دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 71 : -

عدالة الصحابة

يدعى الجمهور من السنة ، ان للصحبة شرفا عظيما يمنح المتصف بها امتيازا يجعله فوق مستوى الناس أجمعين ، ولو باشر المنكرات ، وأسرف في المعاصي واتباع الشهوات ، وينطلقون من هذا الغلو إلى انهم عدول مجتهدون في جميع

ما صدر منهم . فمن أصاب في آرائه وأعماله الواقع فله ثواب من أدرك الحق وعمل به ، ومن أخطا فله أجر المجتهدين العارفين فعدالتهم ثابتة بتعديل الله لهم وثنائه عليهم على حد تعبير الغزالي في المستصفى ، وعندما تنتهي

الرواية إليهم يجب الوقوف عندها ، وليس لأحد ان يطبق عليها أصول علم الدراية وقواعده ، ولو كان الراوي لها مروان بن الحكم أو أبو سفيان أو غيرهما ممن وصفهم القرآن بالنفاق والرسول الكريم بالارتداد .


قال ابن حجر في المجلد الأول من الإصابة : اتفق أهل السنة على ان الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلا شذاذ من المبتدعة ، وأضاف إلى ذلك ان عدالتهم ثابتة بتعديل الله لهم .

ونقل عن ابن حزم : بأنهم جميعا عدول ومن أهل الجنة قطعا على حد تعبيره ، ومن قال بأنهم كغيرهم من الناس يتفاوتون بمقدار أعمالهم وخدماتهم وجهادهم فقد تعرض لأعنف الهجمات من جمهور أهل السنة .

وقال الغزالي في المستصفى : والذي عليه السلف وجماهير الخلف ان عدالتهم معلومة بتعديل الله : عز وجل إياهم وثنائه عليهم في كتابه وهو 

ص 72 :

معتقدنا فيهم إلا ان يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به ، وذلك مما لم يثبت ، فلا حاجة لهم إلى التعديل ، قال تعالى : كنتم خير امة أخرجت للناس ومضى يسرد الأدلة على عدالتهم من الكتاب والسنة ، وأضاف إليها انه

لو لم ترد النصوص القرآنية والنبوية بعدالتهم لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأهل في موالا ة رسول ا لله ( ص ) ونصرته ، لو لم ترد النصوص لكانت هذه النواحي

كافية في عدالتهم ، وبعد ان تعرض لبعضي الآراء التي تحملهم مسؤولية أعمالهم وتصرفاتهم المنسوبة إلى بعض أعيان المعتزلة وغيرهم ، بعد ان عرضها قال : وكل هذه الأقوال جرأة على السلف ، ومخالفة للسنة ، وأخيرا رجح

الرأي الشائع بين فقهاء السنة ومحدثيهم فيما يتعلق بتصرفات الصحابة المنافية لأصول الإسلام وفروعه ، الذي ينص على انهم مجتهدون في كل ما وقع منهم ، فالمصيب منهم مأجور ، والمخطئ معذور ( 1 ) .


ويؤكد البعض من السنة ان الصحابة كغيرهم من الرواة من حيث وجوب الفحص عن عدالتهم والتوثق منها ( 2 ) ، وأنصار هذا القول بين من يرى انهم كغيرهم من الناس ، وان الصحبة لا ترفع من شان احد طالت أم قصرت ، وبين

من يدعى ان عدالتهم استمرت إلى ان وقع الخلاف بينهم ، وباشروا الفتن وأراقوا الدماء ، وتنافسوا على أمور الدنيا ، ومنذ ذلك الحين أصبحوا كغيرهم معرضين للنقد والتجريح والتفسيق ولغير ذلك مما يجوز على جميع الناس ،

وأسرف بعض المعتزلة إسرافا لا مبرر له في حكمه على تلك الفئات المتخاصمة ، فذهب واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد إلى وجوب طرح الرواية إذا انتهت إليهم ولو كان الراوي لها عليا ( ع ) ، لاحتمال ان يكون هو المبطل في خصومة لعائشة ورفيقيها ،

 

( 1 ) انظر المستصفى ص 204 و 205 .

( 2 ) القائلون بذلك لا يمثلون رأي الجمهور كما ذكرنا سابقا . ( * ) 

 

 

ص 73 :

ولمعاوية وأنصاره ، كما يرى ذلك واصل بن عطاء ، بينما يؤيد عمرو بن عبيد ، الزعيم الشافعي للمعتزلة بعد واصل انهم جميعا قد خرجوا عن العدالة ولا تصح شهادتهم على باقة بقل ، على حد تعبيره .


وجاء في الفرق بين للبغدادي ان ابا الهذيل العلاف ، والجاحظ ، وأكثر القدرية على رأي واصل بن عطاء في علي ( ع ) وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم ممن اشترك في الحروب والخصومات في تلك الفترة من تاريخ الإسلام .

ومهما كان الحال فالمحدثون والفقهاء من المنتسبين إلى المذاهب الأربعة إلا ما شذ منهم متفقون على عدالة الصحابة وعدم التوقف في مروياتهم عن الرسول ( ص ) ورجحان الاقتداء بهم في أمور الدين وغيرها ، ولم يعرف الخلاف

في ذلك إلا من بعض المتأخرين ، كالشيخ صالح مهدي المقبلي ، المتوفى في أوائل القرن الثاني عشر الهجري ، والشيخ محمد عبدو ، والشيخ رشيد رضا ، وغيرهم ، ولكن هؤلاء وان كانوا من أعلام السنة ، ولكنهم لا يمثلون إلا أنفسهم في هذه المسالة .

 

قال الاستاذ محمود أبو رية : وإذا كان الجمهور على ان الصحابة كلهم عدول ، ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة ، واعتبروهم جميعا معصومين عن الخطأ والسهو والنسيان ، فان هناك كثير من المحققين لم

يأخذوا بهذه العدالة المطلقة لجميع الصحابة ، وإنما قالوا : كما قال العلامة المقبلي : انها أغلبية لا عامة ، وانه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط والنسيان والسهو والهوى ، ويؤيدون رأيهم بان الصحابة ان هم إلا بشر يقع

منهم ما يقع من غيرهم ، مما يرجع إلى الطبيعة البشرية ، ويعززون حكمهم بما وقع، في عهده من المنافقين والكذابين وبما وقع بعده من الحروب والفتن والخصومات التي لا تزال اثارها إلى اليوم ، وستبقى إلى ما بعد هذا اليوم ( 1 ).

 

( 1 ) انظر الاضوأ ص 322 و 323 ، والمستصفى ص . ( * )  105

 

 

ص 74 :

واستدل القائلون بعدالة الصحابة ببعض الآيات والأحاديث المروية عن النبي ( ص ) التي تثبت هذه الصفة لجميع الصحابة على حد زعمهم .

فمن ذلك قوله تعالى في للآية من سورة الفتح : " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي

الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا " .


وقال تعالى في سورة التوبة : " وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " .


وقال في سورة الانفال : " وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ " .

وقال في سورة الحشر : " لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا

يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " .

وقال في سورة الفتح : " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا " . بهذه الا يات وغيرها مما اشتمل على مدحهم بالايمان والصدق 
 

ص 75 :

وعلى وعدهم بالمغفرة والجنان . التي أعدها الله للمؤمنين العاملين ، قد استدل الجمهور من السنة على عدالة الصحابة وانهم فوق الشبهات والأهواء ( وان بساطهم قد طوي ) وليس لأحد ان يتردد في شئ من تصرفاتهم وأعمالهم على حد

تعبير بعض المحدثين من السنة والذي الا يمكن التنكر له ، هو ان هذه الآيات ونظائرها تدل دلالة واضحة لا تقبل الجدل والتشكيك على ان لبعضهم من القداسة وعلو المنزلة ما ليس لأحد من الناس وبخاصة من اشترك معه في

حروبه وغزواته ، وضحى في سبيل تسك الدعوة بالمال والنفس والأولاد ، واخلص له في السر والعلانية ، هؤلاء لا يجحد فضلهم الا كل معاند لا يؤمن بيوم الحساب ، اما ثبوت العدالة والقداسة لكل من رآه أو سمع حديثه ، أو أدرك

عصره ولو طفلا صغيرا مهما صنع بعد ذلك من المنكرات واقترف من الذنوب والآثام كما جرى ذلك لكثير منهم ، فهو نوع من التهويش والتضليل الذي لا يقره المنطق بل ولا العقل ، ولا تؤيده تلك النصوص ولو من بعيد ، ذلك لان من

وصفهم الله بتلك الآيات بالشدة على الكفار والركوع والسجود والهجرة والجهاد وغير ذلك من الأوصاف لا ينكر احد فضلهم ، ولا يتردد في عدالتهم ، ومن المعلوم ان الذين عاصروا الرسول ورووا حديثه ، بل وحتى الذين ناصروا

دعوته لم تتوفر في أكثرهم تلك الصفات التي اشتملت عليه الآيات الكريمة ، بل من بينهم المنافق والفاسق والمتخاذل والمتستر بالإسلام خوفا أو طمعا ، ومن ينتظر الفرص ويراقب الظروف ويهيئ المناسبات ليقوم بدوره في وجه تلك

الدعوة المباركة ، ولو بالفتك بالرسول إذا اقتضى الأمر ، كما أشار القرآن نفسه إلى ذلك في بعض آياته ، هذا بالإضافة إلى ان المتتبع لسير الحوادث ، وتاريخ الصحابة في حياة الرسول وبعد وفاته لا يرتاب في ان الذين

عاصروا الرسول بل وحتى الذين كانوا ألصق به من جميع الناس لم يلتزموا سيرته وسنته وساقتهم الأهواء إلى ممارسة ما استطاعوا من الملذات 

ص 76 :

والشهوات ، لقد أحبوا وكرهوا وخاصموا وانتقموا واستحل بعضهم دماء الآخرين في سبيل الجاه والسلطان .

ان هؤلاء الذين ألبسوا جميع الصحابة ثياب القديسين وأعطوهم صفات الأنبياء المرسلين ، قد ناقضوا أنفسهم فصدقوا التاريخ فيما رواه من أعمالهم الطيبة ومواقفهم الخالدة ، وكذبوه في غير ذلك من المرويات التي تصور لنا جشعهم

وانهماكهم في المعاصي والمنكرات ، مع العلم بأن التاريخ الذي روى لنا محاسن اخبارهم ، روى لنا سيئات أعمالهم بشكل أوثق واقرب إلى منطق الأحداث التي توالت خلال تلك الفترة من تاريخهم المشحون بالأحداث والمتناقضات ،

والتنافس على المال الحرام والجاه والسلطان . ومجمل القول ، ان للآيات التي استدل بها ، الجمهور على عدالة الصحابة لا يستفاد منها أكثر من التنويه بصدد من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه ابتغاء مرضاة الله وطمعا في ثوابه ، كما يبدو ذلك بعد الرجوع إليها وملاحظة أسباب نزولها وملابساتها

فالآية الأولى بمنطوقها تنص على ان جماعة من أنصار النبي ( ص ) كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم ، قد انصرفوا إلى العبادة حتى ظهرت آثار ذلك في جباههم ووجوههم ، وهذه الصفات لم تتوفر إلا في عدد محدود من الصحابة فضلا عن جميعهم .


والآية الثانية لم تتعرض إلا للسابقين في فعل الخيرات والطاعات وتفضيلهم على غيرهم من الكسالى والمقصرين ، فهي من حيث مؤداها أشبه بقول الرسول ( ص ) من سن سنة حسنة كان له اجر من عمل بها : ومن سن سنة سيئة

كان عليه وزر من عمل بها . وجاء عن جماعة من المفسرين ، ان للآية تشير إلى من صلى مع النبي القبلتين ، وقال آخرون : انها نزلت فيمن بايع بيعة الرضوان ، 

ص 77 :

وقال بعضهم انها فيمن اسلم قبل الحجرة ، وعلى جميع التقادير فهي لا تفيد الجمهور ، ولا تؤيد ادعائهم من قريب أو بعيد ( 1 ) .

والآية الثالثة ، نزلت فيمن هاجر من مكة إلى المدينة ، بعد ان هاجر الرسول إليها ، كما جاء في مجمع البيان للطبرسي ، وقد مدحهم الله سبحانه، لانهم هاجروا من ديارهم وأوطانهم في مكة ولحقوا بالرسول ( ص ) إلى المدينة

، كما مدح من آواهم ونصر الرسول ووصفهم بأنهم المؤمنون حقا ، ولا يعارض احد من المسلمين في ان أولئك بهجرتهم ، وهؤلاء بنصرتهم وتضحياتهم وإيثارهم على أنفسهم من المرضيين عند الله سبحانه بالنسبة إلى هذا الموقف

الذي وفقوه مع النبي ( ص ) وهذا لا يمنع من صدور المخالفات الكثيرة من بعضهم التي توجب وصفهم بالنفاق أو الارتداد كما نصت على ذلك بعض المرويات ، على ان الصفات التي اشتملت عليها الآية لم تتوفر في جميع الصحابة

، كي تثبت لهم العدالة التي يدعيها الجمهور ، وهكذا الحال بالنسبة إلى الآية من سورة الحشر ، فان ثبوت الفضل للفقراء والمهاجرين ، والذين تلقوهم ونصروهم وآثروهم علي أنفسهم ، ولمن بايعه بيعة الرضوان ، في مقابل هذه التضحيات ، لا يلزم منه ثبوته لكل من رأى النبي أو روى عنه ولو حديثا ، أو سمع منه كلمة ( 1 ) .


وقد استدل القائلون بعدالة الصحابة بالإضافة إلى تلك للآيات ببعض المرويات عن الرسول ( ص ) ، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ان رسول الله ( ص ) قال : لا تسبوا أحدا من أصحابي ، فان أحدكم لو انفق مثل احد ذهبا ما أدرك مد احد ولا نصيفه .

وروى الترمذي عنه في صحيحه انه قال : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن ابغضهم فببغضي

 

( 1 ) انظر أحكام القران للجصاص : ج 3 ص 180 ومجمع البيان : ج 3 تفسير سورة التوبة .
( 2 ) انظر مجمع البيان وغيره من كتب التفسير ج 5
 . ( * )

 

 

ص 78 :

ابغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك ان يأخذه .

وجاء عن أبي موسى الأشعري ان رسول الله قال النجوم آمنة للسماء ، فإذا ذهب النجوم أتى اصحابي ما يوعدون ، وأصحابي آمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون .

وجاء عنه ( ص ) انه قال : خير القرون قرني ، ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم ثم يفشو الكذب .

وقد أورد هذه المرويات الاستاذ محمد عجاج الخطيب في كتابه الستة قبل التدوين ، كما استدل بها كل من نكلم عن الصحابة وأحوالهم ، وانتهى الاستاذ الخطيب من هذه المرويات إلى النتيجة التالية . فقال : وقد أجمعت الأمة على

عدالتهم جميعا إلا أفرادا معدودين اختلف في عدالتهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، فلا يجوز لأحد ان يتعداهم خشية ان يخالف الكتاب والسنة الذين نصا على عدالتهم ، وبعد تعديل رسول الله ( ص ) لهم لا يحتاج احد منهم إلى

تعديل احد ، وأضاف إلى ذلك . على انه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله الكريم شئ في تعديلهم لوجب تعديلهم ، لما كانوا عليه من دعم الدين والدفاع عنه ، ومناصرتهم للرسول والهجرة إليه والجهاد بين يديه ، وبذل المهج والأموال

وأخيرا انتحل صفة الاجتهاد لهم ، حيث لم يجد ما يعتذر به عن بعض تصرفاتهم وللمجتهد ان يصنع ما يشاء ، ما دام يفعل بوحي من اجتهاده ، حتى ولو خالف الضرورات ، واستحل جميع المنكرات ، كما وقع لكثير منهم . ومما ذكرنا

تبين ان الجمهور القائلين بعدالة جميع من رأى النبي ، أو سمع حديثه ، لا يملكون الأدلة الكافية ، التي تغنيهم عن التعسف واللف والدوران لإثبات العدالة المزعومة ، ذلك لان ما جاء 

ص 79 :

عن النبي ( ص ) من المرويات التي تدل على تمجيدهم ، وعدم إيذائهم ، وانهم أمان لأهل الأرض ، هذه المرويات لو صحت لا تدل على انهم قد بلغوا من الدين مبلغا يعصهم عن إتباع أهوائهم وشهواتهم ، ويدفعهم إلى الامتثال واجتناب

المحرمات ، ومن ، الجائز ان يكون الثناء عليهم باعتبار ان صحبتهم لنبي والتفافهم حوله يشكل مجموعة متماسكة لحماية الإسلام من اخطار الغزو المرتقب في كل لحظة من داخل البلاد وخارجها ، هذا التكتل باعتباره من مظاهر القوة التي تمكن سير الدعوة كان محبوبا لله سبحانه .


مع قطع النظر من خصوصيات الأفراد التي تخص كل واحد من حيث تصرفاته وأعماله . هذا بالإضافة إلى ان حديث لا تسبوا أصحابي ، وأصحابي كالنجوم ( 1 ) . هذا الحديث من حيث اشتماله على صيغة الجمع ، لا يتعين للشمول

والاستيعاب ، بل يصح منه ولو بالنسبة إلى المخلصين في ولائهم العاملين بأوامر الله المتمسكين بسنته وسيرته ، ولا ينكر احد وجود مجموعة كبيرة بين إتباعه ، قد تفانوا في خدمة الإسلام ، واخلصوا في أعمالهم وجهادهم طمعا في

مرضات الله وثوابه ، والحديثه ونظائره على تقدير صدوره من النبي لا بد وان يكون ناظرا إلى تلك الفئة من بين اتباعه ، ومن غير المعقول ان يقصدهم النبي ( ص ) على جهة العموم ، وهو المخاطب بتلك للآيات التي وصفت

فريقا منهم بالنفاق والبغي وفريقا بالتآمر على حياته وإحباط جميع مساعيه وجهوده التي بذلها في سبيل الدين ، تثبيت دعائمه ، من غير المعقول إذ يقصدهم جميعا من تلك النصوص ، ويقف موقف المدافع عنهم المجامل لهم ، والآيات

الكثيرة تنادي . بنفاقهم ، وتكشفهم على واقعهم كي لا يغتر بهم احد من أصحابه الطيبين ، وحتى لا تكون الصحبة ستارا لأصحاب الشهوات والمطامع يستغلونها لاغراضهم ولكي لا تكون

 

( 1 ) لقد ذكر هذا الحديث ابن القيم في الجزء الثاني من أعلام الموقعين : ونص على انه من الأحاديث الموضوعة ص 223 . ( * ) 

 

 

ص 80 :

للصحابي تلك الحصانة التي تمنع من نقده وتجريحه . وقلما تخلو سورة من سور القران من التشهير بهم والتحذير من دسائسهم ، وسميت سورة التوبة بالفاضحة ، كما جاء عن عبد الله بن العباس لانها فضحتهم وكشفت عن واقعهم .

وجاء عنه انه قال : ما زال القرآن ينزل بالمنافقين حتى خشينا ان لا يبقى احد أمين من الصحابة . وسميت المبعثرة لانها تبعثر أسرار المنافقين وتبحث عنها ، كف سميت البحوث ، والمدمدمة والحافرة والمثيرة إلى غير ذلك من الأسماء التي تتناسب مع مضامين تلك السورة بكاملها ( 1 ) .

قال تعالى : في معرض التهديد والتوبيخ لله منافقين " لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ " .

وهذه الآية قد كشفت عن سوء نواياهم ، وأشارت إلى المخطط الذي تبنوه ضد الدعوة كما تشعر بعتاب الله للنبي ( ص ) حيث اذن لهم بالتخلف عنه في بعض غزواته كما تؤكد ذلك الآية التي بعدها .


قال تعالى : " لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً
 

 

( 1 ) انظر مجمع البيان طبع صيدا / ج / 3 وغيره من كتب التفسير . ( * ) 

 

 

ص 81 :

ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ  " .

فالآية المذكورة تنص بصراحة إلى ان بين صفوف الصحابة في المدينة وغيرها جماعة كانوا يسرون الغدر والنفاق ، ويتربصون الظروف والمناسبات للفتك بالمسلمين وايقاع الفتنة بهم ، وتضيف الآية إلى ذلك " ان هؤلاء حتى لو

خرجوا معك الجهاد ، لا تستفيدون من خروجهم شيئا يعود عليكم بالخير ، لانهم يبيتون الفتنة والشر لكم وتنص الآية بالإضافة إلى ما ذكرنا ، على ان لهم أنصارا بين الذين خرجوا معك يتجسسون عليكم وينقلون إليهم اسراركم "

وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ " ، ويستفاد من مجموع ذلك ان النفاق كان متفشيا بين الصحابة والتنظيم السري ، كان يشمل مجموعة ممن تظاهروا بالإسلام واشتركوا في غزوات الرسول ضد المشركين ، وان الغاية

منه كانت تستهدف القضاء على الإسلام والرجوع إلى تاليه الأصنام والأوثان ، ولولا ان الله سبحانه قد أحاط تلك الدعوة المباركة بعنايته ، وحفظها من مكرهم ودسائسهم وأظهرهم على واقعهم ، لولا ذلك كان من الميسور عليهم القضاء عليها بين عشية وضحاها . ولا احسب ان المتتبع لنصوص القرآن يتردد في هذه الحقيقة .


قال تعالى : " وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ " .

وجاء في تفسير قوله : ألا في الفتنة سقطوا ، انهم وقعوا في العصيان والكفر بمخالفتهم لك ، وتخلفهم عن الجهاد معك .

وقال مخاطبا لهم : " قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ

ص 82 :

كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ

أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ  " .
 

ثم عرض القرآن جانبا آخر من جوانب نفاقهم فقال سبحانه : " وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ " .

وجاء عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) : ان المعنيين بهذه لآية أكثر من ثلثي الناس ممن كانوا في عصر الرسول ، وأشارت بعض الآيات إلى فريق آخر من المنافقين .

كانوا يتعمدون إيذاء النبي ( ص ) بما ألصقوا فيه من التهم الباطلة فقال : " وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ".

وجاء في أسباب نزولها ان جماعة من المسلمين قالوا في الرسول ما لا ينبغي ، فقال رجل منهم : لا تفعلوا فانا نخاف ان يبلغ محمدا ما تقولون فيوقع بكم ، فقال الجلاس بن سويد : بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول : فان محمدا اذن سامعة فانزل الله هذه الآية .

وقال سبحانه في الآية 62 وما بعدها : " يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ " .

ص 83 :

وجاء في مجمع البيان وغيره من كتب التفسير في أسباب نزولها . ان اثني عشر رجلا من المسلمين وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله ( ص ) عند رجوعه من تبوك . فاخبر الله رسوله بذلك وأمره ان يرسل إليهم ويضرب

وجوه رواحلهم ، وكان عمار بن ياسر يقود دابة رسول الله ( ص ) وحذيفة بن اليمان يسوقها فقال الرسول ( ص ) لحذيفة : اضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاهم . فلما نزل رسول الله ( ص ) قال لحذيفة : من عرفت من

القوم ؟ قال لم اعرف منهم احدا : فعدهم رسول الله ( ص ) بأسمائهم واحدا واحدا ، فقال له حذيفة : ألا تبعث إليهم فتقتلهم ، فقال : اكره أن تقول العرب : لما ظفر بأصحابه قتلهم ( 1 ) .


وقال سبحانه : " يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ " .

هذه الآيات نزلت في ثمانين رجلا من الصحابة قد تخلفوا عن الخروج مع النبي ( ص ) إلى تبوك ، فلما رجع منها فاتحا جاءوه يعتذرون عن تخلفهم عنه ، فاخبره الله سبحانه بما انطوت عليه ضمائرهم ، ونهاه ان يقبل معذرتهم لعلمه

سبحانه بأنهم يسرون غير ما يظهرون ، إلى غير ذلك من الآيات التي اشتملت عليها هذه السورة وغيرها كالحشر والمنافقين والأنفال والأحزاب وغير ذلك من السور التي قلما تخلو من ذكرهم والتحذير من غدرهم ودسائسهم في داخل المدينة وخارجها .

ومما يلتفت النظر ان المتآمرين قد انتشروا داخل المدينة وخارجها ،

 

( 1 ) انظر مجمع البيان ج / 3 ص 46 ، وقيل انها نزلت فيمن كان يسخر منه ويهزأ من اخباره وتصرفاته . ( * ) 

 

 

ص 84 :

وان نشاطهم قد تعدى حدود المدينة كما تدل على ذلك بعض لآيات الكريمة . قال سبحانه : " الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  " . " وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  " .

ويبدو من مجموع ما ورد في القرآن بشأنهم ان الخطر منهم على الدعوة الإسلامية لم يكن بأقل من المشركين الذين لم يخضعوا لسلطان الإسلام ، ومن الجائز القريب ان يكون خطر المنافقين اشد وابلغ اثرا من اخطار غيرهم لانهم كانوا

معهم وبين صفوفهم يراقبون جميع تصرفاتهم ويحصون عليهم أنفاسهم : وقد اطمئن إليهم أكثر المسلمين ، بل وحتى النبي ( ص ) لم يكن يعرف واقعهم ، لولا الوحي الذي كان يكشفهم له بين حين وآخر ، ولولا انهم كانوا يشكلون

خطرا عظيما على الدعوة الإسلامية وعلى الرسول نفسه لما المح القرآن الكريم على التحذير منهم بتلك الأساليب المختلفة .

ويؤيد ذلك ما جاء عن الإمام الصادق الصدوق في تفسير الآية 59 من سورة التوبة ، ان المعنيين بها أكثر من ثلثي الناس ، ولو كانوا قليلي العدد وليسوا من ذوي الشأن ، ولا يملكون من الوسائل التي تمكنهم من تنفيذ مخططاتهم

وأهدافهم، إذا كانوا كذلك فهل يستحقون هذا الاهتمام البالغ الذي ظهر في كثير من الآيات والسرر وهل يحسن التحذير والتخويف ممن لا خطر منه ولا شان له ؟ ، ولماذا لم يتجاهل القرآن تلك الفئات الظالمة كما تجاهل أكثر العصاة ولم يتعرض إلى خطرهم على الدعوة ولو بآية تشير إليهم فن قريب أو بعيد .


وتؤكد النصوص التاريخية : ان القرآن الكريم لم يقف هذا الموقف من الصحابة ، 

ص 85 :

ولم يحدث عنهم بتلك القسوة بشتى الأساليب الا بعد ان تكتل فريق منهم بقصد الفتك بالرسول ، وإحباط مساعيه . تضامنا مع مشركي قريش وغيرهم من العرب ، وما كان وقوف الاثني عشر رجلا الذين أشارت إليهم الآية 64 من

سورة براءة ، في طريق الرسول للفتك به وهو راجع من غزوة تبوك الا احدى المحاولات التي تعاقد المتآمرون على تنفيذها ، ومما لا شك فيه ان وراء هؤلاء الاثني عشر عدد كبير ، كان ينتظر نجاح المؤامرة ليقوم كل بدوره المعدلة،

وقد بلغ الحال بالمنافقين انهم كانوا يسهلون للمشركين واليهود احتلال المدينة ليناصروهم على محمد ( ص ) كما تشير إلى ذلك الاية 14 من سورة الاحزاب . قال تعالى : " وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا " .

وجاء في تفسيرها : لو دخل المشركون المدينة وطلبوا من المنافقين قتال المسلمين لأجابوهم إلى ذلك .

وعن قتادة ان المقصود بالآية لو دخل المشركون إلى المدينة ، وطلبوا من المنافقين الدخول معهم في الشرك لأسرعوا إلى إجابتهم . ومجمل القول ان هذه للآيات على كثرتها توحي بوجود مجموعة من المنافقين قد تستروا بالإسلام لها

أثرها وفعاليتها كانت تعمل بالخفاء للقضاء على الدعوة الإسلامية ولو بالفتك بالرسول ، أو بإعلان العصيان والتمرد عليه داخل المدينة وخارجها ، بعد ان عجزوا عن مقاومته مع صفوف المشركين في المعارك التي دارت بينهم وبينه

ووترهم بآبائهم وأبنائهم وعشائرهم ومعتقداتهم واضطرهم إلى الاستسلام وأطاح بأمجادهم والغي جميع الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها ، ، ويتحكمون 

ص 86 :

بالضعفاء والفقراء بسببها هؤلاء بلا شك لم يخالط الإيمان قلوبهم ، بل اظهروا الإسلام خوفا وطمعا ، وقد وصف الله قصة إسلامهم بقوله : " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " .

ليس بغريب على من أسموهم بالصحابة ان لا يدخل الإيمان في قلوب الكثيرين منهم وان يكون فيهم المنافق والصالح ، والمطيع والعاصي والطيب والخبيث لانهم حديثوا عهد بالدين الجديد ، الذي اقر الكثيرون به خوفا وطمعا ، وأرغمهم

على الاستسلام حين لم يجدوا سبيلا للمقاومة ، وفرض عليهم مبادئه وأصوله في حين انهم ورثوا عن آبائهم وأسلافهم ما لا يتفق مع تلك المبادئ وأصول ذلك الدين الجديد ، ليس بغريب ان يكونوا كما وصفهم القران ، وكما نقل عنهم

المحدثون والمؤرخون ، لان النظر إلى النبي ، أو سماع حديثه لا يغيران طبيعة الإنسان ، ولا يقتلعان منها نوازع الشر ، انما الغريب ان يحكم جمهور السنة على كل من رآه أو سمع حديثه با لعدالة والاستقامة ، مع وجود هذه

الآيات على كثرتها التي وصفت مجموعة منهم بالنفاق ، وعدم الإيمان بالله وبمبادئ الإسلام وأصوله وحذرت النبي من غدرهم ونفاقهم وكشفت عن واقعهم .


ونحن لا نريد ان نطعن في جميع الصحابة ، ولا ان نجحد فضل المجاهدين منهم والعاملين معه وبعده بإخلاص لنشر الإسلام وتطبيق مبادئه وأصوله ، الذين أثروه في اعز ما لديهم ، وأغلى ما يملكون وتسابقوا إلى الشهادة والموت في

سبيله ، انا لا نريد ذلك ولا نقر من يهاجم جميع الصحابة ويجحد فضلهم ، ونعتبر ذلك إساءة للرسول نفسه وجحودا لنصوص القران الكريم الذي أشاد بفضل المجاهدين منهم في سبيل الله والعاملين بأصوله وفروعه ووعدهم أجرا

عظيما وجزاء كريما ، وانما الذي نريده ، انهم كغيرهم من المسلمين في مختلف العصور فيهم الصالح والطالح ، والشقي والسعيد ، والمؤمن والمنافق وهم في إيمانهم ونفاقهم 

ص 87 :

يتفاوتون ، فمنهم من بلغ القمة في إيمانه وإخلاصه وتضحياته ، ومنهم من انحط إلى أسفل درك بسبب إسرافه في المنكرات والمعاصي ، وبالرغم من ان التاريخ قد حاباهم فلقد سجل عليهم ما لا تقره الأديان والشرائع والأعراف في

مختلف النواحي والمراحل التي مروا بها ولو أردنا ان نحصي تصرفاتهم التي لا يمكن ان تقرها الأديان بحال من الأحوال بل وحتى شريعة الغاب ولا يمكن افتراضها من نتائج الاجتهاد الذي يعذر فيه المجتهدون كما يحاول بعض

الأعلام من السنة ، لو أردنا ان نحصي عليهم تلك المخالفات الصريحة لنصوص القران لبلغت كتابا مستقلا ، وقبل الحديث عن بعض تصرفاتهم لا بد من الإشارة إلى بعض النصوص التي تؤيد انحراف الكثير منهم في حياة الرسول وبعده عن المخطط الإسلامي الذي وضعه القرآن والرسول ( ص ) ، كما جاء في مجاميع الحديث الموثوقة عند السنة .

فقد جاء في البخاري عن عبد الله بن العباس ، ان النبي ( ص ) قال : انكم تحشرون حفاة عراة ، وان أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول أصحابي أصحابي : فيقول : انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول : كما قال العبد الصالح : وكنت عليم شهيدا ما دمت فيهم .

وجاء فيه أيضا عن أبي هريرة ، ان النبي ( ص ) قال : بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم : قلت إلى أين ، قال إلى النار والله : قلت وما شأنهم ؟ قال : ارتدوا على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل وقال هلم : قلت إلى أين : قال إلى النار والله : قلت وما شأنهم قال : انهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم الا مثل همل النعم ( 1 ) .

لمتابعة موضوع عدالة الصحابة اضغط هنا

 

( 1 ) وهمل النعم هي الإبل الهاملة التي تتخلف عن السير مع القافلة ، والمراد من ذلك انه لا يخلص من النار الا القليل . ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب