|
دراسات في
الحديث والمحدثين
- هاشم معروف
الحسيني ص 5 : - |
|
تأليف هاشم معروف الحسني
دراسات في الكافي للكليني ، والصحيح للبخاري
يعرض هذا الكتاب لمحة عن
الكتابة قبل الإسلام ومراحلها بعده ، وعن الحديث
ومراحل تدوينه وأقسامه وأصنافه وعن علمي الدراية
والرجال ، ويتعرض للصحابة والعدالة وآراء المحدثين
والفقهاء فيهما ، ويقارن بين العدالة التي أثبتها
المحدثون لجميع الصحابة وبين العصمة التي أثبتها
الشيعة لائمتهم ( ع ) كما يتعرض لموقف كل من الشيعة
والسنة من الرواة ومجاميع الحديث ، وللبخاري والكليني
وتاريخهما والى صحيح البخاري والكافي ومكانتهما عند
الفريقين
ويقدم
أمثلة منهما في مختلف المواضيع إلى غير
ذلك مما يتصل بموضوع الكتاب مع الاختصار والتوضيح حسب
الإمكان ، ويعتمد في جميع مباحثه على المصادر الموثوقة
عند الفريقين .
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله والصلاة
على محمد وآل بيته وصحبه الطيبين وبعد . . .
لقد وجدت وانا ادرس تاريخ التشريع وأصوله إسرافا في التهم وغلوا
لا مبرر له من السنة والشيعة في أحكامهم على الفقهاء
والمحدثين من الفريقين ذلك الغلو الذي اتخذ طابع
التعصب الطائفي الذي أطاح بالقيم واحدث فجوة بينهما
فرقتهم شيعا وأحزابا، وأصبحوا ينظرون من هذه الزاوية
وحدها إلى آثارهم ومؤلفاتهم على اختلاف أنواعها
ومقاصدها ، مع العلم بان تلك المؤلفات وبخاصة ما
ألفه
الفريقان في الحديث يمكن الاستفادة منه والاعتماد عليه
إلى ابعد الحدود
ما دام ينتهي في واقعه إلى مصدر واحد
وهو الرسول الأعظم ( ص ) الذي يروي عنه الفريقان السنة
بوسائطهم والشيعة بواسطة أئمتهم ( ع ) وغيرهم من
الموثوقين ، ولكنهم بدلا من دراستها دراسة واعية شاملة
بقصد الاستفادة
منها وتصفيتها انكمش كل فريق على مؤلفاته
وآثاره ، واتهم الأخر بالتعصب والانحراف عن الحق ،
وقال السنة : إن الشيعة لا يقبلون إلا المرويات عن
أئمتهم على شرط أن يكون الراوي لها اماميا ، ويرفضون
جميع المرويات ولو
كانت عن الرسول ( ص ) إذا رواها
غيرهم صحابيا كان أم غيره ولو كان في أعلى درجات
الإيمان والاستقامة ، وقد نبهت على خطا هؤلاء الغلاة
في كتابي المبادئ العامة للفقه الجعفري بما حاصله انه
إذا كان بين الشيعة من لا يعتمد
على مرويات الموثوقين
من السنة عن الرسول ( ص ) فهو لا يمثل الشيعة ، ولا
يعبر عن رأيهم في هذه المسالة ، لان كتب الحديث
والرجال التي تعد بالعشرات تنص على قبول مرويات الثقاة
من السنة وغيرهم ، ولدينا من الأرقام
ما يؤكد هذه
الحقيقة كما سنتعرض لذلك في الفصول الآتية من هذا
الكتاب . والى جانب هذه النسبة إلى الشيعة ، نجد
الشيعة أنفسهم ينسبون إلى السنة بأنهم لا يعتمدون على
مرويات الشيعة ويطرحون الحديث إذا كان رواته كلهم أو
بعضهم من الشيعة استنادا إلى كثير من المصادر السنية
التي تؤكد هذه الحقيقة ، تلك المصادر التي ينص بعضها
على وجوب طرح الحديث لمجرد انه يتفق مع بعض معتقداتهم
، أو لان فيه رائحة التشيع هذا بالإضافة إلى ما ينسبه
كل
فريق إلى
الآخر من خلال بعض المرويات المدونة في
مجاميع الحديث عند الطرفين بدون تدبر في مضامينها
وتحقيق في أسانيدها وقبل ردها إلى الأصول المقررة عند
الفريقين ، ونتيجة لهذا الإسراف والغلو في الاتهامات
ولما تولد عن
ذلك من المضاعفات اتسعت المسافة بينهما واتخذ شكلا كريها بعيدا عن منطق الدين والحق ، ونبذ
كل منهما ما عند الآخر من ثروة فكرية يمكن الاستفادة
منها إلى ابعد الحدود . وكان بالإمكان لو كانت النفوس
طيبة ، وتجرد الباحثون إلى طلب
الحق الاستفادة من كتب الحديث واستغلالها لخدمة
الدين سنية كانت أم شيعية لأنها وان اختلفت من حيث
رواتها ومصادرها إلا انها تلتقي في كثير من محتوياتها
ومضامينها ، وتعبر عن السنة النبوية المطهرة ، بالرغم
من اننا لا
نؤمن بكل ما جاء فيها من المرويات سواء في
ذلك الصحاح الستة المعتمدة عند السنة ، أو الكتب
الأربعة التي يعتمدها الشيعة من المصادر الموثوقة في
جملتها بين كتب الحديث .
اجل أقول ذلك وبين يدي كتابان
من كتب الحديث وهما الصحيح للبخاري والكافي لكليني ،
ولست مبالغا إذا قلت بأنهما من أوثق الكتب في موضوع
الحديث عند السنة والشيعة وأغناها بالآثار الإسلامية
التي تناولت جميع الشؤون الإسلامية
وأمدت الفكر
بالإنتاج والإبداع في مختلف المواضيع ، ذلك لان ما جاء
به الإسلام من القوانين والأنظمة والأخلاق والآداب
وغير ذلك من المناهج التربوية والاجتماعية وضع أصول
هذه المناهج وقواعدها القرآن أولا ، وتعهدت السنة
بتفاصيلها وتوضيح مشكلاتها ومجملاتها ، وستبقى السنة
إلى جانب القران مصدرا غنيا بتلك الثروة التي تمد
الإسلام بالخلود والبقاء حتى يرث الله الأرض ومن
عليها .
ولو وقف المسلمون بعد وفاة الرسول ( ص ) من
السنة موقفا سليما وعملوا على تدوينها وجمعها من صدور
الحفاظ قبل ان تأكلهم الحروب والغزوات وقبل ان تعبث
بها أيدي الدساسين والمخربين ، لو وقفوا منها هذا
الموقف لقطعوا
الطريق على هؤلاء وغيرهم من المرتزقة
الذين كانوا يتقربون إلى الحكام بوضع الأحاديث التي
تمس أخصامهم السياسيين وتؤيد عروشهم ، ولكن الحكام بعد
وفاة الرسول ( ص ) بدلا ان يفسحوا المجال لجمعها من
الصدور قبل ان تعبث بها الأيدي ، منعوا من تدوينها
وجمعها في الكتب بحجة المحافظة والحرص على كتاب الله
كي
لا تحتل مكانته من القلوب والنفوس ، كما تحدد
أكثر الروايات موقف الخليفة الثاني من هذه المسالة .
ومهما كان الحال فقد عبثت الأيدي في الحديث بسبب هذا
الموقف السلبي من تدوينه، ولعبت السياسة والطائفية
دورهما البغيض في مرويات المحدثين من السنة والشيعة
كما شاء لها الهوى والغرض خني حدثت تلك الفجوة العميقة
بين
الفريقين ،
وأصبحت المجاميع الشيعية بنظر اخوانهم
من السنة أداة طيعة لهدم الدين ، وتشويه معالمه - لان
أصحابها ورواة أحاديثها وضاعون كذابون على حد زعمهم ،
تفوح منم رائحة الرفض وتبدو من محتوياتها مبادئ التشيع
الهدامة
على حد تعبير بعضهم ، والشئ الطبيعي في مثل
هذه الحالات ان يكون لهذا التعصب آثاره السيئة في نفوس الشيعة التي تفرض عليهم ان ينظروا إلى صحاح السنة
ومجاميعهم نظرة مليئة بالريبة والحذر والتشكيك لاسيما
وهم يرون
البخاري بصفته من
أوثق المؤلفين عند السنة
وكتابه من اصح المجاميع في الحديث لا يروي عن جعفر بن
محمد الصادق ولا عن الأئمة سن ولده الأطهار ، ويروي عن
الأشرار والفجار كمعاوية ومروان بن الحكم وعمران ابن
حطان الخارجي ، الذي قرض عبد الرحمن بن ملجم وامتدحه
لانه قتل إمام المسلمين وسيدهم عليا ( ع ) ويعتمد على
العشرات ممن لم تتوفر فيهم الشروط التي تيسر للباحث
الاطمئنان بصدور الحديث عن الرسول ( ص ) وغيره من
اعلام الصحابة الذين اخذوا من
الرسل مباشرة ، لهذا
ولغيره من الأسباب والملابسات كان من المفروض على
الشيعة ان يقفوا من مرويات السنة موقف المتحفظ الذي
يريد ان يستوحي اقواله واعماله من الواقع الذي يحسه
ويطمئن إليه ،
وإذا شذ بعضهم عن هذا المبدأ وتأثر
بالاستفزازات الموجهة إلى الشيعة ووقف من مروياتهم
موقفا سلبيا متنكرا لما فيها من الغرر والدرر فهو لا
يعبر عن رأي الشيعة ولا يمثلهم في مثل هذه المواضيع
.
ومهما كان الحال فقد
ألف الشيعة في الحديث
عشرات الكتب خلال القرون الثلاثة من الهجرة وكانت هذه
الكتب مصدرا لكتب الأربعة التي ألفها الكليني والصدوق
، والطوسي في القرنين الرابع والخامس ، كما ألف السنة
في
الحديث بعد ان اتجه العلماء
إلى التدوين العشرات من
الكتب بما في ذلك الصحاح الستة في الفترة نفسها ، وظهر
من خلال المدونات الشيعية ، ان الشيعة قد اعتمدوا على
مرويات الأئمة أكثر من غيرها باعتبارهم المصدر الأمين
الحاكي
لأقوال الرسول
وأفعاله ، واخذوا عنهم أكثر
مدوناتهم ، كما اتجه السنة فيما دونوه إلى غيرهم ممن
يثقون به من الرواة والصحابة ، واعتبروا الأئمة ( ح )
من ولد الرسول ( ص ) كغيرهم من الرواة والفقهاء يخضعون
للنقد والتجريح
والتوثيق ، فروى عنهم فريق ، وتجاهلهم
آخرون ولعل محمد بن إسماعيل البخاري الوحيد بين أصحاب
الصحاح من حيث تجاهله لأكثر الأئمة وتلامذتهم
المنتشرين في جميع البلدان وبخاصة البلاد التي رحل
إليها في طلب الحديث كمدن العراق والحجاز وغيرهما .
ونظرا لان الكافي من ابرز كتب الحديث عند الشيعة ،
والصحيح للبخاري من اصح المجاميع عندهم قد اخترتهما
لهذه الدراسات التي تضمنها هذا الكتاب بروح مجردة عن
التعصب والهوى ، متحريا الحق أينما كان ، وإبراز بعض
الحقائق التي
أحيطت بالغموض والتشويش ، نتيجة لعامل
السياسة والطائفية والزمن وغير ذلك من الملابسات
والأسباب كما واني قد حاولت التخفيف من حدة الموقف
الذي اوجد تلك الفجوة الواسعة بين الفريقين ، وعرضت
لهذه الغاية بعض موارد الالتقاء بين الجامعين وما تفرد به كل منهما مما يتفق مع روح
الإسلام وسماحته وما هو
بعيد عنها ، ولم أجد بدا هن الوقوف عند بعض المرويات
والتعليق عليها أحيانا بدافع الحرص على كرامة السنة
وتنزيهها عما الصق بها زورا وبهتانا
.
كما واني عندما وقفت بجانب الكليني في بعض
المواضيع لم يكن ذلك مني بدافع التحيز له ، ويستطيع
القارئ ان يتأكد من هذه التحقيقة من موقفي معه في كثير
من مروياته قي كتاب الحجة ، وإنما وقفت إلى جانبه في
بعض المواضيع لانه قد تعرض لأعنف الهجمات من بعض مؤلفي
السنة بدون مبرر لذلك .
ومن أمثلة ذلك الهجوم الذي
تعرض له من أبي زهرة في كتابيه الإمام الصادق (
والإمام زيد بن علي ) لانه دون في الكافي بعض المرويات
التي تشعر بتحريف القران ، فقد اتهمه أبو زهرة وغيره
بالنفاق من اجل ذلك ، ودعا إلى
التشكيك بجميع مروياته
، مع العلم بان أحاديث التحريف التي تستر بها
المهاجمون للكليني رواها البخاري وغيره من المحدثين في
مجاميعهم بشكل أوسع وأصرح في التحريف سما رواه الكليني
حول هذا الموضوع ، ومع ذلك لم
يتعرض البخاري وغيره من
المحدثين لمثل تلك الهجمات والاتهامات ولم يطالبوا
بطرح مرويات تلك الصحاح بكاملها ، كما طالبوا بذلك
بالنسبة لمرويات الكافي ، ولا اغالي إذا قلت بان
الحملات التي وجهت إلى الكافي ، لو وجهت إلى البخاري
وحده في موضوع يشترك فيه مع الكيلني لوقفت إلى جانبه
بنفس الروح التي وقفت فيها إلى جانب الكيلني .
ومجمل
القول هو أني قد أخذت على نفسي في الدراسات التي
تضمنها هذا الكتاب ان لا أجامل أحدا ، ولا أحابي فريقا
مهما كانت النتيجة ، ولا أقول إلا ما اعتقد انه الحق ،
لا ابتغي من وراء ذلك إلا رضا الله سبحانه فان وفقت
لذلك فما أبالي بغضب من سواه ، وان أخطأني الحظ فأرجو
ان احظى برضاه فيما بقي من عمري .
وقد اعتمدت في جميع
المواضيع التي اشتمل عليها هذا الكتاب على المصادر الموثوقة عند الفريقين السنة والشيعة ، ومنه سبحانه
استمد التوفيق لما يرضيه ويقربني إليه والإخلاص في
العمل انه قريب مجيب .
|