دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 145 : -

موقف السنة من مرويات المخالفين لهم

ثم ان القائلين من الشيعة بعدم جواز الاعتماد على رواية غير الإمامي ، هؤلاء على قلتهم لا يفرقون بين أصناف المخالفين لهم ، ولا يفضلون مخالفا على غيره ، كما فعل السنة مع المخالفين لهم ، فانهم عدوا الشيعة من المبتدعة المخالفين كالخوارج وغيرهم من الفرق ، ولكنهم فضلوا عليهم الخوارج واخذوا به روايتهم بحجة انهم لا يستحلون الكذب ، والشيعة يستحلونه على حد زعمهم .


قال السباعي في كتابه السنة ومكانتها من التشريع الإسلامي . والذين يظهر لي انهم يرفضون رواية المبتدع إذا روى ما يوافق بدعته كالشيعة أو كان من طائفة عرفت بإباحة الكذب ، ووضع الحديث في سبيل أهوائها ، ولهذا رفضوا رواية الرافضة .


وقبلوا رواية بعض الشيعة الذين عرفوا بالصدق والأمانة ، كما قبلوا رواية المبتدع ، إذا كان هو وجماعته لا يستحلون الكذب كعمران بن حطان وبعض الخوارج  .

وجاء في منهاج السنة . نكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية الا الرافضة فانهم يكذبون ( 1 ) .

ويقصد السباعي ببعض الشيعة الذين عرفوا بالصدق والأمانة الزيدية كما يدل على ذلك قوله في ص 149 وهؤلاء ، أي الزيدية يعدون

 

( 1 ) انظر السنة ومكانتها من التشريع الإسلامي للسباعي ص 110 ومنهاج السنة ج / 1 ص 13 ( * ).

 

 

ص 146 :

أكثر طوائف الشيعة اعتدالا ، وفقههم قريب من فقه أهل السنة ، اما الرافضة ويعني بهم من يفضلون عليا ويقولون بأنه هو صاحب الحق بعد رسول الله فهؤلاء لا يشفع لهم شئ عند السباعي وأمثاله .

وجاء في الكتاب المذكور في خلال حديثه عن الفرق السياسية : إن الرافضة أكثر الفرق كذبا ، وان مالك سئل عنهم فقال : لا تكلمهم ولا تروى عنهم وانهم يكذبون .


وان شريك بن عبد الله القاضي وغيره قالوا عنهم : احمل عن كل من لقيت الا الرافضة فانهم يضعون الحديث ويتخذونه دينا ، وانهم وضعوا الحديث في ذم معاوية وابن العاص ، كما وضعوا في فضائل علي وأهل بيته ثلاثمائة ألف حديث ، وقد أطال السباعي الحديث عمن اسماهم بالرافضة ، وحشد مجموعة من الأراجيف والأباطيل حولهم ، وحاول ان يصورهم بألد أعداء الإسلام الذين لم يكن يهمهم الا تحطيمه وتقويض دعائمه ، كما نص على ذلك في ص 95 من كتابه .

ونحن لا نريد ان نخوض معه ومع أمثاله ممن استحوذ عليهم النصب والتعصب ، وأعمى قلوبهم الحقد على أهل البيت وشيعتهم ، فقد سبقه إلى هذه الافتراءات سلفه الصالح من اتباع الأمويين وعملائهم الذين كان معاوية والأمويون من

بعده يشترون ضمائرهم بالأموال لكي يضعوا الأحاديث في فضله وفضل اتباعه ، وفي التشنيع على الشيعة والتوهين لأمرهم وانتقاص علي وأبنائه ( ع ) ، ورد عليهم الشيعة قديما حديثا وفندوا جميع مفترياتهم ، ودسائسهم ، ومع كل

ذلك فالسباعي والجبهاني والسفياني وغيرهم ، من المأجورين والمفرقين لا يعنيهم الا تفريق الصفوف وتمزيق وحدة المسلمين وبث الأحقاد في النفوس لقاء أجر معلوم من أسيادهم أعداء الإسلام ، هؤلاء وغيرهم يجترون أقوال المتقدمين حنقا وحقدا على الشيعة ، وعداوة لأهل البيت الذين أذهب 

ص 147 :

الله عنهم الرجس وطهرهم من البدع على رغم انف الحاقدين والمفترين . كالسباعي والجبهاني وابن تيمية وأمثالهم المأجورين .

لقد رفض السنة رواية الشيعي لأنه مبتدع كذاب ، وقبلوا رواية الخوارج لانهم وان كانوا من أهل البدع كالشيعة على حد تعبيرهم ، الا انهم صادقون متدينون لا يستحلون الكذب ولا الفسق . وكانوا من التقوى على جانب عظيم كما جاء في كتابه ص 96 .

ويعود في ص 97 ليؤكد هذه الحقيقة فيقول : لقد حاولت ان اعثر على دليل علمي يؤيد نسبة الوضع إلى الخوارج . فرأيت الأدلة العلمية على العكس ، تنفي عنهم هذه التهمة ، فقد كانوا يكفرون مرتكب الكبيرة من الذنوب أو مرتكب

الذنوب مطلقا والكذب من الكبائر ، فكيف إذا كان على رسول الله ( ص ) ومضى في حديثه ينتحل لهم أسباب الزهد والصدق والعبادة الخالصة ، ويصف الرافضة ( أي الشيعة ) بالكذب ووضع الأحاديث ، محتجا لتزكية الخوارج بقول

أبي داوود : ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج ، ويقول ابن تيمية ، ليس في أهل الأهواء أصح حديثا واصدق واعدل من الخوارج ، إلى غير ذلك من الهراء الذي لا يرتكز على العلم والمنطق والدين .


وكنت أتمنى لنفسي ان لا تضطرني مطالعاتي حول الموضوع الذي يبدي إلى الخوض مع هؤلاء الدساسين المأجورين في مثل هذه المواضيع وكان بالإمكان ان أتغاضى وأتجاهل بعض التهم والأراجيف التي يلصقها الحاقدون بالشيعة ،

لولا ( ان الساكت عن اظهار الحق شيطان اخرس ) ولولا ان الحقيقة تفرض نفسها على الباحث المجرد ، وتأبى عليه ان يمر بمثل هذه الآراء من غير ان يكشفها على واقعها لتكون سلاحا بيد الباحث البريء الذي لا يعنيه إلا الحق من أي مصدر كان

ص 148 :

لقد اتفق أكثر السنة على ان مرويات الشيعة لا يجوز الاعتماد عليها لانهم في طليعة المبتدعة المتسترين بالإسلام ومن الدعاة إلى بدعتهم ، لانهم يدعون بأن الرسول نص على علي ( ع ) بالخلافة في غدير خم وغيره من المواقف ، ووضعوا على حد تعبيرهم آلاف الأحاديث في فضله وفضل السيدة فاطمة وولديها الحسن والحسين ( ع ) ، لذلك فهم من المبتدعة الكذابين ، والخوارج من المبتدعة الصادقين .


ونحن لا نريد ان نناقش ونجادل في المرويات حول استخلاف علي وفضائل أهل البيت ، لا نريد ذلك ، لان الحديث حول هذه المواضيع يتصل بتاريخ الإسلام ، وقد تكلم فيه الشيعة والسنة في عشرات المناسبات وكتبوا حوله عشرات الكتب ، ولكن الذي أريد ان أقوله لمن يحتج في رفض مروياتهم ، بأنهم من المبتدعة الداعين إلى بدعتهم .


كيف سوغ هؤلاء لأنفسهم قبول مرويات مروان ومعاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص ، وطلحه والزبير والنعمان بن بشير الأنصاري ، وأمثال هؤلاء ممن أراقوا الدماء و استباحوا الحرمات ، وأعلنوها حربا شعواء لا هوادة فيها على الامام الشرعي الذي اختاره المهاجرون والأنصار ، والمسلمون من جميع البلدان والأقطار .


أليس خروج عائشة أم المؤمنين وزوجة النبي ( ص ) تقود جيشا إلى حرب علي ( ع ) يقتل الأبرياء وينهب الأموال ويروع الآمنين ، والقرآن يناديها ويؤكد عليها وعلى غيرها من أمهات المؤمنين ، بان يقرن في بيوتهن ولا يتبرجن

تبرج الجاهلية الأولى ، أليس ذلك فسادا في الأرض ، وبدعة في دين الله لا تقل أخطاره عن أخطار فكرة الخوارج وغيرهم من المبتدعة وهل البدعة الا إدخال ما ليس من الدين في الدين ، وارتكاب ما يتنافى مع أصول الإسلام

وقواعده ، وهل تتفق سيرة معاوية واتباعه ممن قبل المحدثون أحاديثهم ، هل تتفق سيرتهم مع أصول الإسلام وفروعه وقواعده ونحن لا نريد ان نجادلهم فيما ينسبونه إلى الشيعة من الوضع 
 

ص 149 :

والكذب : ونفترض ذلك أمرا واقعا ، ولكن هل يستطيع باحث مجرد ان ينزه اخصام علي كمعاوية واتباعه ومن يحمل روحه ومبادئه عن الوضع والكذب وبذل الأموال لهذه الغاية .

مع ان التاريخ مشحون بالشواهد على انه قد اصدر أمرا وزعه على جميع عماله في مختلف العواصم وأمرهم بوضع الأحاديث في فضل الخلفاء وبخاصة قريبه عثمان ، ووضع الأحاديث التي تسئ إلى علي وبنيه .

أصحيح ان رسول الله ( ص ) قال : من أراد ان ينظر إلى رجلين من أهل النار فلينظر إلى هذين . فنظرت السيدة عائشة وإذا بعلي والعباس قد اقبلا نحو رسول الله ( ص ) كما روى ذلك جماعة من المحدثين عنها .


أصحيح ان رسون الله ( ص ) قال : ان عليا يموت على غير ديني ، كما روى عروة بن الزبير عن خالته عائشة أو ليست بعض المرويات المدونة في الصحاح عن جماعة من الصحابة كأبي هريرة وأمثاله اضر على الإسلام واكبر خطرا مما يسميه السباعي وأسلافه بالبدع كما سنشير إليها خلال الفصول الآتية ، أو ليس معاوية أول من ادخل البدع في دين الله ودعا إليها وعاقب على تركها وفرض مسبة علي وبنيه على الخطباء وأئمة المساجد .


واستمر الأمر على ذلك قرنا كاملا من الزمن وقد قال رسول الله ( ص ) : من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة حسنة كان له أجرها واجر من عمل بها .


أو لم يقل رسول الله ( ص ) لعمار : يا عمار تقتلك الفئة الباغية وهل ينكر احد من المحدثين ، قتل معاوية واتباعه لعمار بن ياسر ومن على شاكلته من صحابة النبي الميامين .

أفلا يكفي معاوية ان يكون في عداد المبتدعة تسليط ولده الفاجر المستهتر في دين الله على المسلمين : مع العلم بانه قد خالف بذلك سيرة 

ص 150 :

الشيخين الجليلين أبي بكر وعمر الذين لم يجعلا لأولادهما نصيبا فيها . وفي ولدهما من هو ابر وأصلح واتقى من معاوية وأولاده بعشرات المرات ولو أردنا ان نستقصي البدع والمنكرات التي أحدثها جماعة من الصحابة وماتوا وهم

مصرون عليها لخرجنا من ذلك بمجلد أضخم من كتاب السباعي ( السنة ومكانتها من التشريع ) وكنت أتمنى ان لا ادخل في هذا الموضوع ، ولكني كما ذكرت أولا قد رأيت نفسي مضطرا لتقديم هذه الأمثلة التي تؤكد ان الذين

يرفضون مرويات الشيعة يتسترون بتلك الأسباب التي يدعونها، والواقع ان السبب الأول والأخير الذي لا يمكن التكفير عنه ، ولا يدخله عنصر الاجتهاد الذي دخل على تصرفات معاوية واتباعه وعلى من وصفهم القرآن بالمنافقين .


السبب الأول والأخير هو موالاة الشيعة لعلي وأهل بيته ( ع ) والرجوع إليهم في أمور الدين والتكفير عن هذه البدع لا يمكن ان يكون الا بالرجوع عن موالاتهم والتمرغ على أعتاب بعض الصحابة بما فيهم معاوية واتباعه ، وما داموا

مصرين على ذلك فهم مبتدعة كذابون ، والخوارج قوم صلحاء لا يجاملون ولا يستعملون التقية كما يصنع الشيعة ، ولم يكن وسطهم بالوسط الذي يقبل الدسائس والزندقة والشعوبيين ، كما هو الحال بالنسبة إلى الرافضة على حد تعبير السباعي وغيره ( 1 ) .


ونحن إذ نبارك له ولأسلافه من العلماء والمحدثين ، فكرة الرجوع إلى الخوارج واخذ الدين عنهم ، نريد ان نلفت نظر القراء إلى ان أهل السنة يشترطون العدالة في الراوي بالإضافة إلى الإسلام ، ويفسرون العدالة بفعل الواجبات واجتناب المحرمات ، مع العلم بان الخوارج يكفرون جميع المسلمين ، لانهم لم يشتركوا معهم في جهاد الأمويين ، ويكفرون عليا واتباعه ، وعثمان وحزبه ، ويستحلون دماء وأموال جميع
 

 

( 1 ) انظر ص 95 من الكتاب المذكور . ( * ) 

 

 

ص 151 :

من لم يساندهم ويدين بآرائهم ، هذا بالإضافة إلى تشريعاتهم المنافية لأصول الإسلام ومبادئه ، لان فيهم من جوز نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الاخوة ( 1 ) .

وادعى يزيد بن انيسه احد قادتهم ان الله سيبعث نبيا من العجم بكتاب ينسخ شريعة محمد بن عبد الله ( ص ) . و فيهم من ادعى بان سورة يوسف ليست من القرآن ، إلى غير ذلك من الآراء المنافية لضرورات الإسلام والتي تجعلهم في عداد الكفار والملحدين ( 2 ) .

ومع ذلك فالخوارج صادقون لا يستحلون الكذب ، والشيعة مبتدعة كذابون .


وجاء عن بعض المحدثين من السنة انه سمع شيخا منهم بعد ما تاب يقول : ان هذه الأحاديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، فانا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا .
 

وبهذه المناسبة يقول الحافظ ابن حجر : هذه والله قاسمة الظهر للمحتجين بالمراسيل ، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام ، والصحابة متوافرون ، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم ، وهؤلاء إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا وأشاعوه، فربما سمع الرجل الشئ فحدث به ، ولم يذكر من حدثه به فيحمله منه غيره ، ويجئ الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به مع كون اصله ما ذكرنا ( 3 ) .


على ان السباعي يرسل أقواله جزافا وينسبها إلى أهل السنة ليؤيد بها ادعاءه ويركز على أساسها حملاته المسعورة على الشيعة .

 

( 1 ) وهم العجاردة اتباع ميمون المجردي احد امرائهم .
( 2 ) انظر مقالات الإسلاميين للأشعري، والتبصير في الدين للاسفرائيني، وكتابنا الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة ص 56 وما قبلها
( 3 ) انظر ص 98 من شيخ المضيرة عن توجيه النظر ص 245 ( * ) .

 

 

ص 152 :

والواقع ان الباحث المتتبع يمكن ان ينتزع من آرائهم ونصوصهم حول هذه المواضيع ان الأكثرية الغالبة ترفض رواية الشيعي بقول مطلق بنحو يصح نسبته إلى جمهور أهل السنة واحسب ان هذا هو أول ما يهتدي إليه الباحث بعد

استقصاء آرائهم وتمحيصها لانهم متفقون على انهم من أهل البدع والأهواء وبدعتهم ليست كغيرها من البدع التي يمكن ان يجد لها الإنسان تفسيرا مقبولا على حد زعمهم ، ومع ذلك فلا يصح نسبته إلى الجميع .


وجاء في الباعث الحثيث للشيخ احمد محمد شاكر ما يؤيد ذلك ، حيث قال : أهل البدع والأهواء إذ كانت بدعتهم مما يحكم بكفر القائلين بها لا تقبل روايتهم بالإنفاق كما نص على ذلك النووي، وأضاف إلى ذلك ان السيوطي أنكر الالفاق الذي يدعيه النووي ، لوجود القائل بقبول روايتهم مطلقا ، ووجود من يقول بقبولها إذا اعتقد الراوي حرمة الكذب .

واما من كانت بدعته لا توجب الكفر ، فان بعضهم لم يقبل روايته مطلقا، وبعضهم قبلها إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، وروى ذلك عن الشافعي ، حيث قال : ما رأيت في أهل الأهواء والبدع اشهد بالزور من الرافضة .

وقال بعضهم : تقبل رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته ولا تقبل إذا كان داعية إليها ، وفي رأي النووي ان الأكثر يذهبون إلى ذلك ( 1 ) .


ومن مجموع ذلك تبين انهم لم يتفقوا على رأي واحد في هذه المسألة ، وان بينهم من يرجح قبول رواية المبتدع في الأحوال كلها ، وان

 

( 1 ) انظر الباعث الحثيث ص 100 0 ( * ) .

 

 

ص 153 :

كان الأكثر يشترط ان لا يكون داعية إليها كما نص على ذلك النووي وقال الحافظ الذهبي في المجلد الأول من الميزان في ترجمة ابان بن تغلب : ان الشيعي إذا لم يكفر الشيخين أبي بكر وعمر ولم يتبرأ منهما تقبل روايته ، ثم قال في وصف ابان : انه شيعي جلد ، لكنه صدوق فلنا صدقة وعليه بدعته ، وأضاف إلى ذلك .


فلقائل ان يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع ؟ وحد الثقة العدالة والإتقان ، فكيف يكون عدلا وهو صاحب بدعة ، وجوابه ان البدعة على ضربين صغرى كالتشيع بلا غلو ، وغلو التشيع ، وهذه كثيرة في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع

والصدق ، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة ، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل ، والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر ، والدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة ، ولا استحضر من

هذا النوع رجلا صادقا ولا مأمونا ، بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم ، فكيف يقبل نقل من هذا حاله ، فالغالي في زمان السلف وعرفهم ، هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا ( ع ) وتعرض

لسبهم ، والغالي في زماننا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ، ويتبرأ من الشيخين أيضا ، فهذا ضال مفتر كذاب ونقل عن الحافظ ابن حجر ما هو قريب من هذا النص ( 1 ) .


وهذا النص من الذهبي يكاد ان يكون صريحا في ان صدق الراوي ووثاقته لا بد من مراعاتهما في الراوي ايا كانت صفته ، والشيعي مع انه على جميع حالاته مبتدع ، ولكن إذا لم يبلغ الحال به إلى تفكير من حارب عليا ( ع ) والبراءة من الشيخين لا ترد روايته إذا كان صدوقا وضابطا للحديث ، وهو وان لم يعبر عن رأي الجمهور في هذه المسألة ، الا ان الكثير منهم على ذلك ، كما يبدو من نصوصهم وتصريحاتهم .
 

  ( 1 ) المصدر السابق ص 101 ( * ) .  

 

ص 154 :

قال ابن حجر في هدى الساري في تحديد المبتدع الذي لا تقبل مروياته : ان الموصوف بالبدعة ، اما ان يكون ممن يكفر بها أو يفسق فالمكفر بها لا بد وان يكون التكفير متفقا عليه من قواعد جميع الأئمة ، كما في غلاة الرافضة

المدعين حلول الالوهية في علي ( ع ) وغيره ، والإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيمة أو غير ذلك ، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شئ . والبدعة الموجبة للفسق كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو ، وغير

هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافا ظاهرا والمستندين في خلافهم إلى تأويل ظاهر سائغ ، فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله ، إذا كان معروفا بالتحرز من الكذب مشهورا بالسلامة من خوارج المروءة

، موصوفا بالديانة والعبادة ، فقيل يقبل حديثه مطلقا ، وقيل يرد مطلقا ، وفصل آخرون بين ان يكون داعية لبدعته ، أو غير داعية لها فقبلوا حديث غير الداعية ، وردوا حديث الداعية لها وأضاف إلى ذلك . ان هذا المذهب هو الاعدل وصارت إليه طوائف من الأئمة ، وادعى ابن حيان اجماع أهل النقل عليه .


وفصل بعضهم في رواية المبتدع الذي لا يدعو لبدعته ، بما حاصله ان غير الداعي إلى بدعته إذا اشتملت روايته ولو من بعيد على ما يؤيد بدعته ، أو يحسنها في ظاهر الحال فلا يصح التعويل على حديثه، وان لم يشتمل حديثه على شئ من ذلك يصح الاعتماد عليه إلى غير ذلك من الاقوال الكثيرة التي اوردها العسقلاني في مقدمة فتح الباري ( 1 ) .


وكما ذكرنا لا يستطيع الباحث ان ينتزع مبدأ عاما صريحا في عدم قبول مرويات الشيعة بقول مطلق يعبر عن رأي الجميع ويصح اعتباره مذهبا لهم والذي يمكن نسبته إلى الأكثرية ان الشيعي إذا لم يعلن البراءة ممن تقدم على على ( ع ) في الخلافة ولم

 

( 1 ) انظر ص 144 و 145 من المجلد الثاني من هدى الساري . ( * ) 

 

 

ص 155 :

يكن داعيا إلى تشبهه ولا متحمسا له يصح الاعتماد على حديثه إذا كان معروفا بالصدق ومتحررا من منافيات الوثاقة والمروءة على حد تعبير بعضهم ، اما إذا كان ممن يتبرأ من اخصام علي ( ع ) ويدعو إلى بدعته التي هي التشيع في اصطلاحهم ، أو يروي ما يؤيدها فلا يكون مقبول الحديث ، ومن هنا يصح ان يقال ان الشيعي الاثني عشري لا يصح الاعتماد على مروياته عند الأكثرية الغالبة، لعدم توفر الشروط التي يشترطونها لقبول روايته مع التشيع بهذا المعنى .


ويجد الباحث هنا وهناك في خلال أحاديثهم من يرجح الأخذ برواية الشيعي إذا لم يكن مغاليا ، وهؤلاء على قلتهم قد فصل بعضهم بين ما إذا وردت رواية الشيعي من طريق السنة أيضا ، وبين ما إذا تفرد بها الشيعي ، ففي الأول ترد

روايته إطفاء لناره وإخمادا لبدعته على حد تعبيرهم وفي الحالة الثانية يصبهم الأخذ بها والاعتماد عليها إذا كان معروفا بالصدق ولم يكن لروايته صلة ببدعته ، تقديما لمصلحة انتشار الحديث على مصلحة اهانة المبتدع ، لان من

مصلحة الحديث نشره وإظهاره . وفي مقابل هذه المصلحة رد حديث المبتدع المستلزم لاهانته والتشهير بكذبه حتى لا تتسرب دسائسه إلى النفوس ، ولكن مصلحة انتشار الحديث المرتبة على الأخذ برواية المبتدع الصادق أولى بالمراعات من تلك المصلحة ( 1 ) .


وقد وقف الغزالي من هذه المسألة موقفا معتدلا بالنسبة إلى غيره من شيوخ السنة ، يرجع حاصله إلى ان اشتراط العدالة في الراوي إذا كان من جهة تحصيل الاطمئنان والوثوق بحديثه والعادل يتجنب الكذب
 

 

( 1 ) المصدر السابق ، وهذا التفصيل يصور لنا مدى الحقد والتعصب ضد الشيعة الذي امتزج بدماء هؤلاء وتحكم ا في تفكيرهم ومداركهم وأعماهم عن ادراك ابسط الحقائق وأقربها إلى النفوس البريئة التي لا ترى للحق بديلا . ( * ) 

 

 

ص 156 :

ويتحرز الأخذ من غير الموثوقين ، فالمبتدع بناء على ذلك مهما كانت بدعته إذا كان صدوقا يتجنب الكذب ويتحرى الصواب ، ويبتعد عن غير الموثوقين . ينبغي ان تؤخذ روايته بعين الاعتبار ، وإذا كان اشتراط العدالة راجعا إلى ان

الفسق بذاته يمنع من قبول الشهادة والرواية ، من حيث كونه نقصا يسلب المتصف به أهلية الاعتماد عليه كالكفر مثلا، فالمبتدع من حيث كونه فاسقا يفقد أهلية تحمل الشهادة والرواية . وقد رجح مانعية الفسق من الاعتماد على الرواية لا

من حيث ذاته بل من حيث ان الفاسق متهم في حديثه ، ولا يكون محلا للوثوق والاطمئنان في الغالب ، وانتهى من هذه المقدمة إلى ان المبتدع مهما كانت بدعته ، إذا كان ورعا صدوقا متمسكا في دينه لا يستحل الكذب ، يصح الأخذ بمروياته والاعتماد عليه في الحديث وغيره ، وإذا لم يكن بهذه الصفات لا يعتمد عليه في شئ من أمور الدين ( 1 ) .


وهذا التفصيل من الغزالي اقرب إلى المنطق والصق بالواقع من جميع ما قيل حول المبتدع ومروياته وتؤيده الآية الكريمة . ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) حيث ان الظاهر من الآية الكريمة ان الفاسق انما وجب التبين في حديثه والفحص عن صحته والوقوف عنده حتى ينكشف الحال من حيث احتمال كذبه ، وعدم صدقه فيما اخبر به لا من حيث مانعية الفسق بذاتها .


ولعل البخاري ، لا ينظر إلى المبتدعة من الزاوية التي نظر منها الغزالي فلم يرو عمن ثبت تشيعه الا عن عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ولم يرد ذكر لأحد منهم في أكثر من رواية أو روايتين ، ولعل ذلك من حيث ان الروايات التي وردت عن طريقهم رواها غيرهم من السنة

 

( 1 ) انظر المستصفي ص 102 من الجزء الأول . ( * ) 

 

 

ص 157 :

كما اعتذر بعض المحدثين عنه بالنسبة لروايته عن حمران بن اعين ، وروى عن بعض المتهمين بالتشيع ، وعلى قلة تلك المرويات فقد ضعفها جماعة من محدثي السنة لمجرد هذه التهمة ، كما روى عن عدد كبير من الخوارج ، والنواصي والقدرية والمرجئة وغيرهم ممن وصفهم علماء السنة ومحدثوهم بالمبتدعة ولكن بدعتهم لا تمنع من صدقهم على حد تعبيرهم .


وقد فرق العسقلاني في مقدمة فتح الباري بين التشيع والرفض ، والغلو في الرفض بما حاصله ان التشيع هو محبة علي ( ع ) وتفضيله على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو رافضي غال في التشيع ، ومن لم يقدمه عليهما فهو شيعي ، فإذا ذكر الشيعي سبب التقدم على الشيخين ، أو صرح ببغضهما فهو غال في الرفض ، ومن كان يعتقد بالرجعة فاشد غلوا ( 1 ) .


وبنتيجة هذه الفروق التي ذكرها ابن حجر لمراتب التشيع ، يتبين ان الذين روى عنهم من الشيعة ممن يقدمون عليا ( ع ) على الخليفتين أبى بكر وعمر لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة ، كما تؤيد ذلك الإحصاءات التي اجراها النقاد لأحاديث البخاري ، وجميع المتهمين بالتشيع بين رجاله كما يظهر من كتب أهل السنة المؤلفة في التراجم وأحوال الرواة لا يتجاوزون خمسة عشر تقريبا ، ويتسع التشيع عندهم لكل من يحب عليا أو ينتقد اخصامه .


فإذا وجدوا شخصا معتدلا في تقديره لحوادث ومنصفا في عرضها ، أو وجدوه ينتقد سيرة بعض الخلفاء والحكام الأمويين ، اتهموه بالتشيع ، ووقفوا موقف المتحفظ من مروياته ، وقد يتهم الراوي بالتشيع لمجرد أنه يروي فضيلة لعلي أو حديثا حسنا فيه .


ويؤيد ذلك ما جاء في المجلد الثالث من الميزان للذهبي في أثناء حديثه عن محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 210 ، فقد قال في وصفه :

 

( 1 ) انظر هدى الساري ص 333 ( * ) .

 

 

ص 158 :

انه ثقة صادق فيه تشيع يسير وموالاة لا تضر ولازم ذلك ان الموالاة التي تبلغ اعطاء علي صفة الأفضلية على غيره تمنع من قبول مروياته .


وقال فيه احمد بن علي السليماني الحافظ : انه كان يضع للروافض ( 1 ) وقد ضعف المؤلفون في الحديث وأحوال الرواة إسماعيل ابن سليمان بن المغيرة الأزرق التميمي الكوفي لانه ممن روى حديث الطائر المشوي .


وقال فيه أبو حاتم سمعت ابن نمير يقول :
كان اسماعيل بن الازرق من غلاة الشيعة ، ولا مصدر لمن اعطاه هذه الصفة الا روايته للحديث المذكور ، وليس في كتب الرجال ما يشير إلى تشيعه فضلا عن غلوه في التشيع .


ومما يؤيد انهم كانوا لا يتحملون من الراوي ما يرويه في فضائل علي ( ع ) ان الحافظ عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي المتوفى سنة 373 احد الأعلام في عصره ، كان يدرس عددا من تلاميذه ، فاتفق له انه أملي عليهم حديث الطائر المشوي ، فلم يتحملوا منه ذلك ، بل وثبوا عليه فأقاموه من مكانه وغسلوا موضعه ، فلزم بيته ولم يحدث أحدا بعد ذلك ، ولذا قل حديثه عند الواسطيين كما نص على ذلك في تذكرة الحفاظ ( 2 )


ومن الشواهد على ذلك ان عباد بن يعقوب أبا سعيد الكوفي المتوفى سنة 250 ممن روى عنه البخاري حديثا واحدا ، ورواه غيره من محدثي السنة ، وورد لعباد بن يعقوب ذكر في بعض أسانيد البخاري وتعرض للنقد والطعن عليه ، لروايته عنه ، بحجة انه كان داعية إلى الرفض ، مع اعترافهم بانه كان صدوقا في حديثه .


كما يؤيد ذلك ابن العماد الحنبلي ، والحافظ الذهبي ، وكان ابن خزيمة إذا حدث عنه يقول حدثنا الثقة في روايته المتهم في رأيه ، ولا مصدر لهم في تشيعه وغلوه في

 

( 1 ) انظر ص 599 من المجلد 3 من ميزان الاعتدال . ( 2 ) انظر الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج 6 ص 310 ( * ) .

 

 

ص 159 :

الرفض الا انه كان يقول : ان الله اعدل من ان يدخل الجنة طلحة والزبير ، لانهما بايعا عليا ثم نكثا بيعته وقاتلاه .

وروى عن جماعة ان النبي ( ص ) قال : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه وألف كتابا في أحوال الصحابة لم يتحيز فيه وروى ما يتعلق بفضل علي ( ع ) مع العلم بان كتب التراجم الشيعية لا تنص على تشيعه ، بل ينص أكثرها انه كان عامي المذهب ، وممن نص على ذلك المرزا محمد في إتقان المقال ، والطوسي في كتابه الفهرست ( 1 )


ومهما كان الحال فالباحث بعد التمحيص لأحوالهم وآرائهم حول هذا الموضوع يطمئن إلى ان الرأي الشائع عندهم الذي يصح نسبته إليهم هو عدم قبول مرويات الشيعة الإمامية الذين يفضلون عليا على غيره من الخلفاء ويرونه وأبناءه

 ( ع ) أحق بالخلافة بعد الرسول ممن تولاها على التعاقب ومن الجائز القريب ان يكون هذا الموقف السلبي من مرويات الشيعة في مختلف العصور هو من نتائج الحظر الشامل الذي وضعه معاوية وولاته على مرويات الشيعة

وحتى على شهاداتهم ، ولقد أكد هذا الحظر في وثيقته التاريخية التي وزعها في مختلف الأقطار الإسلامية واقتدى به غيره من الأمويين طيلة حكمهم الذي استمر نحوا من ثمانين عاما فكان من نتيجة ذلك ان أصبح من المرتكزات في أذهانهم يرثها الخلف عن سلفه في مختلف العصور / انظر ج / 3 النهج .

 

 

( 1 ) انظر شذرات الذهب ج 3 ص 121 وتهذيب التهذيب ص 109 و 100 وهدى الساري 411
ومنهج المقال في علم الرجال للمرزا محمد
. ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب