دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 125 :

الكليني

محمد بن يعقوب الكليني الرازي صاحب المؤلفات الغنية بالفوائد في مختلف المواضيع ، ومن ابرز مؤلفاته كتابه المعروف بالكافي جمع فيه أحاديث أهل البيت في الأصول والفروع والأخلاق وغيرها من المواضيع وجاء في كتب التراجم انه لقب بالكليني نسبة إلى قرية من بلاد إيران في منطقة الري ( تسمى كلين ) ، وفيها دفن والده يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي ، ويعرف أيضا بالسلسلي ( 1 )


وكان من ابرز شيوخ الشيعة في الري وأوجههم ، ثم انتقل إلى بغداد وسكن بها إلى ان توفي بها سنة 328 هجرية ، وقيل سنة 329 ه‍ ، وليس في كتب التراجم التي تعرضت لتاريخه ما يشير إلى تاريخ ولادته ، لذلك لم يكن من السهل

تحديد عمره على التحقيق ، ومن الجائز ان يكون قد أدرك في صباه الإمام الحادي عشر الحسن العسكري ( ع ) الذي توفي سنة مائتين وستين هجرية ، ومما لا شك فيه ان حياته كلها كانت في عهد السفراء الأربع وكلاء الإمام الثاني

عشر محمد بن الحسن ( ع ) لان عهدهم استمر سبعين عاما تقريبا ، أي إلى حدود سنة 330 هجرية والكليني لم يتخط هذا الرقم عند الجميع . والذي يؤيد انه أدرك الإمام العسكري ( ع ) كما يرجح ذلك العلامة الطباطبائي في رجاله هو انه قد اخذ الحديث عن جماعة عاصروا

 

( 1 ) لعل الوجه في هذه النسبة انه سكن أخيرا في بغداد في محلة تدعى درب السلسلة بباب الكوفة . ( * ) 

 

 

ص 126 :

الأئمة الثلاثة الرضا والجواد والهادي ( ع ) ورووا عنهم ، منهم احمد بن محمد بن عيسى الأشعري شيخ القميين ووجههم ، ولم يذكر المؤلفون في الرجال تاريخ وفاته ، ولكنهم نصوا على انه لم يلتق بالإمام العسكري ، وهذا التعبير يشعر بوفاته قبل انتقال الإمامة إليه .

ومهما كان الحال فلم أجد فيما لدي من كتب التراجم ما يشير إلى تاريخ ولادة الكليني ، والمقطوع به انه عاش في النصف الثاني من القرن الثالث وفي أوائل القرن الرابع . وقد اتفق الطرفان السنة والشيعة على تعظيمه وإجلاله ، وانه كان من اظهر علماء عصره وأوثقهم في دينه وحديثه ، وجميع من تعرض له من مؤلفي السنة وصفه بذلك .


وجاء عن ( البغوي ) احد المحدثين من السنة في تفسير الحديث المشهور عن النبي ( ص ) ان الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها ، ان المبعوث على رأس المائة الأولى من أولي الأمر عمر بن عبد العزيز ،

ومن الفقهاء محمد الباقر ( ع ) والقاسم بن محمد وسالم ابن عبد الله بن عمر ، وغيرهم من تلك الطبقة ، وعلى رأس المائة الثانية من الحكام المأمون العباسي ، ومن الفقهاء الشافعي ، واللؤلؤي من الأحناف ، واشهب من المالكية ،

والإمام علي بن موسى الرضا من الإمامية ومن المحدثين يحيى بن معين ، وعلى رأس المائة الثالثة من الحكام المقتدر العباسي ، ومن الفقهاء أبو جعفر الطحاوي الحنفي ، وابن جلال الحنبلي وأبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني ، وعد السيد المرتضى ممن بعث من الإمامية على رأس المائة الرابعة بالإضافة إلى جماعة من فقهاء المذاهب الأربعة .


وجاء عن التبصير لابن حجر وغيره من المؤلفين في الرجال والتراجم ما يؤكد انه كان من ابرز الفقهاء والمحدثين في عصره ، ومن المساهمين
 

ص 127 :

بجد ونشاط وإخلاص في تدعيم الدين ونشر الثقافة الإسلامية من جميع نواحيها . ونظر إليه الشيعة بعين الاحترام والتقدير في جميع الأدوار التي مروا بها واشتهر من بين مؤلفاته الغنية بالفوائد كتابه الجليل الكافي ، ذلك الكتاب الذي

تحرى فيه أقصى ما لديه من جهد لتصفية الأحاديث الصحيحة عن غيرها كما نص على ذلك في مقدمة كتابه، حتى تم له تأليفه بعد جهاد ورحلات استمرا نحوا من عشرين عاما يجوب فيها البلدان من بلدة إلى بلدة في البحث عن الحديث

ومذاكرة المحدثين في الحديث وأصنافه ومصادره ، والتنقيب عن الأصول الأربعمائة التي ألفها تلامذة الأئمة في الحديث ، وعن مؤلفات القميين وغيرهم التي جمعوها في أواخر القرن الثاني من مرويات أصحاب الإمامين جعفر

بن محمد وأبيه الباقر ( ع ) وقد ذكرنا في الفصل السابق ان القميين والاشعريين والبعض من الكوفيين قد تطوعوا لجمع الأحاديث وتصفيتها ، وألفوا في علمي الرجال والدراية ووضعوا أصول هذين العلمين خلال النصف الأول من

القرن الثالث ومهدوا الطريق للطبقة الثالثة التي برز فيها الكليني وألف كتابه الجامع ونال إعجاب العلماء والمحدثين على اختلاف مذاهبهم وطبقاتهم .


ورجح جماعة من المؤلفين الأعلام انه كان على اتصال بسفراء الإمام محمد بن الحسن الذين كانوا يتصلون به . كما نص على ذلك المحدث النيسابوري في كتابه منية المراد والسيد علي بن طاووس وغيرهما ، وانطلق هؤلاء من هذه المرحلة إلى ان الكافي قد عرضه سفراء الإمام عليه واقر العمل به .

وتمسكوا بما جاء عنه ( ع ) انه قال : ( الكافي كاف لشيعتنا ) ، وأضافوا إلى ذلك ان بعض الشيعة من البلدان النائية كلف الكليني بتأليف كتاب في الحديث يجمع مختلف المواضيع ، لكونه على اتصال دائم بالسفراء الذين كانوا يتصلون بالإمام ، ويروون عنه ، فألفه اجابة لطلبهم في عشرين عاما ، ولا بد وان يكون قد راجعهم فيما اشتبه عليه امره
 . 

ص 128 :

ولكن المؤلفات التي تعرضت للكليني وكتابه ليس فيها ما يؤيد هذا الادعاء ونص جماعة من المحدثين وغيرهم على عدم صحة الحديث المروي عن الإمام ( ع ) حول هذا الموضوع ، نظرا لان الرواة له لم تتوفر فيهم شروط الاعتماد

على هذه الرواية هذا بالإضافة إلى ان الإمام ( ع ) في الغيبة الصغرى لم يكن الاتصال به ممكنا الا في الضرورات وليس منها تمحيص مرويات الكافي لإمكان التوصل إلى معرفة الصحيح من غيره بالرجوع إلى أصول علم الدراية

وأحوال الرجال ، على ان بعض مرويات الكافي لو عرضت على الإمام محمد بن الحسن ( ع ) لا يمكن ان يقره عليها كما سنتعرض لبعضها في الفصول الآتية


ولو افترضنا ان الإمام ( ع ) قال في تقريضه ( الكافي كاف لشيعتنا ) كما تنص على ذلك الرواية ، لو افترضنا ذلك فلا يستفاد من هذه الجملة انه صحيح بكل محتوياته ، لجواز كونه كافيا لشيعتهم من حيث اشتماله على كمية من

الأحاديث في الفروع والأصول صادرة عن الأئمة ( ع ) ومما لا ريب فيه ان المرويات الصحيحة والمقترنة ببعض القرائن المؤكدة لصدورها بين مرويات الكافي سواء في ذلك ما ورد منها لبيان الأحكام وما ورد في الأخلاق والآداب

والسنن وغير ذلك هذه الأصناف لو طبقها الشيعة لكانت كفيلة بان تجعلهم في القمة بين أصناف الناس ومهما كان الحال فليست الرواية نصا في ان جميع مروياته صادرة عنهم ( ع ) . وقد عد المؤلفون في علم الدراية الكليني من

الطبقة الرابعة بين المحدثين ، فالطبقة الأولى حسب اصطلاحهم يمثلها الطوسى والنجاشي والثانية يتزعمها الشيخ المفيد ، وابن الغضائري ، والثالثة هي طبقة الصدوق ، واحمد بن محمد بن يحيى وأمثالهما ، والرابعة طبقة الكليني

وهكذا إلى الطبقة السادسة عشر التي تنتهي بالمعاصرين للحسين وأبيه أمير المؤمنين ( ع ) بينما ابتدأ السنة في تسلسل الطبقات من الصحابة ، ثم 

ص 129 :

كبار التابعين ، وهكذا إلى الطبقة الثانية عشر التي تنتهي بالترمذي ، والنسائي وبعض شيوخه .

ولكليني عدد من المؤلفات في مختلف المواضيع ، منها كتابه في تاريخ القرامطة والرد عليهم ، ومنها في تعبير الرؤيا ، وفي رسائل الأئمة ( ع ) وما قيل فيهم من الشعر ، وفي الرجال وغير ذلك من المواضيع المختلفة بالإضافة إلى الكافي الذي عرف به الكليني أكثر من جميع مؤلفاته .


وقد بلغت أحاديثه بعد الإحصاء ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعين حديثا موزعة على جميع أبوابه ومواضيعه ( 1 ) .

 

( 1 ) انظر روضات الجنات للخونساري ج 4 ص 552 و 553 553 . ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب