين نحلة بلا جواب مقبول .


 5 - ولنستأنف مناقشتنا على أساس جديد وهو : إن الحاكم لا يجوز له الحكم على طبق الدعوى المصدقة لديه إذا لم يحصل المدعي على بينة تشهد له ، ونهمل النتيجة التي انتهينا إليها في النقطة السا بقة ونسأل على هذا التقدير :
 

( أولا ) عما منع الصديق من التقدم بالشهادة على النحلة إذا كان عالما بصدق الحوراء سلام الله عليها ، إذ يضم بذلك شهادته إلى شهادة علي وتكتمل بهما البينة ويثبت الحق . واعتباره لنفسه حاكما لا يوجب سقوط شهادته لأن شهادة الحاكم معتبرة
( 1 )
وليست خارجة عن الدليل الشرعي الذي أقام البينة مرجعا في موارد الخصومة .


( وثانيا ) عن التفسير المقبول لأغفال الخليفة للواقع المعلوم لديه بحسب الفرض . ولأجل توضيح هذ النقطة يلزمنا أن نفرق بين أمرين اختلطا على جملة الباحثين في المسألة .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شهادة الحاكم جائزة : راجع سنن البيهقي 10 : 131 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 196 : -

( أحدهما ) الحكم للمدعي بما يدعيه . ( والاخر ) تنفيذ آثار الواقع . وإذا افترضنا أن الأول محدود بالبينة فالاخر واجب على كل تقدير ، لأنه ليس حكما ليحدد بحدوده .

فإذا علم شخص بأن بيته للاخر فسلمه لمالكه ، لم يكن هذا حكما بملكيته له ، وإنما هو إجراء للأحكام التي نص عليها القانون . كما أن الحاكم نفسه إذا ادعى شخص عنده ملكية بيت وكان في حيازته ، أو دل الاستصحاب على الملكية المدعاة ،

فاللازم عليه وعلى غيره من المسلمين أن يعتبروا هذا البيت كسائر ممتلكات ذلك ا لمدعي . وليس معنى هذا ان الحاكم حكم بأن البيت ملك المدعية مستندا إلى قاعدة اليد ( 1 ) أو الاستصحاب .

وإن المسلمينن أخذوا أنفسهم باتباع هذا الحكم ، بل لو لم يكن بينهم حاكم للزمهم ذلك . وليس الاستصحاب أو اليد من موازين الحكم في الشريعة وإنما يوجبان تطبيق أحكام الواقع . والفارق بين حاكم الحاكم بملكية شخص لمال ، أو فسقه ونحو هما من

الشؤون التي تتسع لها صلاحيات الحاكم وبين تطبيق آثالر تلك الامور هو : امتياز الحكم بفصل الخصومة ، ونعني بهذا الامتياز أن الحاكم إذا أصدر حكما حرم نقضه على جميع المسلمين ، ولزم اتباعه من دون نظر إلى مدرك آخر سوى ذلك الحكم . وأما تطبيق القاضي لاثار الملكية عمليا بلا حكم فلا يترتب عليه ذلك
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) قاعدة اليد هنا تعني : إثبات الملكية بواسطة اليد . والمقصود باليد التسلط على المال .
      راجع : القواعد / السيد محمد كاظم المصطفوي : 329 . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 197 : -

المعنى ولا يجب على كل مسلم متابعته وإجراء تلك الاثار كما يجريها إلا إذا حصل له العلم بذلك كما حصل للحاكم .

والنتيجة : إن الخليفة إذا كان يعلم بملكية الزهراء لفدك ، فالواجب عليه أن لا يتصرف فيها بما تكرهه ، ولا ينزعها منها سواء أجاز له أن يحكم على وفق علمه أو لا .

ولم يكن في المسألة منكر ينازع الزهراء ليلزم طلب اليمين منه واستحقاقه للمال إذا أقسم ، لأن الأموال التي كانت تطالب بها الزهراء أما أن تكون لها أو للمسلمين .

وقد افترضنا أن أبا بكر هو الخليفة الشرعي للمسلمين يومئذ ، وإذن فهو وليهم المكلف بحفظ حقوقهم وأموالهم ، فإذا كانت الزهراء صادقة في رأيه ، ولم يكن في الناس من ينازعها فليس للخليفة أن ينتزع فدك منها .

وتحديد الحكم بالبينة خاصة إنما يحرم الحكم ولا يجيز انتزاع الملك من صاحبه . وإذن فعدم جواز حكم الحاكم على وفق علمه ( 1 ) لا يخفف من صعوبة الحساب ولا يخرج الخليفة ناجحا من الامتحان . محمد باقر الصدر

 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سنن البيهقي 10 : 143 - 144 باب عدم جواز حكم القاضي بعلمه . ( * )

 

.................... تم........................

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب