دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 109 : -

الفصل الرابع
البخاري وصحيحه بنظر المحدثين

 

ص 111 :

هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري صاحب الصحيح المعروف ( بصحيح البخاري ) .

وجاء في ترجمته انه ولد في شوال سنة 194 ه‍ ، وتوفي في قرية تسمى ( خرتنك ) من بلاد سمرقند سنة 256 ص في اليوم الأول من شوال ، وهو من أصل فارسي يعتنق المجوسية وأول من اسلم منهم جد أبيه المغيرة بواسطة

اليمان الجعفي والي بخارى، وكان ولاؤه وولاء أولاده إليه ، ولذلك فقد انتسب إليه فقال في نسبه : محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي ، فتكون نسبته إليه بالولاء لا بالنسب ، وكان أبوه محدثا مات وهو صغير السن ، وترك له مالا

جليلا فنشأ محمد بن إسماعيل في حجر أمه ، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ الحديث فحفظ كتب ابن المبارك ووكيع وهما من مشاهير المحدثين في القرن الثاني ، قبل ان يتجاوز السادسة عشر من العمر ونشط في طلب الحديث

وحفظه إلى ان نبغ في هذه الناحية وأصبح بنظر محدثي السنة من أوثق المحدثين واعرفهم فيه ، وقضى شطرا من حياته يطلب الحديث حيث كان من بلد إلى بلد حتى جمع ستمائة ألف حديث انتخب منها كتابه المعروف بصحيح البخاري كما جاء في أكثر كتب التراجم التي تعرضت لتاريخه
 

ص 112 :

ونقل عنه بعض المحدثين انه قال : ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا الا اغتسلت وصليت ركعتين ، وبقي ستة عشرة سنة يتتبع الأحاديث ويستقصيها حتى أتمه ، وبلغ من ثقة المحدثين به ان أبا الحسن المقدسي كان يقول : كل من روى عنه البخاري في صحيحه فقد جاز القنطرة ، أي لا بد ان تكون شروط الراوي بكاملها متوفرة فيه .


وقال الخطيب البغدادي في ترجمة الأمين أبي الهيثم ، خالد بن احمد المتوفى سنة 270 ه‍ انه تولى إمارة بخاري وسكنها وترك فيها آثارا محمودة واخذ الحديث عن ابن راهويه وغيره ، وانفق قي طلب العلم أكثر من ألف ألف درهم

، ولما استوطن بخارى وفد عليه حفاظ الحديث ، فبسط يده بالإحسان إليهم ، وطلب من محمد بن إسماعيل البخاري ان يلازم مجلسه ، فامتنع عن ذلك واظهر الاستخفاف به ، فأخرجه من بخارى إلى سمرقند فلم يزل بها حتى وافته المنية .

وقال ابن العماد الحنبلي : ان البخاري قد نقل عن ألف من العلماء ، ولم ينقل إلا عمن كان يقول : الإيمان قول وعمل.

وجاء عنه انه قال : الذي دفعني إلى تأليف الصحيح ، هو اني رأيت النبي ( ص ) وكأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب عنه ، فسألت بعض الذين يتعاطون تفسير الأحلام عن تأويل ذلك ، فقال : انك تذب عنه الكذب ، فاتجهت إلى اختيار الصحاح من المرويات عنه ( ص ) .


وجاء عن الفريري : انه سمع محمد بن أبي حاتم البخاري الوراق يقول : رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في المنام يمشي خلف النبي ( ص ) فكلما رفع النبي ( ص ) قدمه وضع البخاري قدمه في ذلك الموضع . واثني عليه من ناحية احاطته بعلم الحديث واستخراج الصحيح منه جماعة من المحدثين ثناء بالغا .

فقد روى حمدون الاعمشي : انه رأى محمد 

ص 113 :

بن إسماعيل البخاري في جنازة أبي عثمان سعيد بن مروان ، ومحمد بن يحيى يسأله عن الاسامي والمكنى والعلل ،   فيمر عليها محمد بن إسماعيل كالسهم كأنه يقرأ قل هو الله أحد .


وقال فيه احمد بن حنبل : ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري .

وجاء عن محمد بن يوسف الفريري : انه قال : لقد سمع كتاب الصحيح من محمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل ، وما بقي احد يروي عنه غيري .

وقال محمود بن عمر العقيلي : لما ألف البخاري كتابه الصحيح عرضه على احمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المدني وغيرهم فاستحسنوه ، وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث قال العقيلي والقول فيها قول البخاري .

وجاء في هدى الساري للعسقلاني: ان الاسماعيلي في المدخل قال : بعد ان أثنى على صحيح البخاري وبالبر في الثناء عليه ، ونحا نحوه في التصنيف جماعة منهم الحسن بن علي الحلواني ، ومنهم أبو داود السجستاني وكان معاصرا له ، ومنهم مسلم بن الحجاج ، فرام مرامه واخذ عنه وعن كتبه ، الا انه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله البخاري ، وروى عن جماعة لم يعترض لهم البخاري .


وقال الحاكم أبو احمد النيسابوري : رحم الله محمد بن إسماعيل فانه ألف أصول الأحكام من الأحاديث . وبين للناس ، وكل من جاء بعده فقد اخذ من كتابه كمسلم بن الحجاج وغيره .

وقال الدارقطني : لولا البخاري لما ذهب مسلم وما جاء ، وأضاف 

ص 114 :

إلى ذلك ، وأي شئ صنع مسلم انما اخذ كتاب البخاري فعمل عليه وزاد فيه بعض الزيادات . ونص على ذلك القرطبي في كتابه المفهم في شرح صحيح مسلم ، وبعد ان استعرض ابن حجر في مقدمة فتح الباري آراء المحدثين

والعلماء في صحيح البخاري ، وسرد الجهات المؤدية إلى تفضيله على صحيح مسلم وتجميع كتب الحديث ، اخذ في بيان الخصائص والكرامات التي امتاز بها صحيح البخاري .


ونقل عن أبي احمد بن أبي حمزة انه قال : قال لي بعض السادات المقر لهم بالفضل : ان صحيح البخاري ما قرئ في شدة إلا فرجت ، ولا ركب به في مركب فغرق . وجاء في المقدمة . ان البخاري قد فقد بصره في حداثة سنه وذهبت

عيناه ، فرأت والدته إبراهيم الخليل في المنام فقال لها : يا هذه قد رد الله على ابنك بصره ، فأصبح وقد رد الله عليه بصره ، وكان بعد ذلك يكتب في الليالي المقمرة وأورد من فضائله وكراماته حيا وميتا ما لم يثبت مثله للأنبياء والمقربين ( 1 ) .


ومن أمثلة ذلك ، أن النبي ( ص ) قد أمر الناس بتدريس كتاب البخاري .

وروي عن أبي زيد المروزي ان النبي ( ص ) جاءه وهو نائم بين الركن والمقام ، فقال له : إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي قلت : يا رسول الله وما كتابك ؟ قال جامع محمد بن إسماعيل .

وجاء في المقدمة أيضا ان الروائح العطرة الطيبة كانت تفوح من قبره بعد ان وضع فيه واستمرت زمنا طويلا بعد دفنه ، مما أدى إلى ازدحام الناس حول قبره ليأخذوا من ترابه العطر الفواح ، ولم يمتنعوا عنه إلا بعد ان أحيط بحاجز

يحول بين الناس وبينه ، وعد من كراماته انه كان يحفظ ستمائة ألف حديث ، وانه كان يحفظ كل ما يسمع وما يتلى عليه لأول مرة ، ويمر بالكتاب مرة واحدة من أوله لآخره فيحفظه بالغا

 

( 1 ) انظر مقدمة فتح الباري الجزء الأول والثاني . ( * ) 

 

 

ص 115 :

ما بلغ ، وانه وفد على البصرة ، وهو غلام ليسمع الحديث ، فذهب مع جماعة إلى مشايخ البصرة ومحدثيها ، وكلهم يكتب ما يتلى عليه ، إلا هو فانه كان يستمع ولا يكتب ، وفي خلال خمسة عشر يوما دون أصحابه خمسة عشر ألف حديث ، ولما لاموه على عدم الكتابة ، أعاد عليهم كل ما سمعه وسمعوه ، مما اضطرهم ان يعرضوا ما دونوه على محفوظاته ( 1 ) .
 

ومن تتبع ما قيل فيه ، وما نسب إليه ، يجد ان اتباعه قد غالوا في تقديسه وتعظيمه حتى خرجوا بذلك عن الحد المألوف ووضعوه في مستوى الأساطير ، وكلمة المقدسي وحدها ، " كل من روى عنه البخاري فقد جاز القنطرة "

التي تعبر عن رأي الجمهور فيه ، هذه الكلمة وحدها تكفي للتعبير عن غلوهم المتطرف فيه ، ولو نزهوه عن هذه المبالغات والمقالات ، وتركوه لآثاره ومؤلفاته ، التي توفيه حقه كاملا غير منقوص لو فعلوا ذلك لأبعدوا عنه وعن

صحيحه الطعون المسددة التي وجهها ويوجهها لهما كل باحث منصف ينشد الحقيقة مجردا عن جميع العوامل والمؤثرات ى ولكنهم لما أبوا إلا ان يجعلوه ثاني القرآن ، أبى الباحثون المنصفون الا ان ينظروا إلى البخاري .

كمحدث اجتهد في جميع الحديث وتدوينه يخطئ ويصيب ، والى كتابه كغيره من مجاميع الحديث التي جمعت الغث والسمين ، والصحيح والفاسد .

 

 

( 1 ) انظر ص 251 وما بعدها من الجزء الثاني مقدمة فتح الباري وانظر شذرات الذهب ج 2 ص 134 و 135 ( * ) .

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب