دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 13 : -

الفصل الأول لمحات عن الكتابة والحديث ومراحل تدوينه
 

ص 15 :

لا يخرج الباحث في أحوال العرب وتاريخهم صفر اليدين من معرفة العرب للكتابة ، ذلك لان الدراسات العلمية تؤكد ان العرب ولاسيما سكان الأطراف الشمالية للجزيرة قد تعلموا الكتابة وأتقنوها قبل الإسلام بزمن بعيد ، نتيجة

لاتصالهم الوثيق بالفرس والرومان ، وتدل المصادر التاريخية ان جماعات كثيرة من عرب الحيرة قد أتقنوا اللغة الفارسية وكتابتها ، وتولى بعضهم إدارة دواوين ملوك الفرس والترجمة لهم والإشراف على الكثير من شؤونهم ، ومن هؤلاء عدي بن زيد وولده اللذان كانا من الصق العرب بقصور الفرس والإمارات العربية بالحيرة وغيرها .


وجاء في فجر الإسلام لأحمد أمين ، ان لعرب الحيرة وأمرائهم وتاريخهم أثرا كبيرا في الأدب العربي والحياة العقلية للعرب عامة كما تدل على ذلك أحاديث جذيمة الابرش واساطير الزباء ، والخورنق والسدير وما جاء حول سنمار باني الخورنق ، ويوما النعمان ، يوم بؤسه ويوم نعيمه وغير ذلك من القصص والاساطير التي احتلت الصدارة في شعر العرب وادبهم قبل ظهور الاسلام ، وظلت زمنا طويلا تحتل الصدارة في المدونات التاريخية والقصصية بعد ظهور الاسلام

ص 16 :

وجاء في الاعلاق النفيسة ( لابن رسته ) ان عرب الحيرة علموا قريشا الزندقة في الجاهلية والكتابة في صدر الإسلام ، ولا يعنينا تقييم هذه النصوص من الناحية العلمية والتاريخية بل أوردناها كشاهد على ان الأمية لا تكن متفشية بين

العرب بالشكل الذي يتصوره بعض الكتاب والمستشرقين وبخاصة عرب الحيرة وبادية الشام لأنهم عاشوا زمنا طويلا مع جيرانهم الفرس والرومان ، وبحكم الظروف التي كانت تحيط بهم والمراحل التي مروا بها مع تلك الأمم

المتحضرة ليس من البعيد عليهم ان يتعلموا الكتابة ، وان يأخذوا عنهم العلوم والعادات التي تمس حياتهم وتسهل لهم سبل العيش والحياة الحرة الكريمة كما لا نستبعد ان يكون لعرب الحجاز ميزة على غيرهم من عرب الجزيرة من هذه

النواحي ذلك لأنهم جعلوا مكة المكرمة قاعدة لتجارتهم التي كانت تسيطر على الأسواق في الشام ومصر ، حيث كان الحجازيون يشترون السلع من اليمنيين والأحباش ، لتصديرها على حسابهم إلى أسواق الشام ومصر ، وعلى تجارة

المكيين كان يعتمد الرومان قي أكثر الحاجيات وقد بالغ بعض المستثمرين فادعى انهم اتخذوا من مكة نفسها بيوتا استخدموها للتجارة والتجسس على العرب ، وكانت قبيلة قريش من أشهر القبائل العربية التي كانت تتماطى التجارة ،

وجاء في الكشاف وغيره من كتب التفسير ، ان القرشيين كانوا يرحلون في الشتاء إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام ، والذي سهل لهم الاستيراد والتصدير ، والاستيلاء على الأسواق ، ان العرب كانوا يعظمون البيت ويحترمون جيرانه

وخدامه وقد امتازت بذلك قريش عن غيرها من سائر العرب لانها تحصنت بجواره من غزو العرب وقطاع الطرق ( 1 ) . وليس بالبعيد عادة ان تزودها هذه المرحلات ، المتتالية بسبب اتصالها
 

 

( 1 ) انظر فجر الإسلام لأحمد أمين ص 13 و  . ( * )  14

 

 

ص 17 :

المباشر بتلك الأمم المتحضرة ببعض المنافع بالإضافة ، إلى الفوائد المادية التي كانت تدرها هذه الرحلات ، ومن أيسر ما يمكن ان تجره على المكيين هذه المهنة هي تعليم الكتابة والقراءة ، هذا بالإضافة إلى ان يهود المدينة كانوا يحسنون الكتابة ويعلمونها الصبيان قبل هجرة الرسول ( ص ) إليها كما تؤكد ذلك بعض النصوص التاريخية .


ومن مجموع ذلك تبين ان الكتابة لم تكن بتلك الندرة بين المكيين كما يدعى البلاذري في ( فتوح البلدان ) حيث قال : " لقد ظهر الإسلام وبين القرشيين سبعة عشر رجلا يحسنون الكتابة لا غير وفي الأوس والخزرج سكان المدينة احدى عشر رجلا تعلموها من جيرانهم اليهود " .


وإذا صح ان الذين كانوا يحسنون الكتابة لا يتجاوزون هذا العدد الضئيل فلابد وان تكون في غيرهم معدومة أو اقل من ذلك ، وبعد ملاحظة الظروف التي أحاطت بالمكيين وبخاصة القرشيين منهم الذين كانوا على اتصال دائم بالأمم

المتحضرة نستبعد كل البعد ان يكون هذا الإحصاء الذي ، ادعاه البلاذري وغيره صحيحا وفي نفس الوقت لا نبالغ في تقديره ، ولا ندعي انتشارها بينهم كما كانت بين جيرانهم الفرس والرومان ، لان العلم والكتابة ينتشران حيث توجد

الحضارة ويكثر العمران ، والحجازيون يفقدون جميع هذه النواحي . ومما يؤكد ان الامية كانت تغلب على العرب قبل ظهور الإسلام الآية من سورة الجمعة ، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ .

وجاء في غيرها من الآيات ما يؤكد أن النبي نفسه كان أميا لا يحسن الكتابة ولا القراءة كما تدل على ذلك النصوص القرآنية والنبوية .

ص 18 :

قال تعالى : " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ " وجاء عنه ( ص ) انه قال : أنا امة أمية لا نكتب ولا نحسب إلى غير ذلك من النصوص والحوادث التي تؤكد ان الأمية كانت تغلب على العرب قبل الإسلام ،

ولا يتنافى ذلك مع ما ذكرناه أولا من ان عرب الحيرة ومكة بصورة خاصة من بين عرب الجزيرة كانوا يقرؤون ويكتبون ، فانا لم نقصد من ذلك ان الأغلبية منهم كانوا يحسنونها كغيرهم من الأمم المتحضرة والذي أردناه انه قد كان

بينهم عدد لا يستهان به يحسنون الكتابة والقراءة بحكم الظروف والملابسات التي كانت تحيط بهم ولا يتنافى ذلك مع جهل الأغلبية لها .
 

ومهما كان الحال فالتحديد الذي ذكره البلاذري لغير الأميين ، والغلو الذي ذهب إليه بعض المستشرقين من مساوات العرب لغيرهم في هذه الناحية ، هذان الرأيان لا تؤيدهما الدراسات الملمية ولا النصوص الإسلامية كما ذكرنا .
 

ومما لا شك فيه ان الكتابة قد بدأت تنتشر في مكة وما حولها بظهور الإسلام على نطاق أوسع مما كانت عليه أولا بسبب التحول الذي طرأ على العرب نتيجة لاعتناقهم الدين الجديد الذي يدعو إلى العلم ويحث عليه .


وتؤكد المصادر التاريخية ان مساجد المدينة التسعة كانت محط أنظار المسلمين ، يتعلمون فيها القران وتعاليم الإسلام والكتابة وغير ذالك مما تدعو إليه إلا حاجة ، والى جانب هذه المساجد انتشرت المكاتب لتعليم الصبيان ومحاربة

الأمية بإشكالها ، وعندما نلاحظ موقف النبي من الأسرى الذين كانوا يحسنون القراءة والكتابة بعد نجاحه قي معركة بدر الكبرى وإعفاءهم من الفدية التي فرضها على كل أسير حسب إمكانياته 
 

ص 19 :

مع العلم بأنه كان هو ودولته الفتية الناشئة في أمس الحاجة إلى المال عندما نلاحظ ذلك وتتأكد بأنه قد أعفاهم منها ، وفرض علي كل أسير منهم ان يعلم عشرة من الأميين في مقابلها ، ندرك مدى اهتمامه في محاربته الجهل والأمية

حتى استطاع في خلال سنوات معدودات ان يهيئ عددا كبيرا يقرؤون ويكتبون ، ويحسنون إدارة الأعمال وتصريف الأمور ، ومضت حركة التعليم تتسع بين المسلمين في إنحاء الجزيرة ، ويحث عليها بمختلف الأساليب والمناسبات ،

وقد بلغ به الحرص على توجيه الناس نحو التعليم ، ان جعل طلب العلم من الفرائض ، وقال كلمته المشهورة ، ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة )


وقال أيضا : ( اطلبوا العلم ولو بالصين ) والوصول إلى الصين في عصره أعسر من الوصول إلى القمر في عصرنا هذا ، وكان من نتيجة تلك الجهود التي بذلها لمحاربة الأمية ان أصبح المتعلمون من المسلمين وأبنائهم يعدون بالألوف ، بعد ان كانوا لا يتجاوزون العشرات كما يظهر من إحصاءات المؤلفين الذين كتبوا في هذه المواضيع .


ويؤيد ذلك ما جاء عن أبي الدرداء : انه قال لبعض جلسائه اعداد من يقرءا عندي القران فعدهم فبلغوا ألفا وستمائة . وكان لكل عشرة منهم مقرئ ، ( أي معلم ) وأبو الدرداء يشرف على الجميع ( 1 ) .


ومن مجموع ذلك نستطيع ان نؤكد ان تأخير المسلمين عن تدوين الحديث والآثار الإسلامية لا يعود بالدرجة الأولي إلى ندرة وسائل التدوين وتفشي الأمية كما يدعي بعض المؤلفين من العرب والمستشرقين ،

  ( 1 ) انظر السنة قبل التدوين ، عن النهاية في طبقات القراءة ، والتهذيب لابن عساكر . ( * )   

 

ص 20 :

ذلك لان وسائل التدوين لم تكن بتلك الندرة حتى قبل ظهور الإسلام كما ذكرنا ، ولو تنازلنا عن جميع الشواهد والأدلة التي ذكرناها وقلنا ان العرب قبل الإسلام على اختلاف مناطقهم لا يحسنون الكتابة ، لو افترضنا ذلك بالنسبة للعرب

قبل الإسلام ، فلا يصح هذا الافتراض بعد ظهور الإسلام وبعد تلك الجهود التي بذلها الرسول الأعظم ( ص ) لمحاربة الجهل والأمية ، فلا بد لنا والحال هذه من تلمس الأسباب التي صرفت المسلمين عن تدوين أحاديث الرسول

خلال القرن الأول من الهجرة ، ومن خلال المصادر التي تعرضت لهذا الموضوع قديما وحديثا نجد ان أكثرها تعزو ذلك إلى الرسول نفسه ، اعتمادا على المرويات عنه، والى الخليفة الثاني الذي اشتهر بمعارضة فكرة التدوين ، وتوعد الناس بالعقاب عليها ، فرووا عن الرسول ( ص ) انه قال : لا تكتبوا عي شيئا ، ومن كنب عني غير القران فليمحه .


وقد اخذ الخليفة الثاني بهذا النص حينما راجت فكرة التدوين بين المسلمين كما يدعي بعض المؤلفين وعلله بان التدوين قد يؤدي إلى التباس القرآن بالحديث وانصراف المسلمين عن كتاب الله إلى أقواله وأحاديثه كما جرى ذلك بالنسبة إلى الأمم السابقة .


وفي مقابل الرواية التي تنص على ان الرسول نهاهم عن تدوين أقواله وأفعاله رووا عنه انه رخص لعبدالله بن عمرو بن العاص ان يكتب عنه ما يشاء فجمع من أحاديثه الصحيفة المسماة بالصادقة ، وانه قال لرجل من الأنصار : استعن

على حفظك بيمينك ، وقال لأنس بن مالك : قيدوا العلم بالكتابة ، إلى غير ذلك من المرويات ونظرا لتعارض هذه الطائفة من المرويات عنه للروايات المانعة ، رجح أكثر المحدثين بأنه نهى عنه أولا مخافة ان يختلط حديثه بالقران

الكريم ولما تركز القرآن في نفوسهم واحتل منها المكان اللائق به ، وأصبحوا يميزونه عن غيره أباح لهم ان يكتبوا عنه ما يشاؤن ، ونتيجة هذا الجمع بين هاتين الطائفتين من المرويات 
 

ص 21 :

عنه ( ص ) فقد توفي والتدوين مباح للجميع ، وأمر عبد الله بن عمرو أبن العاص ان يكتب عنه في حالتي الرضا والغضب ، كما يدعون ، انه دون صحيفته المسماة بالصادقة من أقواله وأفعاله مباشرة ( 1 )

ومن البعيد ان تخفى هذه النصوص على الخليفة ، وإذا افترضنا بانه كان على علم بها ، فلماذا منع من التدوين في حين انه لم برد عن الخليفة الأول ما يشير إلى انه نهى عن ذلك .

وجاء في بعض المصادر التي تعرضت لهذا الموضوع انه منعهم عن تدوين الأحاديث حرصا على كتاب الله ، وانه احرق كتبا كانت لبعض الصحابة لهذه الغاية .

فقد روى عنه عروة بن الزبير ، انه أراد ان يكتب السنن ، فاستفتى أصحاب رسول الله ، ( ص ) فأشاروا عليه ان يكتبها فطفق عمر يستخير الله شهرا ، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال : اني كنت أريد ان اكتب السنن ، واني ذكرت قوما قبلكم كتبوا كتبا فانكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، واني والله لا اشوب كتاب الله بشئ .


وجاء عنه انه لما حدث أبي بن كعب عن بيت المقدس وأخباره انتهره عمر بن الخطاب ، وهم بضربه ، فاستشهد أبي بجماعة من الأنصار ولما شهدوا بأنهم سمعوا الحديث من رسول الله ( ص ) تركه ، فقال له أبي بن كعب : أتتهمني على حديث رسول الله ، فقال يا أبا المنذر : والله ما اتهمتك ، ولكني كرهت ان يكون الحديث عن رسول الله ظاهرا إلى غير

 

( 1 ) لقد تحدثنا عن هذه الصحيفة المزعومة مفصلا في كتابنا تاريخ الفقه الجعفري ، وأثبتنا بالأرقام انها ليست من أحاديث الرسول ، بل هي من الكتب التي استولى عليها المسلمون في معركة اليرموك ، وكان هو يحدث عن تلك الكتب وينسبها إلى الرسول ( ص ) وقد جمع فيها طائفة من الأحاديث وادعى بانه أخذها من الرسول . ( * ) 

 

 

ص 22 :

ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد أن الخليفة لم يعتمد على الرسول في منعه عن التدوين ، وانه قد تفرد بهذا التصرف حرصا على كتاب الله ، ولكن الرواية التي تنص على انه قد انتهر أبي بن كعب لما حدث عن بيت المقدس ،

وقوله فيها : اني كرهت ان يكون الحديث عن رسول الله ظاهرا ، هذه الرواية تدل على انه كان حريصا على ان لا ينتشر الحديث عن رسول الله ( ص ) ، مع العلم بان حديث الرسول مكمل للتشريع ، ومبين لمجملات القرآن

ومخصص لعموماته ومطلقاته ، وقد تكفل لكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية ، ولو تقصينا الأسباب التي يمكن افتراضها لتلك الرغبة الملحة في بقاء السنة في طي الكتمان لم نجد سببا يخوله هذا التصرف ، ولا نستبعد انه كان يتخوف من اشتهار أحاديث الرسول في فضل علي وأبنائه ( ع ) .
 

ويؤكد ذلك ما رواه عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه : ان علقمة جاء بكتب من اليمن أو مكة تحتوي على طائفة من الأحاديث في فضل أهل البيت ( ع ) ، فاستأذنا على عبد الله بن مسعود فدخلنا عليه ودفعنا إليه الكتب ، قال : فدعا الجارية ثم دعا بطشت فيه ماء ، فقلنا له : يا أبا عبد الله انظر فيها فان فيها أحاديث حسانا ، فلم يلتفت ، وجعل يمينها في الماء ويقول : نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القران ، القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ، وعبد الله بن مسعود كان منحرفا عن علي ( ع ) ويساير المنحرفين عنه ، كما تؤكد ذلك النصوص التاريخية .


ولو افترضنا ان الخليفة كان حسن النية في هذا الأمر ، وانه لم يمنع إلا بدافع الحرص على كتاب الله ، فقد كان من نتائجه ، ان اتسع المجال للكذابين والمنحرفين عن المخطط الإسلامي ، والمرتزقة ان يضعوا من الأحاديث ما توحي إليهم الأهواء والمطامع ، بالإضافة إلى ما ضاع منها 
 

ص 23 :

بسبب الحروب والغزوات ، التي فتكت بالصحابة بعد وفاة الرسول " ص " . . على ان الذين يحاولون ان يعتذروا عنه ، ويقرون المرويات التي تنص على انه خاف ان يختلط الحديث بالقرآن ، هؤلاء يسيئون إليه من حيث لا يقصدون

، لانه لم يكن قصير النظر ولا محدود التفكير ولا جاهلا بأساليب البيان وبلاغة القول ، ويعلم جيدا ان القرآن قد استولى على النفوس وتحكم بمشاعرهم وأحاسيسهم ، وكان له الأثر البالغ في سير الدعوة وانتشارها ، هذا بالإضافة

إلى وجود الفوارق الكثيرة بين الأسلوبين التي لا تخفى على احد منهم . ومع التغاضي عن جميع ذلك ، فقد كان بالإمكان لو كانت النوايا طيبة التفرغ إلى جمع الحديث وتدوينه بعد تدوين القرآن الكريم والتثبت من إحصائه في

مجموعة واحدة بواسطة لجنة مختارة من الأمناء المعروفين بالوثاقة والاستقامة ، ولو فعلوا ذلك لقطعوا الطريق على كل افاك أثيم ، وعلى المرتزقة الذين شوهوا معالم السنة وطمسوا من أضوائها النيرة والصقوا فيها من الموضوعات التي جرت على المسلمين أسوأ أنواع البلاء وفرقتهم شيع أو أحزابا .


ومهما كانت الأسباب التي فرضت على الخليفة ان يقف من السنة هذا الموقف ، فالنصوص التاريخية تؤكد بانه لم يكن موفقا فيه ولم ينجح كل النجاح في هذا التدبير ، فقد ظهرت بعض المدونات الإسلامية في فترات متعاقبة من عصر الصحابة وبعده للشيعة وغيرهم ، ومن ذلك الجامعة التي ألفها علي ( ع ) وقد تناول فيها جميع أبواب الفقه ، واليها كان يرجع الأئمة ( ع ) في أحكامهم واقضيتهم في كثير من المناسبات ، كما دون عبد الله بن العباس في الفقه والتفسير وغير ذلك من العلوم ، وجاء 
 

ص 24 :

في بعض المرويات انه ترك حمل بعير من مدوناته ، وكان يحمل قسما منها إلى مجالسه وحلقات التدريس ، وكتب سعيد بن جبير احد تلاميذه كل ما أملاه عليه .
 

ومجمل القول ان حركة التدوين بدأت تتسع في الشطر الأخير من عصر الصحابة ولكنها لم تنتشر بين المسلمين إلا في أوائل القرن الثاني حينما أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر محمد بن حزم بجمع الحديث وتدوينه ، وجاء في المذكرة إلي وجهها إليه .
 

انظر ما كان من حديث رسول الله ( ص ) أو سنة ماضية فاكتبه فاني خفت ، دروس العلم وضياعه ، وأكد عليه كما تنص بعض المرويات ان يدون ما روته عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبي بكر ( ا ) فهب

الناس إلى التدوين وأحسوا بخطر الركود الذي مر عليه في القرن الأول وأصبح من الضرورات الملحة بنظر الجميع ، لا سيما وقد ندب إليه عمر بن عبد العزيز المعروف بالاعتدال والحرص على الآثار الإسلامية ولكن التدوين الذي

كان يوم ذاك لم يكن مرتبا على أبواب الفقه وفصوله ولم يقتصر الكتاب على موضوع واحد ، بل كان المؤلف يحشد في كتابه من جميع المواضيع والأصناف ، بما في ذالك التفسير واللغة والأدب ونحو ذلك من المواضيع اما التدوين

المرتب على الأبواب الفقهية فلم في قبل أواخر النصف الأول من القرن الثاني ، ويدل على ذلك ما أورده الحافظ الذهبي في حوادث 143 قال : وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير وغير ذلك من

المواضيع ، فصنف ابن جريح المتوفى 150 تصانيفه الكثيرة في مكة ، وصنف ابن أي عروبة المكنى بابي النظر العدوي ، وفي خلال ذلك صنف أبو حنيفة في الفقه والرأي ، كما صنف حماد بن سلمة وسفيان الثوري والاوزاعي ، وعبد الله بن المبارك ، وهشيم بن بشير ، وغيرهم في فترات متعاقبة تتراوح بين سنة 150 و 175 عشرات الكتب
 

 

( 1 ) انظر تاريخ الفقه ص 176 والاضوأ  ص ( * ) 224

 

 

ص 25 :

في مختلف المواضيع وإذا لاحظنا ما أنتجته مدرسة الإمامين الباقر والصادق ( ع ) في هذه الفترة من القرن الثاني تقريبا من المدونات التي بلغت ستة آلاف كما أحصاها أكثر المؤلفين في هذا الموضوع من الشيعة واشرنا إلى

مصادرها في كتابنا ( المبادئ العامة في الفقه الجعفري ) إذا لاحظنا ذلك تدرك أهمية هذا الدور من ناحية اتساع حركة التأليف وتدوين الآثار الإسلامية وغيرها من آثار الفرس واليونان في مختلف المواضيع ، وقد أحصى المؤلفون

في أحوال الرجال والتراجم عددا كبيرا لجماعة من أصحاب الأئمة كصفوان بن يحيى ، وشعيب بن أعين الحداد ، وهشام بن الحكم ، وإسماعيل بن موسى بن جعفر ( ع ) وعبد الله بن المغيرة البجلي الكوفي ، وعبد الله بن سنان

مولى بني هاشم ، ومحمد بن عمير ويونس ابن عبد الرحمن ، واحمد بن محمد بن عيسى الاشعري ، والفضل بن شاذان النيسابوري الى غير ذلك ممن تنراوح مؤلفاتهم بين العشرين والثلاثين كتابا .


وجاء عن محمد بن مسعود العياشي انه انفق على تدوين العلم ثلاثمائة ألف دينار ، وان داره كانت تعج بالناس وهم بين ناسخ وقارئ ومقارن ولو كتب البقاء لمؤلفات الشيعة في القرنين الثاني والثالث ، لكانت دور الكتب أغنى ما تكون

بالآثار الشيعية ، ولكن الظروف التي أحاطت بهم ، والحروب الدامية التي كانت قي الغالب تستهدف دمائهم وآثارهم كل ذلك قد ساهم في تبديد تلك الثورة الغنية بالكنوز والنفائس ، وليس أدل على ذالك من إقدام الحكام والغزاة وبخاصة

الأيوبيين منهم على حرق المكتبات الشيعية مباشرة . كمكتبة الطوسي ، والوزير ( نصر سابوربن اردشير ) وزير بهاء الدولة ، ومكتبة الأزهر التي أسسها الفاطميون في مصر وحشدوا فيها مئات الألوف من المجلدات في مختلف مواضيع وبقيت أكثر من قرنين من الزمن منهلا كريما لرواد العلم من 
 

ص 26 :

مختلف الأقطار إلى ان جاء صد الأيوبيين الذي استهدف الشيعة وآثارهم وأكثر من أي شئ آخر ذلك العهد الذي مثل فيه صلاح الدين وأبناؤه الجريمة بأقبح صورها وأشكالها إلى غير ذلك من دور الكتاب التي كانت أكثر محتوياتها من كتب الشيعة وآثارهم .


ومهما كان الحال فلم يطرأ على التدوين تطور قبل نهاية القرن الثاني، وبنهايته شرع فريق من العلماء بتطويره فافردوا أحاديث الرسول عن آراء الصحابة واقضيتهم ، ووزعوا الأحاديث على أبواب الفقه وفصوله حسب المناسبات ومضى العلماء على ذلك ، فألف احمد بن حنبل جامعه ، واسحاق بن راهويه وغيرهما عشرات الكتب وظلت حركة التدوين تتسع إلى ان دخلت طورا جديدا ، هو طور الاختيار والتنقيح ، وكان أول من اتجه إلى هذه الناحية من السنة محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله .


قال الحافظ بن حجر في مقدمة فتح الباري على صحيح البخاري ، ولما رأى البخاري هذه التصنيف ورواها وانتشق رياها واستجلى محياها وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت الصحيح وغيره والكثير منها يشمله التضعيف

، حرك همته لجمع الحديث الصحيح ، فألف كتابه المعروف بصحيح البخاري ، كما ألف كل من مسلم ، وأبو داود سليمان ابن الاشعت السجستاني ، والترمذي والنسائي ، وابن ماجة ، ومحمد بن يزيد كتبهم الستة المعروفة بين اعلام

السنة بالصحاح خلال القرنين الثالث وأوائل القرن الرابع ، وكان لمحمد بن إسماعيل البخاري الفضل الأكبر في هذا الاتجاه من التأليف ، لانه أول من حرك همته لتحري الأحاديث الصحيحة ودونها في صحيحه سنة 250 تقريبا ،

وآخرهم النسائي احمد ابن شعيب المتوفى سنة 303 شهيدا في مكة كما قي رواية الذهبي وغيره . وجاء في سبب وفاته . انه خرج من مصر وافدا على دمشق فاجتمع 
 

ص 27 :

عليه المحدثون والقراء وغيرهم ، وفي بعض مجالسه سأله بعضهم أيهما أفضل علي أم معاوية ؟ فقال : على الفور اما رضي معاوية ان يخرج رأسا برأس حتى يفضل، وجاء عنه انه قال : والله لا اعرف له فضيلة إلا قول النبي ( ص )

له : ( لا اشبع الله بطنك ) فداسوه بأرجلهم وأخرجوه من الشام مضرورا ، فتوجه نحو مكة المكرمة وتوفي بها متأثرا بما أصابه ، وجاء في ترجمته انه قال : دخلت الشام ، والمنحرف عن على ( ع ) بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت بذلك ان يهديهم الله ( 1 ) .


وفي هذا الدور الذي ظهر فيه أصحاب الصحاح ودونوا صحاحهم ، نجد بين المؤلفين من الشيعة من هو أكثر إنتاجا وأحسن تنظيما من غيرهم ، كما تؤكد ذلك كتب الرجال والحديث التي تعرضت لمؤلفات الشيعة في الفترة الواقعة بين

عصر البخاري والنسائي ، وبخاصة المؤلفات الفقهية الموزعة على أبواب الفقه وفصوله ، واشتهر من بينهم القميون بتصلبهم وتشددهم على كل متهم بالانحراف عن العقيدة ، كمحمد بن عيسى بن عبد الله الأشعري شيخ القميين في القرن

الثالث على حد تعبير علماء الرجال ومحمد بن احمد ابن ابي قولويه ، ومحمد بن إسماعيل بن بشير البرمكي ، ومحمد بن خالد الأشعري القمي ، ومحمد بن علي بن محبوب احد الشيوخ الاجلاء في قم ، وصاحب المؤلفات الكثيرة في

مختلف المواضيع وقد أحصى له النجاشي والمامقاني في تنقيح المقال نحوا من ثلاثين مؤلفا وفي كتابه الجامع تعرض لجميع أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات والحدود ، ومن هذه الطبقة محمد بن الحسمن بن فروخ الصفار المعروف

بالوثاقة وحسن السيرة وسلامة العقيدة ، والمعاصر للإمامين الهادي والعسكري ( ع ) ، كما عاصر البخاري وغيره من أصحاب الصحاح ، إلى غير ذالك من العشرات الذين اتجهوا الى تصفية الحديث وتصنيفه على
 

 

( 1 ) انظر شذرات الذهب لابن العماد ج - 2 ص240  . ( * )

 

 

ص 28 :

أبواب الفقه وفصوله ، وقد أحصى النجاشي لبعضهم أكثر من تسعين كتابا . وجاء في الفهرست لابن النديم . ان الفضل بن شاذان النيسابوري ترك نحوا من 180 كتابا من مؤلفاته قي مختلف المواضيع ، وبلغ الحمال بالقميين وغيرهم انهم كانوا يخرجون من قم كل متهم بالغلو والانحراف عن التشيع السليم ويرفضون مروياتهم مهما كان نوعها .


وبالتالي فقد اتجهوا إلى التأليف في أحوال الرواة ، ووضعوا أصول علم الرجال والدراية حتى لا تختلط مرويات المنحرفين والمتهمين بمرويات الموثوقين من الشيعة المعتدلين في تشيعهم وعقائدهم ، ومن هؤلاء علي بن الحسين ابن

علي بن فضال . فقد جاء في الفهرست للشيخ الطوسي . انه ممن يعتمد على قوله في الرجال ، ويستند إليه في الجرح والتعديل ، واكد هذه الحقيقة في منتهى المقال ، واستنتج بعضهم انه من المؤلفين في الرجال .

ومنهم الفضل بن شاذان ، فقد نص جماعة ان له كتبا في الرجال وأحوال الرواة ،

ومنهم محمد بن احمد بن داود بن علي شيخ القميين في زمانه كما نص على ذلك النجاشي ، والعلامة في الخلاصة .


وجاء في الفهرست ، انه ألف كتابا في الممدوحين ، والمذمومين رجال الحديث .

ومنهم محمد بن الحسن أبو عبد الله المحاربي ، قال النجاشي ، والعلامة في الخلاصة . انه كان خبيرا بأحوال الرواة وألف في هذا الموضوع كتابا عرض فيه أحوالهم ومراحل حياتهم .

ومنهم نصر بن الصباح المكنى بابي قاسم من أهالي بلخ فقد ألف 
 

ص 29 :

ومنهم محمد بن خالد البرقي ومحمد بن مسعود السمر قندي المعروف بالعياشي وغيرهم ممن نص أصحاب الفهارس على انهم قد ألفوا في أحوال الرجال ووضعوا أصول علم الدراية في القرن الثالث وأوائل القرن الرابع ، قد أكد ذلك

الشيخ الطوسي قي العدة ، وجاء فيها ان الطائفة ميزت الرجال الناقلين لهذه الأخبار فوثقوا الثقاة منهم ، وضعفوا الضعفاء ، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته ، ومن لا يعتمد عليه ، ومدحوا الممدوحين ، وذموا المذمومين ،

وقالوا فلان متهم في حديثه : وفلان كذاب، وفلان مخلط ومخالف في المذهب والاعتقاد إلى غير ذلك من الطعون التي وصفوا بها الرواة والمحدثين ، وأضاف إلى ذلك أنهم صنفوا في ذلك الكتب ، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من

التصانيف في فهارسهم ، حتى إذا واحدا منهم إذا أنكر حديثا نظر في إسناده وضعفه بروايته وأصبحت هذه الطريقة عادة لهم لا تنخرم ولولا ان العمل بما يسلم من الطعون جائز ، لا يكون فائدة لما شرعوا فيه من التضعيف والتوثيق

( 1 ) هؤلاء وغيرهم من المؤلفين في الحديث وأحوال الرجال وشروط الرواية وأقسامها الذين بذلوا كل ما لديهم من الإمكانيات لتصفية الحديث من الموضوعات ومن المشتبهات هؤلاء وضعوا الأساس للمتأخرين ، وكانوا الركيزة التي

اعتمدها لمحمدون الثلاثة ، محمد بن يعقوب الكليني ، ومحمد بن بابويه الصدوق ، ومحمد بن الحسن الطوسي في اختيار مجاميعهم الأربعة ( 2 )


تلك المؤلفات التي اعتمد مؤلفوها على كتب القميين وغيرهم من أصحاب الأئمة وتلاميذهم كالأصول الأربع التي كانت بمجموعها محلا لثقة الرواة والمحدثين ، من حيث معرفتهم بمؤلفيها ووثوقهم بصحة ما فيها من المرويات ، هذا بالإضافة
 

 

( 1 ) ص 53 من العدة .         ( 2 ) الكافي للكليني ، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق ، والتهذيب والاستبصار للطوسي . ( * ) 

 

 

ص 30 :

إلى القرائن الأخرى التي اعتمد عليها المحمدون الثلاثة بالنسبة لبعض المرويات ، وان لم تكن من حيث أسانيدها مستوفية لشروط العمل بالرواية ، ومن جملتها مطابقة مضمون الرواية للنص القرآني ، أو للسنة الصحيحة ، أو لما أجمعت الطائفة عليه ، أو لموافقته لحكم العقل أو لغير ذلك من القرائن التي تؤكد مضمون الخبر وان رواه من لا يصح الاعتماد على مروياته ( 1 ) .


ومجمل القول ان المحدثين من الشيعة نشطوا في تصفية الحديث من الموضوعات ومن مرويات المنحرفين في عقائدهم والمندسين بين صفوف الشيعة ووضعوا النواة الأولى لعلمي الرجال والدراية وألفوا فيهما ، قبل ان يقوم البخاري

ورفاقه من أصحاب الصحاح بمهمة تصفية الحديث وتصنيفه ، وأصبح علم الرجال والدراية من العلوم التي يتوقف عليها استنباط الأحكام من الأدلة ، لان الحديث هو المصدر الثاني للأحكام بعد كتاب الله ، ولولاه لم يتم التشريع ولم

يبلغ تلك المرتبة العالية من الإحاطة والشمول التي تناولت جميع المواضيع ووضعت الحلول لجميع لحياة على اختلاف تطورها ومراحلها .

 

 

( 1 ) العدة للشيخ الطوسي ص 52  ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب