طريق الثورة

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 29 : -

طريق الثورة :

لم يكن الطريق الذي اجتازته الثائرة طويلا ، لأن البيت الذي انبعث منه شرر الثورة ولهيبها هو بيت علي عليه السلام ، بالطبع الذي كان يصطلح عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت النبوة ( 3 ) ، وهو جار المسجد ( 4 ) لا يفصل بينهما سوى جدار
 

 

* ( هامش ) *
( 3 ) ينقل الرواة والمؤرخون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استمر أكثر من ستة أشهر بعد نزول آية التطهير يقف على باب دار علي وفاطمة عليها السلام ، عند ذهابه إلى الصلاة وهو يقول : ( السلام عليكم يا أهل البيت ) ،
راجع : مسند الأمام أحمد بن حنبل 3 : 285 طبعة دار صادر ، المستدرك على الصحيحين / الحاكم ا لنيسابوري 3 : 158 .

( 4 ) في مسند أحمد بن حنبل 4 : 369 ، وفي تاريخ ابن كثير 3 : 355 ، كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبواب شارعة في المسجد ، فأمر رسول الله بسد هذه الأبواب إلا باب علي عليه السلام . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 30 : -

واحد ، فلعلها دخلته من الباب المتصل به ، والمؤدي إليه من دارها مباشرة ، كما يمكن أن يكون مدخلها الباب العام . ولا يهمنا تعيين أحد الطريقين ، وإن كنت ارجح أنها سلكت الباب العام لأن سياق الرواية التاريخية التي حكت لنا هذه الحركة

الدفاعية يشعر بهذا ، فإن دخولها من الباب الخاص لا يكلفها سيرا في نفس المسجد ، ولا اجتياز طريق بينه وبين بيتها ، فمن أين للراوي أن يصف مشيها ، وينعته بأنه لا يخرم مشية ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لم يكن معها بالطبع

؟ ! ولو تصورنا أنها سارت في نفس المسجد ، لا ينتهي سيرها بالدخول على الخليفة ، وإنما يبتدي بذلك ، لأن من دخل المسجد صدق عليه أنه دخل على من فيه ، وإن سار في ساحته من أن الراوي يجعل دخولها على أبي بكر متعقبا لمشيها ، وهذا وغيره يكون قرينة على ما استقريناه .

 

النسوة :

وتدلنا الرواية على أن على الزهراء كانت تصحب معها نسوة ( 2 ) من قومها وحفدتها كما سبق ذكره ، ومرد هذه الصحبة وذلك الاختيار للباب العام إلى أمر واحد ، وهو تنبيه الناس ، وكسب التفاتهم باجتيازها في الطريق مع تلك النسوة ليجتمعوا في المسجد ، ويتهافتوا حيث ينتهي بها السير بقصد التعرف
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع الرواية ، وأن مشيها لا يخرم مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 211 .
( 2 )
المصدر السابق . ( * )

 

 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 31 : -

على ما تريده ، وتعزم عليه من قول أو فعل ، وبهذا تكون المحاكمة علنية تعيها أسماع عامة المسلمين في ذلك الوسط المضطرب .


ظاهرة :

سبق أن الرواية التاريخية جاءت تنص على أن الزهراء لم تكن لتخرم في مشيتها مشية أبيها صلى الله عليه وآله وسلم .

ويتسع لنا المجال لفلسفة هذا التقليد الدقيق ، فلعله كان طبيعة قد جرت عليها في موقفها هذا بلا تكلف ولا اعتناء خاص ،
ولى هذا ببعيد فإنها ( صلوات الله عليها ) قد اعتادت أن تقلد أباها وتحاكيه في سائر أفعالها وأقوالها ، ويحتمل أن يكون لهذه

المشابهة المتقنة وجه آخر بأن كانت الحوراء قد عمدت في موقفها يو مذاك إلى تقليد أبيها في مشيه عن التفات وقصد فأحكمت التمثيل ، وأجادت المحاكاة ، فلم تكن لتخرم مشية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأرادت بهذا أن تستولي على

المشاعر وإحساس الناس ، وعواطف الجمهور بهذا التقليد البا هر الذي يدفع بأفكار هم إلى سفر تصير ، وتجول لذيذ في الماضي القريب حيث عهد النبوة المقدس ، والأيام الضواحك التي قضوها تحت ظلال نبيهم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم

، فيكون في إرهاف هذه الأحساسات وصقلها صقلا عاطفيا ما يمهد للزهراء الشروع في مقصودها ، ويوطئ القلوب لتقبل دعوتها الصارخة ، واستجابة استنقاذها الحزين ، ونجاح محاولتها اليائسة أو شبه اليائسة .

ولذا ترى أن الراوي نفسه أثرت عليه هذه الناحية أيضا من حيث يشعر أو لا يشعر ، ودفعه تأثره هذا إلى تسجيلها فيما سجل من تصوير الحركة
 

- فدك في التاريخ - السيد محمد باقر الصدر ص 32 : -

الفاطمية :
 

صرخة باركتها الزهراء ، ورعتها السماء فكانت عند اندلاعها محط الثقل الذي تركز عنده الحق المذبوح ، والمحاولة اليائسة التي شاعت حولها ابتسامات أمل استحالت بعد انتهائها إلى عبوس مرير ، ويأس ثابت ، واستسلام فرضته حياة الناس الواقعة يو مذاك .


ثورة لم تكن لتقصد بها الثائرة نتيجة لها على ما يطرد في الثورات الاخرى بقدر ما كانت تهدف إلى تثبيت الثورة لذاتها ، وتسجيلها فيما يسجله التاريخ في سطوره البارزة ، فكانت الثورة على هذا بنفسها تؤدي الغرض كاملا غير منقوص ، وهذا ما وقع بالفعل وبه نفسر الحكم بنجاحها وإن فشلت كما سنوضحه في موقع آخر من هذا الكتاب .

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب