|
دراسات في الحديث والمحدثين-
هاشم معروف الحسيني ص 88 : - |
|
تابع : عدالة الصحابة
وجاء فيه ان النبي ( ص ) قال يرد علي يوم القيامة رهط من
أصحابي فيحلؤن عن الحوض فأقول يا رب أصحابي . فيقول :
انك لا علم لك بما أحدثوا بعدك . انهم ارتدوا على
ادبارهم القهقرى .
وجاء في الصحيح للبخاري عن سهل بن
سعد ان النبي ( ص ) قال : ليوردن علي أقوام اعرفهم
ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم ، فأقول انهم مني ،
فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول سحقا سحقا
لمن غير وبدل .
وجاء فيه عن عبد الله ان النبي ( ص )
قال : انا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال منكم ، ثم
ليختلجن دوني ، فأقول يا ربي أصحابي ! فيقال : انك لا
تدري ما أحدثوا بعدك .
وروي عن أسماء بنت أبي بكر ، ان
النبي ( ص ) قال اني على الحوض حتى انظر من يرد علي
منكم ، وسيؤخذ ناس دوني ، فأقول يا ربي مني ومن أمتي
فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا يرجعون
على اعقابهم ، إلى غير ذلك من المرويات في مجاميع
الحديث عند السنة .
والجدير بالذكر ان هذه المرويات لم
تتعرض للمنافقين والمتآمرين في عهد الرسول ( ص ) على
سلامة الدعوة الإسلامية وعلى الرسول نفسه بصفته الحامل
للوائها كما نصت على ذلك سورة التوبة وغيرها بل تعرضت
لأصحابه
من بعده وما سينتهي إليه
أمرهم من حيث خروجهم
عن الجادة والخط الذي وضعه لهم ، وهي تصرح بأنهم
سيرتدون من بعده ويرجعون على أعقابهم إلى الوراء ، أي
إلى ما يشبه حالتهم قبل الإسلام وبذلك تكون قد أضافت
مجموعة منهم إلى المجموعة التي تعرضت لها سورة التوبة
وغيرها من سور القرآن وآياته ، وبصميمة الذين وصفهم
بالارتداد إلى الفئة
الأولى ينتج ان أكثر
الصحابة قد خالفوا الرسول ولم يتبعوا سنته وسيرته ،
ومع ذلك فالجمهور من السنة يقفون منهم موقف المغالي ،
ويصفونهم بالعدالة والاستقامة والرسول يصفهم بالارتداد
، ويقول ( لا ينجو منهم
إلا مثل همل النعم ) ، وهم
يقولون : بأنهم ناجون ولو خالفوا الضرورات واستحلوا
المنكرات لانهم مجتهدون ، والمجتهد مأجور على كل حال
وإذ تخطى الحق وتعمد الباطل وخالف الضرورات من دين
الإسلام كما فعل العشرات
منهم . وكيف يصح وصفهم
بالعدالة ، وفيهم من عاب على النبي ( ص ) تصرفه في
الصدقات كما جاء في الآية من سورة المائدة ، وفيهم من
آذاه كما تنص على ذلك الآية من سورة البقرة ، وفيهم من
اتخذ مسجدا ضرارا وكفرا تفريقا
بين المؤمنين كما تنص
على ذلك الآية من سورة التوبة وفيهم الذين تخلفوا عن
غزوة تبوك ، وكانوا أكثر من ثمانين رجلا ، وحلفوا له
الإيمان الكاذبة ، كما نصت على ذلك الآية . "
يَحْلِفُونَ لَكُمْ
لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ
فَإِنَّ
اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ
الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " وفيهم
أربعة عشر رجلا تعاقدوا على اغتيال الرسول في
ظلمات الليل ، وفيهم من إذا أصابت الرسول حسنة تسؤهم ،
وان أصابته مصيبة سرتهم وفرحوا بها ، إلى غير ذلك من
الأصناف التي نص عليها القرآن ، وفيهم
من ارتدوا بعد
موته وغيروا وبدلوا ، ولم ينفذوا وصيته في علي وأهل
بيته ( ع ) وآذوا ابنته حتى ماتت وهى غضبى عليهم كما
نص على ذلك البخاري في صحيحه ، مع انهم سمعوه أكثر من
مرة يقول ، فاطمة بضعة مني من آذاها فقد
آذاني ، وفيهم
من أراقوا دماء المسلمين وخاضوا جميع الفتن ، ومارسوا
أنواع الشهوات ، وغرروا بزوجة النبي ( ص ) السيدة
عائشة حتى قادت جيشا مع أهل الأهواء والأطماع لحرب
إمام المسلمين
وسيدهم علي ( ع ) فأراقوا الدماء ونهبوا
الأموال وروعوا الآمنين واستباحوا الأعراض . وفيهم من
قال ، عندما تولى الخلافة قريبه عثمان : تلقفوها يا
بني أمية تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من
جنة ولا نار ولا حساب ولا
عقاب ، وهو بعينه القائل
لعلي ( ع ) حينما استولى أبو بكر على الخلافة : غلبكم
على هذا الأمر أرذل بيت في قريش ، اما والله لأملأنها
عليه : خيلا ورجالا ، فقال له علي ( ع ) ، ما زلت عدوا
للإسلام وأهله ، فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئا ( 1 )
.
وفيهم من قتل مالك بن نويرة وعشيرته ودخل بزوجتة
ساعة قتله ، لانه امتنع من تسليم الزكاة لغير الحاكم
الشرعي ، وقد قال رسول الله ( ص ) الحدود تدرأ
بالشبهات ، وقال الله تعالى :
وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ
السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا .
وفيهم طريد رسول الله ( ص )
مروان بن الحكم وأبوه وأسرته الذين لم يؤمنوا بالله
ورسله طرفة عين أبدا وقد لعنهم الرسول وحذر المسلمين
من مكرهم ودسائسهم ، وهم الذين استغلوا خلافة عثمان بن
عفان ، واستهتروا بجميع الحقوق
والمقدسات حتى ضج
المسلمون في مختلف الأقطار من تصرفاتهم ، ولما رفض
إقصاءهم عن الحكم ، لم يجد المسلمون بدا من التخلص منه
عن طريق القوة ! التي أودت بحياته ، ولما
| |
(
1 ) انظر ص 245 من الاستيعاب لابن عبد البر المطبوع
على هامش الإصابة لابن حجر ج
2 ( * ). |
|
|
اتفق المسلمون في داخل المدينة وخارجها على
الخليفة الشرقي علي ( ع ) وضاق عدله بفريق ممن أسموهم
بالصحابة ، تكتلوا بقيادة الشيخين طلحة والزبير للثورة
ضد الحكم القائم ، وأغروا زوجة النبي على ان تتزعم
حركة
للثورة ليضللوا بخروجها البسطاء والمغفلين ،
فعرضوها للهتك والخطر ، وصانوا نساءهم بالرغم من تأكيد
القرآن على صيانة نساء النبي ، وحرص الرسول على ان
يحفظه المسلمون في أهله ونسائه ، وكان من نتيجة ذلك ان
مروان
بن الحكم نفسه تولى قتل طلحة بيده ، لانه كان من
المحرضين على قتل قريبه عثمان بن عفان ، وجاء في بعض
المرويات عنه انه قال لابان بن عثمان : قد كفيناك بعض
قتلة أبيك ( 1 ) .
وروى البخاري في صحيحه ان ابن عمر
جمع اهله وولده في وقعة الحرة : وأمرهم ان لا يخلعوا
بيعة يزيد بن معاوية ، وروى لهم عن رسول الله انه قال
: واني لا اعلم غدرا أعظم من ان يبايع رجل على بيع
الله ورسوله ثم ينصب له
القتال ( 2 )
وأي غدر
أعظم من الفتنة التي أثارتها
عائشة وزميلاها طلحة والزبير ، تلك الفتنة التي قتل
فيها أكثر من ثلاثين ألف مسلم كما تؤكد النصوص
التاريخية الموثوق بها بعد ان بايعا عليا ( ع ) طالعين
غير مكرهين ، ومع ذلك فالصحابة
كلهم عدول حتى مروان بن
الحكم والأسرة الأموية لانهم عاصروا الرسول وسمعوا
أحاديثه ، ويجب ان تتضاعف عدالة معاوية لانه من كتاب
الوحي على حد زعم الإخباريين من السنة ، وكتاب الوحي
كانوا ألصق بالرسول من غيرهم وأطول صحبة له من جميع
الناس .
وبينهم أمثال كعب
الأحبار ووهب بن منبه
وغيرهما ممن كانوا يزودون بعض الصحابة بمقنرياتهم التي
تسئ إلى الإسلام والسنة الكريمة
| |
(
1 ) أنظر الاستيعاب على هامش الإصابة لابن حجر ص 214 .
( 2
) انظر ج 16 من فتح الباري على صحيح البخاري ص
173 . ( * ) |
|
|
وكان هؤلاء مصدرا ضخما
لأبي هريرة وعبد الله
بن عمرو بن العاص وأمثالهما .
وجاء في المجلد السابع
والعشرين من المنار للسيد رشيد رضا : ان كعب
الأحبار
كان من زنادقة اليهود الذين اظهروا الإسلام والعبادة
لتقبل أقوالهم في الدين ، وقد راجت دسائسه وانخدع به
بعض الصحابة ورووا عنه وتناقلوا أقواله
بدون
إسناد
إليه ، وأضاف إلى ذلك : وان شر رواة هذه الإسرائيليات
، وأشدهم تلبيسا وخداعا للمسلمين وهب بن منبه وكعب
الأحبار ، فلا تجد خرافة دخلت كتب التفسير والتاريخ
الإسلامي في أمور الخلق والتكوين والأنبياء وأقوالهم
والفتن والساعة وللآخرة الا وهي منهما ( 1 ) .
هذان
الرجلان وان لم يكونا من الصحابة لانهما دخلا في
الإسلام بعد وفاة الرسول ، ( ص ) ولكن الصحابة قد
اعتمدوا عليهما فيما يتعلق بالمواضيع المذكورة ، بل
وحتى فيما يتعلق بتقريض بعض الأشخاص والبلدان ونسبوها
إلى الرسول مباشرة ، كما يبدو ذلك من مرويات أبي هريرة
حينما التحق بمعاوية ووفر له أسباب الرفاهية والنعيم .
وقد جاء عن كعب الأحبار انه التقى برجل ، فسأله من اين
هو ؟ فقال له : من أهل الشام ، قال : لعلك من الجند
الذي يدخل الجنة منه سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب ،
قال له ومن هم ؟ قال : أهل دمشق قال : لست منهم ، قال
: فلعلك من الجند الذين ينظر الله إليهم كل يوم مرتين
، قال ومن هم ؟ قال : أهل فلسطين .
وروى عنه السيوطي
في الجامع الصغير : انه قال : الشام صفوة الله
| |
(
1 ) ص 541 إلى 783 من المجلد المذكور
. ( * ) |
|
|
من بلاده ، إليها يجتبي صفوته من عباده فمن
خرج من الشام إلى غيرها فبسخطه ومن دخلها فبرحمته .
هذه المرويات فيها فضل الشام وجندها
وأصحابها
تؤكد عدالة معاوية ومن تبعه كعمرو بن العاص وولده عبد
الله وأبي هريرة ومروان وزمرته وغيرهم ممن انضم إلى
معاوية من الصحابة وأبنائهم ، لان هؤلاء قد دخلوا
الشام وسكنوها ، ومن دخل الشام فقد دخل رحمة الله كما
يدعي كعب الأحبار وتلامذته .
ومنهم أبو هريرة
، الذي روى عن الرسول ( ص ) انه ما من مولود يولد الا ويمسه
الشيطان ، فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها
فان الله جعل دون الطعنة حجابا ، فأصاب الحجاب ولم
يصبها ( 1 ) ، ولازم ذلك ان
الأنبياء جميعهم لم يسلموا
من طعنة الشيطان حتى محمد ابن عبد الله ( ص ) فقد أصيب
بتلك الطعنة وتأثر بها كغيره من الناس كما يقتضيه
الاستثناء الذي اقتصر على مريم وابنها وكان أبو هريرة
من صنائع معاوية ، والمقربين إليه ،
وقد ولاه على
المدينة وروى له ما يشاء في علي ( ع ) واتباعه ، وجاء
في شرح النهج : انه لما دخل العراق عام الجماعة دخل
أبو هريرة مسجد الكوفة ، فلما اجتمع حوله الناس جثا
على ركبتيه وضرب صلعته بيده مرارا ، وقال
يا أهل
العراق تزعمون اني اكذب على رسول الله ( ص ) واحرق
نفسي بالنار ، والله لقد سمعت رسول الله يقول : ان لكل
نبي حرما ، وان المدينة حرمي فمن احدث فيها حدثا فعليه
لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ثم قال : واشهد
بالله ان عليا احدث فيها ( 2 ) .
وهو الذي وصف مسيرة
الجيش الذي بعثه النبي ( ص ) إلى
| |
(
1 ) انظر البخاري ص ج ل . ( 2 ) انظر
شرح النهج ج 1 ص 359
. ( * ) |
|
|
البحرين بقيادة العلاء بن الحضرمي ، وكان
مؤلفا من أربعة آلاف مقاتل ، وفي ذلك يقول أبو هريرة .
لقد ساروا حتى أتوا على خليج من البحر ما خاصة احد
قبلهم ، ولا يخوضه احد بعدهم ، فاخذ العلاء بعنان فرسه
وسار على وجه الماء فسار الجيش وراءه ، فوالله ما ابتل
لنا قدم ولا حافر ، وكان ذلك في السنة الثانية من
الهجرة ( 1 ) .
وهو الذي روى كما جاء في الصحيحين
للبخاري ومسلم ، ان ملك الموت جاء إلى موسى ، فقال له
اجب ربك ! فلطمه موسى على عينه ففقأها ، فرجع ملك
الموت إلى الله تعالى فقال له : انك أرسلتني إلى عبد
لا يريد الموت ففقأ عيني ، فرد الله عليه عينه ، وقال
له ارجع إلى عبدي . وقل له : ان كنت تريد الحياة فضع
يدك على متن ثور ، فما توارت بيدك من شعرة فانك تعيش
بها سنة .
وهو الذي روى إذ بني
إسرائيل كانوا يتهمون
موسى بعيب في جسمه ، فنزل ذات يوم إلى الماء ليغتسل ،
ووضع ثوبه على حجر قريب منه ، فاخذ الحجر الثوب وفر به
، فخرج موسى من الماء في طلبه عاريا ، والحجر يسير
ومعه
الثوب حتى وصل إلى
أسواق المدينة ، وموسى يجد في
طلبه ، ويقول : ثوبي حجر ثوبي حجر إلى غير ذلك من
مروياته التي سنعرض قسما منها في الفصول الآتية ، تلك
المرويات التي لا يقرها العقل ، ولا تتلائم مع واقع
الإسلام
البعيد عن الخرافات
والأساطير والأوهام ولقد
عرفه الصحابة الأولون ، وأدركوا خطره على السنة
الكريمة من خلال مروياته التي كان يتلقاها من كعب
الأحبار وغيره ويسندها إلى الرسول ( ص ) وقال له عمر
بن الخطاب ، كما جاء قي رواية ابن سعد في طبقاته :
| |
(
1 ) انظر الإصابة لابن حجر ، والاستيعاب
لابن عبد البر المطبوع على هامش الإصابة
. ( * ) |
|
|
انك عدو الله
والإسلام يا أبا هريرة ، وقال
فيه علي بن أبي طالب ( ع ) : اكذب الناس على رسول الله
( ص ) أبو هريرة الدوسي ( 1 ) .
وجاء في تأويل مختلف
الحديث لابن قتيبة : ان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان
، و ، على بن أبي طالب ( ع ) كذبوا أبا هريرة في
مروياته عن الرسول ( ص ) وفي كتاب جامع بيان العلم
وفضله لابن عبد البر عن طاووس انه
قال : كنت جالسا عند
ابن عمر ، فأتاه رجل فقال : إذ الوتر ليس بحتم فخذوا
منه ودعوا ، فقال ابن عمر كذب أبو هريرة . وقد كذبه كل
من الزبير بن العوام وابن مسعود وعائشة وغيرهم ، ولذلك
كان مقلا من الحديث في تلك الفترة
من تاريخ الصحابة
ولكنه وجد منفسا له ومجالا واسعا بعد اتصاله بالأمويين
وبخاصة بعد ان استتب الأمر لمعاوية وأصبح من المقربين
إليه ، ومعاوية يهمه أكثر من أي شئ ان يجد إلى جانبه
من يكيل له ولأسرته المدح والثناء ،
ويضع المطاعن
في علي وأسرته وينسبها إلى
رسول الله ( ص ) ، وللحديث النبوي أثره البالغ في
تأييد الحكام وتبرير تصرفاتهم لانهم يحكمون ويتصرفون
باسم الدين ، ولان الخلافة امتداد لسلطة الرسول
وحكومته . وقد بلغ من ولائه لمعاوية ان ولده أبا بردة
قال : ان معاوية لم يغلق دوني بابا، ولم اقصده في
حاجة الا قضيت لي بالغة ما بلغت ( 2 )
ومنهم بسر بن ارطاة ( 3 ) احد القواد البارزين في جيش معاوية ، الذي
كان مولعا في تقتيل المسلمين واستباحة أعراضهم وقد
أرسله معاوية ، بعد تحكيم
| |
( 1 ) انظر ص
360 من ج 1 شرح النهج لابن ابى الحديد .
( 2 ) انظر
شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي لمحمود أبي رية ص 43 .
(
3 ) عده في الإصابة من الصحابة ، لانه ولد قبل وفاة
الرسول بسنتين ، كما جاء في رواية الواقدي ووصفه الدار
قطني بالصحبة ، ونص ابن يونس على انه صحابي " اخذ من
الرسول حديثين . انظر المجلد الأول من
الإصابة ص 152 . ( * ) |
|
|
الحكمين بقيادة جيش من
أهل الشام إلى مكة
والمدينة واليمن وأمره ان يقتل كل من يوالي عليا ( ع )
ولا يدين بولاء آل أبي سفيان ، فقتل في طريقه كل متهم
بالتشيع والولاء لأهل البيت ، وخافه الناس ، وقبل ان
يدخل المدينة خرج
منها أبو
أيوب الأنصاري ، الوالي
عليها من قبل علي ( ع ) ، فدخلها بسر بن ارطاة بدون
أية مقاومة ، فصعد منبر الرسول في المسجد ، وتوعد من
كان فيها من المهاجرين والأنصار وأبنائهم بالقتل ان لم
يبايعوا معاوية بن ابي سفيان
، ثم قال : اما والله
لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت في المدينة محتلما الا
قتلته ، وأمر الناس بالبيعة لمعاوية ، ومن تمنع عن ذلك
امر بقتله ، وأرسل إلى بنى سلمة ، وقال لهم : والله ما
لكم عندي أمان ولا اقبل منكم بيعة حتى تأتوني
بجابر بن
عبد الله الأنصاري ، فذهب جابر إلى أم سلمه زوجة النبي
( ص ) واستشارها بالأمر وكان مما قاله لها : ان هذه
البيعة التي يريدها لمعاوية بيعة ضلال ، وأخاف ان اقتل
، فأشارت عليه ان يبايع كما أشارت على ولدها بذلك ، ثم
مضى يتتبع المهاجرين والأنصار فمن لم يجده منهم هدم
داره ، ومضى إلى مكة ففعل فيها مثل ذلك ، وفي طريقه
إلى اليمن قتل جماعة من الأبرياء ، ولما انتهى إليها
فر منها عبيدالله بن العباس وكان واليا لعلي فيها فقتل
طفلين لعبيد الله وأمهما تنظر إليهما وكان من نتيجة
ذلك ان فقدت عقلها ورثتهما بالأبيات التالية فرق لها
القريب والبعيد .
ها من أحس بابني اللذين هما كالدرتين
تشظى عنهما الصدف
ها من أحس بابني اللذين هما سمعي
وعقلي فعقلي اليوم مختطف
حدثت بسرا وما صدقت ما زعموا
من قتلهم ومن الإثم الذي اقترفوا
انحى على ودجي ابني
مرهفة مشحهوذة وكذاك الاثم يقترف .
وأغرى معاوية بسرا
في يوم من صفين بمبارزة علي ( ع ) ، وكان من أبطاله
المبرزين ، فلم يجد بسر بن ارطاة سبيلا للتهرب ، ولما
دنا من
على ( ع ) وحرك يده بالسيف ، رمى بنفسه عن ظهر
فرسه إلى ارض وكشف عورته كما صنع زميله ابن العاص من
قبل ، فصرت علي ( ع ) وجهه عنه ضاحكا ، وبهذه المناسبة
يقول بعض الشعراء لاهل الشام :
أفي كل يوم فارس
تندبونه له عورة وسط العجاجة بادية
يكف لها عنه علي
سنانه ويضحك منها في الخلاء معاوية
فقولا لعمرو ثم بسر
ألا انظرا سبيلكما لا تلقيا الليث ثانية ( 1 )
ومنهم
عمرو بن العاص المستشار الأول لمعاوية الذي ساهم في
جميع الفتن والحروب الدامية التي أثارها ابن هند ضد
علي ( ع ) لقاء مصر وخراجها مادام حيا ، وتم له
الاستيلاء على مصر بعد فشل مؤتمر التحكيم الذي أنتجته
معركة
صفين ، والتي لعب فيها ابن العاص دورا بارزا إلى
جانب معاوية بن أبي سفيان ، وكان يردد في مرضه الذي
مات فيه لقد أصلحت من دنياي قليلا وأفسدت من ديني
كثيرا ، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت ، والذي
أفسدت هو
الذي
أصلحت لفزت ، ولو كان ينفعني أن أطلب
طلبت ، ولو ينجيني أن أهرب هربت ، فصرت كالمختنق بين
السماء والأرض لا أرقى بيدين ، وأهبط برجلين ( 2 ) .
قال ذلك ابن النابغة وهو على فراش الموت حيث لا يجديه
الندم ، ولا تنفعه التوبة ، وكيف يجديه ذلك وقد أراق
الدماء وأشعل الفتن ، وافتعل لمعاوية المكائد والحيل ،
وأغرى آلاف الناس بتلك الفتن العمياء التي تزعمها هو
وسيده ابن أبي سفيان ، وعانى المسلمون من آثارها
المصائب والويلات زمنا طويلا ، وقبل ذلك شاغب على
عثمان وأغرى الناس
| |
(
1 ) انظر الاستيعاب
هامش الإصابة ج 1 ص 162 و 163 وما بعدها وقد عده من
الصحابة ومن الرواة عن الرسول ( ص ) جماعة منهم أبو
الحسن الدار قطني وغيره .
( 2 ) الاستيعاب ص 505 و 506
المطبوع مع الإصابة ج 3
( * ) . |
|
|
بقتله ، كما جاء في الاستيعاب وشرح النهج لابن
أبي الحديد ، والتحق بمعاوية بعد ان وجد ان عليا لا
يشتري من بضاعته شيئا ولا يعتمد على أمثاله من
المنافقين ، ولا يتخذ المضلين عضدا ، تسعون عاما قضاها
ابن النابغة بين الكفر
والإسلام المزيف لم يخالط
الإيمان قلبه ، ولم ينحرف عن الباطل طرفة عين أبدا ومع
ذلك فهو من عدول الصحابة ومروياته الكثيرة تحتل
الصدارة في صحيح شيخ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري
، وروى عنه البخاري في جملة ما رواه عنه انه سمع النبي
( ص ) يقول : آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء .
ومنهم
معاوية بن أبي سفيان المشهور بإخلاصه وخدماته
للإسلام
والمسلمين والقائل لأهل العراق حينما دخل الكوفة ظافرا
بعد ان تركها الخليفة الشرعي الحسن بن علي " ع "
:
والله ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا
وتزكوا ، واني لأعلم أنكم تفعلون ذلك ولكني قاتلتكم
لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون .
والذي قال فيه الحسن البصري : لو لم يكن لمعاوية الا
واحدة من ثلاثة لكفى ، تأمره على الأمة بغير مشورة
منها ولا اختيار والحاقه زيادا بأبيه ، وقد قال رسول
الله : الولد للفراش وللعاهر الحجر وإكراه الناس على
مبايعة ولده يزيد المستهتر في دين الله ، وقتله لحجر
بن عدي وأصحابه البررة ظلما وعدوانا ، فالويل له من
حجر وأصحابه .
وقال فيه الفقيه الجليل سعيد ابن المسيب
: قاتل الله معاوية كان أول من غير قضاء رسول الله ( ص
) وقد قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ( 1 ) .
هذا
بالإضافة إلى تاريخه الحافل بالمنكرات والتنكر للقيم ،
ولجميع المبادئ التي جاء بها القرآن والرسول ( ص ) وأي
جريمة بقيت في نفس
| |
(
1 ) انظر شرح النهج
وحلية الأولياء لأبي نعيم ج 3 ص
167 ( * ) . |
|
|
معاوية ، ولم يشبع منها نهمه وشرهه ، لقد
أمضى
شطرا من حياته مع أبيه يجاهدان ويعملان بكل ما لديهما
من قوة لإطفاء نور الله ، والقضاء على الدعوة
الإسلامية التي جاء بها محمد بن عبد الله ، ولم يدخلا
في الإسلام الا بعد إذ
وجدا ان لا مفر لهما من سيوف
المسلمين ، فنطقا بالشهادتين مرغمين ، وتسترا بالإسلام، وهما يكيدان له ويعملان في جو من السرية والتكتم مع
المنافقين لتقويض دعائمه بمختلف الوسائل وكان الله
لهما ولغيرهما بالمرصاد يخبر رسوله
بما يسرون وما
يعلنون وظن أبو سفيان ان الفرصة قد سنحت له بوفاة
الرسول ( ص ) ، وكان غائبا عن المدينة حين ذاك كما جاء
في رواية أبي هريرة ، ولما رجع وبلغه ان أبا بكر قام
بالأمر ، قال أبو الفضيل يعني بذلك أبا بكر : اني لأرى
فتقا لا يرأبه الا الدم ( 1 )
فجاء ليغري عليا بالحشود
التي تؤيده ضد الحكم القائم على حد زعمه متخذا من ذلك
وسيلة للقضاء على رسالة محمد ( ص ) التي حاربها هو
وزوجته وأولاده من قبل ، ولكن عليا الذي لا يفكر الا
في مصلحة الإسلام ، والذي وهب
حياته وكل ما لديه في
هذا السبيل ، يدرك جيدا ما تنطوي عليه تلك العروض
المغرية من رجل كابي سفيان ويرى من واجبه ان يكون
الدعامة الأصيلة للإسلام ، ايا كان الحاكم فرد عليه
معلنا له رأيه فيه وفي أمثاله الذين يبيتون الغدر
والمكر والنفاق ، فقال : انك يا
أبا سفيان ما زلت تكيد
للإسلام وتعاديه ، وانت تنوي من وراء ذالك الشر والغدر
، فانطوى على نفسه هو وولده ومن على شاكلتهما من
المنافقين يحز الألم تمسهم ، ويكل الحقد قلوبهم ، لا
سيما
والإسلام قد تغلب على حركة المرتدين واكتسح
الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية في بضع سنوات
ممدودات ، ففقد أبو سفيان وأسرته الأمل في مقاومة
الإسلام عن طريق الثورات الداخلية التي وضعها في حسابه
، واتجه إلى العمل باسلوب جديد ، فتملق إلى الخليفة
الحاكم ليحتفظ لولده بمركز
| |
(
1 ) نفس المصدر السابق . ( * )
|
|
|
من مراكز الدولة لعلم ينفذون منه ولو في
المستقبل إلى تحقيق شئ من أهدافهم المعادية للإسلام ،
وظل هو وولده يتملقون إلى الخليفة الثاني حتى ولاهما
الشام وجهاتها على التعاقب ، ولكنه استطاع بحكمته
وحنكته ان يحدد تمرفاتهما
وان يفرض عليهما هيبته طيلة
حياته ، ومع ذلك فقد بعثت هذه الولاية التي استمرت
عشرين عاما الامل في نفس معاوية والأسرة الأموية في ان
يصبح الحاكم المطلق في مستقبل حياته الذي يصدر الاوامر
من على منبر الشام لجميع
الأقطار وبالفعل بدأ هذا
الأمل يشع ويتسع في نفس معاوية ويسري في دمه وعروقه
وبخاصة عندما انتهت الخلافة الإسلامية إلى قريبه عثمان
فغمرت معاوية وأباه نشوة الفرح ، واستعاد الشيخ العجوز
نشاطه ، فخرج من وكره يدب
على عصاه متجها إلى قبر حمزة
بن عبد المطلب يرفسه برجله ، وهو يقول : قم يا أبا
عمارة ان الذي تقاتلنا عليه أصبح بيد صبياننا ، ومن ثم
انطلق به قائده نحو المسجد ليقول كلمته التي تنبع من
أعماق قلبه ، والغي كتمها طيلة هذه
المدة خوفا من سطوة
الإسلام ، تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة فوالذي يحلف
به أبو سفيان ما من جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب -
قال ذلك : وهو يظن ان المسجد خال من كل إنسان ، إلا من
أسرته ، ولولا ان عليا ( ع ) قد
فاجئه بقوله :
أعمى
الله بصيرتك كما أعمى بصرك ، لأظهر أكثر من ذلك مما
تنطوي عليه نفسه الحاقدة المشركة ولكن صوت الحق الذي
اخرس أسلافه في بدر والأحزاب زعزع كيانه ، فلاذ
بالفرار إلى وكره معتصما فيه حتى
مضى إلى ربه ، وفي
أعماق نفسه لا جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب ، وبقي
الولد الطموح أميرا على الشام يجد في تحقيق آماله
وأمانيه وتوالت الأحداث لمصلحته واستفاد من نقمة
المسلمين على قريبه عثمان أكثر من أي إنسان ،
فتقاعد
عن نصرته ، مع انه يملك من العدة والعدد ما يسهل عليه
الخروج من تلك الأزمة ( لو انه ) أسرع إلى نجدته منذ
ان استغاث
به واستنصره ولكنه تجاهله وكان
الأمر لا
يعنيه وجاء بعد ذلك يطالب بدمه متخذا من قميص لوثه
بدماء حيوان وسيلة لتضليل أهل الشام واستجداء عطفهم
ونجدتهم للمطالبة بدمه وأغراهم بولايته الشرعية التي
تخوله وحده ان يثأر
للخليفة المقتول ظلما وعدوانا على
حد زعمه وزعم الذين قادوا الثورة للبصرة في حين انهم
كانوا يزودون الثائرين على عثمان بكل ما يضمن لهم
النجاح والقضاء عليه . وتم له الاستيلاء على الحكم
بالخداع والمكر وإراقة الدماء
وتبذير الأموال لشراء
الخونة من أهل العراق وغيرهم ، وظل نحوا من عشرين عاما
يحكم باسم الدين ويداه تقطران من دماء الأبرياء والصلحاء ومضى إلى ربه وهو يحث الجماهير ويشتري
الضمائر بالأموال لينتقموا له من علي
والطيبين من ذرية
الرسول ( ص ) بدلا من الاستغفار والندم والتوبة وان
كانت لا تجديه شيئا . ومن تتبع تاريخه وأحصى تصرفاته
لا يرتاب في انه كان
يعمل بكل ما لديه من قوة
للقضاء على الإسلام والرجوع إلى الجاهلية الأولى بكل
مظاهرها واشكالها .
وهو مع كل ذلك من عدول المسلمين ومجتهديهم المعذورين فيما صدر منهم ، والمأجورين على
جميع جرائمهم حتى في إغراء جعدة بنت الأشعث على قتل
الحسن ، ريحانة الرسول ( ص ) ، وقتله الصحابي الجليل
حجر بن عدي وأصحابه البررة وإلحاقه زيادا بابيه وغير
ذلك من جرائمه التي لا تحصى .
وقد مضى الأمويون طيلة
حكمهم في محاربة الإسلام بإحياء مظاهر الجاهلية بجميع
أشكالها وحاول عبد الملك وولده هشام بن عبد الملك
التوهين من مقام النبي محمد ( ص ) عن طريق
دعاتهما المنتشرين في أنحاء البلاد .
ويؤكد ذالك ما
جاء في تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان قال : كان
الحجاج بن يوسف عامل عبد الملك يفضل الخلافة على
النبوة ، ويقول : ما قامت السموات والأرض الا بالخلافة
، وان الخليفة عند الله أفضل من الملائكة
المقربين
والأنبياء والمرسلين ، وإذا حاجه احد في ذلك قال :
أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه أم رسوله إليهم ، وكان
عبد الملك إذا سمع ذلك أعجب به ، واقتدى بالحاج من جاء
بعده من العمال الأشداء كخالد القسرى عامل هاشم
بن عبد
الملك فقد كان يقول بمقالد : وخطب الناس في مكة ، فقال
: أيها الناس أيهما أعظم أخليفة الرجل على أهله أم
رسوله إليهم ؟ يعرض به رسول اله ( ص ) ، وقد بلغ الحال
ببعض المتملقين إليهم ان احدهم وقف مرة ليخطب
الناس
فأخطأ في آية من القرآن ، فوقف بعض المتملقين ، وقال
: لا يهولنك ايها الأمير ما
رأيت عاقلا قط حفظ القرآن انما يحفظه الحمقى من الرجال
( 1 ) .
ومهما كان الحال فمعاوية بصفة
صحابيا مأجور
على جميع أعماله ، قال ابن كثير في كتابه " الباعث
الحثيث ": واما ما شجر منهم بعد الرسول ( ص ) فمنه ما
وقع من غير قصد كيوم الجمل ، ومنه ما كان عن اجتهاد
كيوم صفين ،
والاجتهاد يخطئ ويصيب ، ولكن صاحبه معذور
وان اخطأ ومأجور أيضا ، واما المصيب فله أجران اثنان
وأضاف إلى ذلك . ان ما ذهبت إليه المعتزلة من ان
الصحابة كلهم عدول الأمن قاتل عليه قول مردود ومرذول (
2 ) .
ومنهم سمرة بن جندب الصحابي صاحب النخلة ساومه
النبي
| |
(
1 ) انظر ص 2 ج 2 تاريخ التمدن الإسلامي عن
العقد الفريد والمسعودي وابن الأثير
والاغانى .
( 2 ) انظر ص 182 من الباعث الحثيث
. ( * ) |
|
|
عليها بالجنة ، فأبى ان يقبل شيئا من تلك
العروض المغرية ، ، أصر على الدخول على الأنصاري
وإيذائه ، والنبي ( ص ) يستعطفه حرصا على حقه وصونا
لكرامة الأنصاري ، ولما رأى النبي تعنته وإصراره على
إيذاء الأنصاري ، قال له : اذهب فاقلعها وارم بها وجهه
، لا ضرر ولا ضرار في الإسلام .
وكان سمرة من
أنصار
المنحرفين عن علي ( ع ) ، وخاض الفتن معهم ، واشترك في
جميع المخازي ، المنكرات التي أظهرها معاوية ، وجاء عن
أبي هريرة انه قال لرجل من أهل البصرة : ما فعل سمرة
بن جندب ، قال انه حي
يرزق قال أبو هريرة : ما احد
أحب إلي طول حياة منه ، لان رسول الله ( ص ) قان لي وله
ولحذيفة اليمان : اخركم موتا في النار . وكان يتلذذ
بقتل الأبرياء ، وجاء عنه انه قتل في البصرة ثمانية
آلاف ممن لا يحل قتلهم في
دين الله ، ولما ضج أهلها من
قسوته واستهتاره بالدماء قال لهم : وأي بأس على
المقتول ، فمن كان من أهل الجنة عجلناه إليها ، ومن
كان من أهل النار مضى إلى مقره ، وقتل من بني سوار
العدوي سبعة وأربعين رجلا من حفاظ
القرآن في يوم واحد
، وحرض التابعين على الخروج لحرب الحسين بن علي ( ع )
وقتاله ، وأعطاه معاوية خمسمائة ألف درهم مقابل ان ينسب
إلى الرسول ( ص ) ان الآية "
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي
نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ
وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ " ،
تعني ابن ملجم لانه قتل عليا (
ع ) ، وان الآية "
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا
فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
*
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ
فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ
" نزلت في علي بن أبي طالب ( ع ) ( 1 )
إلى غير
ذلك من المنكرات التي ارتكبها ويكفيه ذما قول النبي (
ص ) : انك رجل مضار ووقوفه إلى جانب معاوية وتحريضه
على قتل الحسين ( ع ) ، ومع ذلك
| |
(
1 ) انظر لشرح النهج ج 1 ص 361 و 363 |
|
|
فهو من عدول المسلمين ، ومن المجتهدين
المأجورين على جميع أعمالهم .
ومنهم المئات ممن كانوا
يكيدون للإسلام ، ويتعاطون جميع المعاصي والمنكرات على
اختلاف أنواعها ، ومن أراد ان يتتبع أخبارهم ويحصي
عليهم تصرفاتهم لا يكفيه مجلد خاص في هذا الموضوع .
ونحن لا نريد من وراء ذلك انتقاص الصحابة،
وإنكار
فضلهم ، فان للصحبة شرفها وللعمل الصالح أجره ر
وللجهاد فضله ، وانما الذي أردناه ان الصحبة ليست من
أسباب العصمة عن الذنوب ، وان الإسلام قد نظر إلى
الإنسان من
خلال
أعماله وتصرفاته، لا من خلال أمجاده وألقابه وأوصافه ولم يجعل لقرابة الدم والعرق ميزة
فضلا عن الألقاب والصفات ، نريد ان نقول لمن يشترطون
عدالة الراوي ، وتزكيته بشاهدين عدلين ، ان جلال السنة
ومكانتها من
التشريع ،
وأثرها في حفظ الثروة الإسلامية
، كل ذلك يفرض علينا ان نتأكد من صحة الحديث ايا كان
الراوي له ، ولا يكفينا ان نتثبت من أحوال الرواة ،
حتى إذا انتهينا إلى الصحابي الراوي للحديث ، نقف
أمامه خاشعين واجمعين
كأنه قرآن منزل من غير ان تتأكد
صحته ومن غير ان ننظر إلى متن الرواية نظرة فاحصة
واعية ونعرضها على العقل والقرآن وأصول الإسلام . . ان
هذا الغلو في تقديس مرويات الصحابة ، قد ادخل على
السنة النبوية مجموعة
من الخرافات
والأحاديث المكذوبة
، لا يزال المسلمون ينظرون إليها نظرة تقديس واحترام
لان رواتها من الصحابة، وهي في واقعها وصمة على السنة
، سلاح بيد أعداء الإسلام للهدم والتخريب ، والتشنيع
على المسلمين ومعتقداتهم
ومن الغريب المؤسف ان يغالي
السنة في الصحبة إلى حد القول : بان يوما واحدا حضره
معاوية بن هند مع رسول الله ، خير من عمر بن عبد
العزيز وأهل بيته ، مع العلم بان عمر بن عبد العزيز
كان من خيرة الحكام في سيرته وسياسته وعدله وزهده
.
لقد قال الشيعة بعصمة
الأئمة الاثني عشر
فأقاموا الدنيا وأقعدوها ، وقالوا هم بعصمة الألوف من
البشر من حيث لا يشعرون ، وإذا أنكر عليهم الشيعة
عدالة مروان وأبيه الذي كان يحكي النبي في مشيته ساخرا
ويدلع له لسانه ويغمز عسيه عينه .
وعدالة معاوية
وأمثاله ، وصفوهم بالرفض والغلو وغيرها من الأوصاف .
وليست العصمة في حساب الشيعة الا ترك المعاصي على
اختلاف أصنافها وفعل الواجبات ، ليس ذلك بنظر العقل من
المحالات ، وتاريخ الأئمة ( ع ) يؤكد ما يدعيه الشيعة
فقد بذل أخصامهم السياسيون والمذهبون أقصى ما لديهم من
تجهد في سبيل انتقاصهم فلم يستطيعوا ان يلصقوا بهم
عيبا ، أو تساهلا في واجب وانحرافا عن الحق .
لقد أنكر
السنة عصمة علي ( ع ) ، وقالوا بعدالة معاوية ومروان
بن الحكم وعمرو بن العاص وبسر بن ارطاة وغيرهم من
العشرات الذين وصفهم القرآن بالنفاق معلنا بذلك في
كثير من آياته
وسوره ، ووصفهم الرسول
بالارتداد
عن الدين والرجوع إلى جاهليتهم
الأولى ،
وإذا جازت العدالة التي تشد الإنسان إلى الله ، وتحول
بينه وبين انتهاك حرماته ، إذا جازت على معاوية وأبيه
، ومروان وأمثاله ، فكيف يستسيغ أصحاب هذه الفرية ان
يهاجموا من يذهب
إلى عصمة علي ( ع ) القائل : والله لو
أعطيت الأقاليم السبعة بها تحت أفلاكها على ان اعصي
الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت ، والقائل إذ
امرتكم لا تساوي نعلا بالية إذا لم تكن وسيلة لإحقاق
الحق وإزهاق الباطل ، والى
عصمة أبنائه
الأئمة الهداة
الذين نهجوا نهجه ، واتبعوا سيرة جدهم الأعظم ،
وحاربوا لظلم والظالمين ، والطغاة والمتجبرين .
واستهانوا في حياتهم في سبيل الله وخير الإنسانية .
وهل العصمة
إلا الرجوع إلى الله سبحانه في جميع الأمور
صغيرها
وكبيرها وترك ما نهى الله عنه بنحو تكون هذه
المرتبة من الإيمان وكأنها طبيعة له تلازمه ملازمة
الضوء للشمس والظل لذي الظل .
وجاء عن الإمام زين
العابدين ( ع ) انه قال : لا يكون الإمام منا
إلا
معصوما ، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فتعرف ، قيل له
فما معنى المعصوم قال : المعتصم بحبل الله ، وحبل الله
هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة ، فالإمام يهدي
إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الإمام ( 1 ) .
وإذا كان
مرد العصمة التي يدعيها الإمامية لعلي والأئمة من ذرية
الرسول ( ص ) إلى هذا المعنى ، فهل هي بنظر العقل
والعادة من المحالات حتى تتعرض لتلك الهجمات العنيفة
من جانب أهل السنة ، مع العلم بأنهم أثبتوها مصغرة
لآلاف المسلمين بما فيهم الذين ساروا باتجاه معاكس
لمبادئ الإسلام والقرآن طيلة حياتهم ، ولولا ان
الإسلام قد تساهل في اطلاق المسلم واعطاءه لكل من
نطق بالشهادتين ولو بلسانه ، لكان من الواجب إخراجهم
من صفوف المسلمين حتى في التسمية .
وأعود لأكرر ان
الشيعة لا يستخفون بالصحابة جميعهم كما يدعي المهوشون
والمضللون ، ولا يخالفون قول ربهم وسنة نبيهم بالنسبة
إليهم فيتبعون الصالحين الصادقين في ايمانهم ،
ويستخفون بمن عناهم الله سبحانه بقوله :
وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى
النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ
سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى
عَذَابٍ عَظِيمٍ ، وبمن عناهم
الرسول بقوله : " ارتدوا على ادبارهم القهقرى ، ولا
يخلص منهم الا مثل همل النعم "
ولا يتخطون رأي
أئمتهم
في الصحابة وغيرهم من الناس على اختلاف أصنافهم
وأديانهم الذين نظروا إلى الناس من خلال أعمالهم
وآثارهم لا من خلال ألقابهم وأمجادهم .
| |
( 1 ) انظر مجمع البحرين
مادة عصم
. * |
|
|
وقد جاء في
دعاء الإمام زين العابدين الذي كان
بدعوته للأنبياء واتباعهم ، ما يؤكد ان الأئمة لم
يترددوا في تعظيم الطيبين من الصحابة وتقديسهم . قال (
ع ) اللهم وصل على أصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا
الصحبة ، وابلوا
البلاء الحسن في نصره ،
وأسرعوا إلى
وفادته ، وسابقوا إلى دعوته ، واستجابوا له حيث اسمعهم
حجة رسالته ، وفارقوا الأزواج والأولاد في اظهار كلمته
، وقاتلوا الأبناء والآباء في تثبيت دعوته وانتصروا به
، وحتى كانوا
منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في
مودته ، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته ،
وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته ، فلا
تنسى لهم اللهم ما تركوا لك وفيك ، وأرضهم من رضوانك ،
واشكرهم على
هجرتهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة
المعاش إلى ضيقه يا ارحم الراحمين .
هؤلاء الذين عناهم
الإمام بتلك الدعوات المباركات من بين من أسموهم
بالصحابة ، ينظر الشيعة إليهم بكل تقديس وتقدير ولا
يرتاب احد في عدالتهم واستقامتهم وولائهم للرسول
ودعوته المباركة طيلة حياتهم وجهادهم المخلص
لاحيائها
وإرساء قواعدها إلى ان فارقوا الدنيا بقلوب عامرة
بالإيمان ونفوس مطمئنة بما وعد الله به العاملين
والمجاهدين .
|