مستمسكات الثورة

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 25 : -

مستمسكات الثورة :


ارتفعت الزهراء بأجنحة من خيالها المطهر إلى آفاق حياتها الماضية ودنيا أبيها ا لعظيم التي استحالت حين لحق سيد البشر بربه إلى ذكرى في نفس الحوراء متألقة بالنور ، تمد الزهراء في كل حين بألوان من الشور والعاطفة والتوجيه ، وتشيع

في نفسها ضروبا من البهجة والنعيم ، فهي وإن كانت قد تأخرت عن أبيها في حساب الزمن أياما أو شهورا ، ولكنها لم تنفصل عنه في حساب الروح والذكرى لحظة واحدة . وإذن ففي جنبيها معين من القوة لا ينضب ، وطاقة على ثورة كاسحة لا تخمد ، وأضواء من نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونفس محمد تنير لها الطريق ، وتهديها سواء السبيل .


وتجردت الزهراء في اللحظة التي اختمرت فيها ثورة نفسها عن دنيا الناس ، واتجهت بمشاعرها إلى تلك الذكرى الحية في نفسها لتستمد منها قبسأ من نور في موقفها العصيب ، وصارت تنادي : إلي يا صور السعادة التي أفقت منها على شقاء لا

يصطبر عليه . . . إلي يا أعز روح علي ، وأحبها إلي . . . حدثيني وأفيضي علي من نورك الألهي ، كما كنت تصنعين معي دائما . إلي يا أبي أناجيك إن كانت المناجاة تلذ لك ، أبثك همومي كما اعتدت أن أفعل في كل حين ، واخبرك أن تلك الظلال الظليلة التي كانت تقيني من لهيب هذه الدنيا لم يعد لي منها شئ .
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 26 : -

قد كان بعدك أبناء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إلي يا ذكريات الماضي العزيز حدثيني حديثك الجذاب ورددي على مسامعي كل شئ لاثيرها حربا لا هوادة فيها على هؤلاء الذين ارتفعوا أو ارتفع الناس بهم إلى منبر أبي ومقامه ، ولم يعرفوا

لا ل محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقوقهم ، ولا لبيتهم حرمة تصونه من الأحراق ( 2 ) والتخريب ، ذكريني بمشاهد أبي وغز واته ألم يكن يقص علي ألوانا من بطولة أخيه وصهره واستبساله في الجهاد ( 3 ) ، تفوقة على سائر الأنداد ، ووقوفه

إلى صف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أشد الساعات ، وأعنف المعارك التي فر فيها فلان وفلان وتقاصر عن اقتحامها ( 4 ) الشجعان . أيصح بعد هذا أن نضع أبا بكر على منبر النبي وننزل بعلي عما يستحق من مقام ؟ !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 312 .

( 2 ) إشارة إلى التهديد بإحراق بيت الزهراء عليها السلام ، راجع : الأمامة والسياسة / ابن قتيبة : 12 ، والطبري في تاريخه 2 : 233 طبعة دار الكتب العلمية - بيروت ، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6 : 47 - 48 ، رواية تنص على أن عمر بن الخطاب جاء إلى بيت فاطمة عليها السلام في عصابة في رجال من الأنصار ونفر من المهاجرين ، فقال : ( والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم ) .

( 3 ) راجع تاريخ الطبري 2 : 25 و 65 و 66 ، عندما قتل علي عليه السلام طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين . . . وقتل أصحاب الألوية ، أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من المشركين ، فقال : ( احمل عليهم ) ، فحمل عليهم ففرق جمعهم ، وقتل عمرو الجمحي ، ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من المشركين ، فقال لعلي : ( احمل عليهم ) ، فحمل عليهم ففرق جمعهم ، وقتل شبية بن مالك . فقال ( جبريل ) عليه السلام : ( يا رسول الله إن هذه للمواساة ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إنه مني وأنا منه ) ، فقال ( جبريل ) : ( وأنا منكما . . . ) .

( 4 ) راجع : رواية سعيد بن أبي وقاص في صحيح مسلم 4 : 1873 ، صحيح الترمذي 5 : 596 ، الصواعق المحرقة / ابن حجر : 143 فهي تنطق بهذا المعنى . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 27 : -

خبريني يا ذكريات أبي العزيز أليس أبو بكر هو الذي لم يأتمنه الوحي على تبليغ ( 1 ) آية للمشركين ؟ وانتخب للمهمة عليا ، فماذا يكون معنى هذا إن لم يكن معناه أن عليا هو الممثل الطبيعي للأسلام الذي يجب أن تستند إليه كل مهمة لا يتيسر للنبي

صلى الله عليه وآله وسلم مباشرتها ؟ إني لأتذكر بوضوح ذلك اليوم العصيب الذي أرجف فيه المرجفون لما استخلف أبي عليا على المدينة وخرج إلى الحرب ، فوضعوا لهذا الاستخلاف ( 2 ) ما شاؤوا من تفاسير ، وكان علي ثابتا كالطود لا

تزعزعه مشاغبات المشاغبين ، وكنت احاول أن يلتحق بأبي ليحدثه بحديث الناس ، وأخيرا لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم رجع متهلل الوجه ضاحك الأسارير ، تحمله الفرحة إلى قرينته الحبيبة ليزف إليها بشرى لا بمعنى من معاني

الدنيا بل بمعنى من معاني السماء . فقص علي كيف استقبله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورحب به وقال له : ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) ( 3 ) ، وهارون موسى كان شريكا له في الحكم ، وإماما لامته ، ومعدا لخلافته ، فلابد أن يكون هارون محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليا للمسلمين وخليفته فيهم من بعده .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) إشارة إلى قصة تبليغ سورة براءة ، وهي في مسند الأمام أحمد بن حنبل 1 : 3 طبعة دار صادر - بيروت ،
وفي الكشاف / الزمخشري 2 : 243 ، قال : ( روي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق لتبليغ سورة براءة ، هبط جبرائيل عليه السلام فقال : ( يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك ، فأرسل عليا . . . ) . راجع الرواية أيضا في صحيح الترمذي 5 : 594 .

( 2 ) راجع تفصيل الرواية في تاريخ الطبري 2 : 182 - 183 ، البداية والنهاية / ابن كثير الدمشقي 7 : 340 .

( 3 ) راجع : التاج الجامع للاصول في احاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصف 3 : 332 ،
قال : رواه الشيخان والترمذي ، صحيح مسلم 4 : 1873 ، خصائص النسائي : 48 - 50 . ( الشهيد ) ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 28 : -

ولما وصلت إلى هذه النقطة من أفكارها المتدفقة صرخت إن هذا هو الأنقلاب الذي أنذر تعالى في كتابه إذ قال :
( و ما محمد إلا رسول رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ( 1 ) .

فها هم الناس قد انقلبوا على أعقابهم ، واستولى عليهم المنطق الجاهلي الذي تبادله الحزبان في السقيفة حين قال أحد هما :
( نحن أهل العزة والمنعة ، واولوا العدد والكثرة ، وأجابه الاخر : من ينازعنا سلطان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن أولياؤه وعترته ) ( 2 )


وسقط الكتاب والسنة في تلك المقاييس ثم أخذت تقول : يا مبادئ محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جرت في عروقي منذ ولدت كما يجري الدم في العصب ، إن عمر الذي هجم عليك في بيتك المكي الذي أقامه النبي مركزا لدعوته قد هجم على آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دارهم وأشعل النار فيها أو كاد . . ( 3 ) .


يا روح امي العظيمة إنك ألقيت علي درسا خالدا في حياة النضل الأسلامي بجهادك الرائع في صف سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وسوف أجعل من نفسي خديجة علي في محنته القائمة ( 4 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) آل عمران / 144 .

( 2 ) راجع تفصيل ذلك في أخبار السقيفة / تاريخ الطبري 2 : 234 وما بعدها ، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6 : 6 - 9 ، فقد نقلا هذه المحاورات والمداخلات .

( 3 ) في هذه المسألة التي كثر فيها الكلام ، راجع : تارى الطبري 2 : 233 ، أخرج عن ابن حميد بسند قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه رجال من المهاجرين فقال : ( والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة . . . ) .

( 4 ) إشارة إلى موقف زوج الرسول الكريم خديجة الكبرى التي خصها الله بالكرامة في موقفها من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند محنته مع قريش في تكذيبه . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 29 : -

لبيك لبيك يا اماه إني أسمع صوتك في أعماق روحي يدفعني إلى مقاومة الحاكمين . فسوف أذهب إلى أبي بكر لأقول له :
( لقد جئت شيئا فريا ، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة )
( 1 )
،

ولانبه المسلمين إلى عواقب فعلتهم والمستقبل القاتم الذي بنوه بأيديهم وأقوال : ( لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب ، ثم احتلبوها طلاع القعب دما عبيطا ، وهناك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون ، غب ما أسس الأولون ) ( 2 ) .

ثم اندفعت إلى ميدان العمل وفي نفسها مبادئ محمد صلى الله عليه وآله وسلم وروح خديجة ، وبطولة علي ، وإشفاق عظيم على هذه الامة من مستقبل مظلم . 
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) و ( 2 ) من خطبتها ، راجع : شرح نهج البلاغة 16 : 212 .

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب