|
طريق الثورة |
|
|
طريق الثورة : لم يكن الطريق الذي اجتازته الثائرة طويلا ، لأن البيت الذي
انبعث منه شرر الثورة ولهيبها هو بيت علي عليه السلام ، بالطبع الذي كان يصطلح
عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت النبوة ( 3
) ، وهو جار المسجد ( 4 ) لا يفصل بينهما
سوى جدار
واحد ، فلعلها دخلته من الباب المتصل به ، والمؤدي إليه من دارها مباشرة ، كما يمكن أن يكون مدخلها الباب العام . ولا يهمنا تعيين أحد الطريقين ، وإن كنت ارجح أنها سلكت الباب العام لأن سياق الرواية التاريخية التي حكت لنا هذه الحركة الدفاعية يشعر بهذا ، فإن دخولها من الباب الخاص لا يكلفها سيرا في نفس المسجد ، ولا اجتياز طريق بينه وبين بيتها ، فمن أين للراوي أن يصف مشيها ، وينعته بأنه لا يخرم مشية ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لم يكن معها بالطبع ؟ ! ولو تصورنا أنها سارت في نفس المسجد ، لا ينتهي سيرها بالدخول على الخليفة ، وإنما يبتدي بذلك ، لأن من دخل المسجد صدق عليه أنه دخل على من فيه ، وإن سار في ساحته من أن الراوي يجعل دخولها على أبي بكر متعقبا لمشيها ، وهذا وغيره يكون قرينة على ما استقريناه .
النسوة : وتدلنا الرواية على أن على الزهراء كانت تصحب معها نسوة
( 2 ) من قومها وحفدتها كما سبق ذكره ، ومرد هذه
الصحبة وذلك الاختيار للباب العام إلى أمر واحد ، وهو تنبيه الناس ، وكسب
التفاتهم باجتيازها في الطريق مع تلك النسوة ليجتمعوا في المسجد ، ويتهافتوا
حيث ينتهي بها السير بقصد التعرف
على ما تريده ، وتعزم عليه من قول أو فعل ، وبهذا تكون المحاكمة علنية تعيها أسماع عامة المسلمين في ذلك الوسط المضطرب .
سبق أن الرواية التاريخية جاءت تنص على أن الزهراء لم تكن لتخرم في مشيتها مشية أبيها صلى الله عليه وآله وسلم . ويتسع لنا المجال لفلسفة هذا التقليد الدقيق ، فلعله كان
طبيعة قد جرت عليها في موقفها هذا بلا تكلف ولا اعتناء خاص ، المشابهة المتقنة وجه آخر بأن كانت الحوراء قد عمدت في موقفها يو مذاك إلى تقليد أبيها في مشيه عن التفات وقصد فأحكمت التمثيل ، وأجادت المحاكاة ، فلم تكن لتخرم مشية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأرادت بهذا أن تستولي على المشاعر وإحساس الناس ، وعواطف الجمهور بهذا التقليد البا هر الذي يدفع بأفكار هم إلى سفر تصير ، وتجول لذيذ في الماضي القريب حيث عهد النبوة المقدس ، والأيام الضواحك التي قضوها تحت ظلال نبيهم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، فيكون في إرهاف هذه الأحساسات وصقلها صقلا عاطفيا ما يمهد للزهراء الشروع في مقصودها ، ويوطئ القلوب لتقبل دعوتها الصارخة ، واستجابة استنقاذها الحزين ، ونجاح محاولتها اليائسة أو شبه اليائسة . ولذا ترى أن الراوي نفسه أثرت عليه هذه الناحية أيضا من حيث
يشعر أو لا يشعر ، ودفعه تأثره هذا إلى تسجيلها فيما سجل من تصوير الحركة
الفاطمية : صرخة باركتها الزهراء ، ورعتها السماء فكانت عند اندلاعها محط الثقل الذي تركز عنده الحق المذبوح ، والمحاولة اليائسة التي شاعت حولها ابتسامات أمل استحالت بعد انتهائها إلى عبوس مرير ، ويأس ثابت ، واستسلام فرضته حياة الناس الواقعة يو مذاك .
|
|