|
دراسات في الحديث والمحدثين-
هاشم معروف الحسيني ص 202 : - |
|
الواجب في صحيح البخاري
بالإمكان ان ينتزع
الباحث صفات الواجب عند البخاري من مروياته عن النبي (
ص ) حول هذا الموضوع المنتشرة في صحيحه هنا وهناك ،
وبالطبع انه لم يدون فيه إلا الأحاديث الصحيحة عنده ،
لانه اختاره من ستمائة ألف حديث
على حد زعم المؤلفين
في التراجم كما ذكرنا ، مع العلم بان البخاري في صحيحه
لم يوفق إلى توزيع الأحاديث على المواضيع التي تعرض لا
توزيعا كاملا ، ذلك لانه يعنون الموضوع أحيانا ويروي
فيه بعض الأحاديث التي تناسبه
وأحيانا يروي فيه ما لا
يتناسب معه ، لذلك فان الباحث إذا أراد ان ينتهي إلى
رأيه الأخير في موضوع من المواضيع التي دونها في كتابه
لا بد وان ينتهي بقية الأبواب ويتتبع المرويات فيها
إذا كانت هذه المدونات تعبر عن رأيه في تلك المواضيع .
ولعل السر في ذلك ان البخاري لم يمهله
الأجل إلى انجاز
كتابه ونقله من المسودات التي جمعه فيها ، فوافاه
الأجل قبل تبييضه وتوزيع أحاديثه في الأماكن التي
تناسبها ، وحذف المكررات منه ، كما ذكرنا سابقا ولما
جاء دور تلاميذه من بعده دونوه على علاته ، ولو
أمهله الأجل لجاء كتابه مصنفا ومرتبا على الأبواب والمواضيع
ووافيا بالغرض الذي أراده من تأليفه ، وسليما من أكثر
العيوب التي لا يستطيع الباحث تجاهلها .
كما وانه لم
يتعرض للواجب بعنوان خاص ، بل تعرض لصفاته تعالى وبعض
الخصائص التي تشير إلى حقيقته في مختلف المناسبات
والأبواب ففي الباب الذي عقده لتفسير قوله
تعالى : ، ولتصنع على عيني " قارن بين عين الدجال ،
وعين الله في أكثر من رواية ، وكلها تنص على ان الدجال
اعور العين اليمنى ، وان الله ليس بأعور .
وبهذه
المناسبة روى عن موسى بن إسماعيل عن جويرية عن نافع عن
عبد الله انه قال : ذكر الدجال عند النبي ( ص ) فقال :
ان الله لا يخفى عليكم انه ليس باعور واشار بيده إلى
عينه ، وان الدجال اعور العين اليمنى ، كان عينه عنبة
طافية .
وروى عن انس ان النبي ( ص ) قال : ما بعث الله
من نبي إلا انذر قومه الأعور الكذاب ، انه اعور وان
ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر ، هو الخالق
المصور البارئ .
وقد أكثر من الروايات التي تنص على
خروج الدجال وان عينه اليمنى عوراء وعين الله سليمة من
العور ، وفي خلال مروياته التي أوردها في هذا الباب
روى عن عبيدة عن عبد الله انه قال ، جاء حبر من
الأحبار
إلى رسول الله ( ص ) فقال : يا
محمد انا نجد ان الله جعل السموات على اصبع ، والارضين
على اصبع ، والشجر على اصبع ، والماء والثرى على اصبع
، وسائر الخلائق على اصبع ، ثم يقول انا الملك ، فضحك
النبي ( ص ) حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ،
ورواها مرة ثانية وأضاف إليها انه ضحك تعجبا وتصديقا (
1 ) .
وفيما يتعلق برؤية الله سبحانه وتعالى عما يصفه
الجاهلون علوا كبيرا روى في شرح قوله تعالى : " وجوه
يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " عن جرير انه قال : كنا
جلوسا عند النبي ( ص ) إذ نظر إلى القمر ليلة البدر
فقال : انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون
في رؤيته .
| |
(
1 ) انظر ص 278 و 280 و 300 المجلد الرابع من الصحيح للبخاري
. ( * ) |
|
|
وروى عن جرير بن عبد الله انه قال : قال
النبي ( ص ) انكم سترون ربكم عيانا .
وروى عنه أيضا
انه قال : خرج علينا رسول الله ليلة البدر فقال انكم
سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في
رؤيته وروى عن أبي هريرة مجموعة من الأحاديث بهذا
المضمون ، وزاد فيها انه قال : فهل تضارون
في رؤية
الشمس ليس دونها حجاب ؟ قالوا لا يا رسول الله : قال
انكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من
كان يعبد شيئا فليتبعه . فيتبع من كان يعبد الشمس
الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان
يعبد
الطواغيت الطواغيت ، وتبقى هذه
الأمة فيها
شافعوها ومنافقواها ، فيأتيهم الله فيقول انا ربكم
فيقولون له : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء
ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون .
وجاء فيما رواه عن انس ان المؤمنين يحبسون يوم القيامة
فيتشفعون بالأنبياء ، فكل نبي يأتونه يذكر خطيئته
فيعتذر عن مقابلة الرب ، فيأتون محمدا ( ص ) فيستأذن
على ربه في داره فيؤذن له ، وعندما يراه في داره يخر
له ساجدا
ويبقى زمنا طويلا ، ثم يقول له : ارفع رأسك
فيرفع رأسه ويستشفع بمن يريد فيخرج من الدار التي فيها
ربه ويدخلهم الجنة ، ويخرج جماعة من النار ويدخلهم
الجنة أيضا ، ثم يعود فيدخل على ربه في داره ، فيؤذن
له ثانيا فيسجد لله ،
ثم يرفع رأسه ويشفع فيمن يشفع له
، فيخرج منها ويدخلهم الجنة ، ثم يدخل الدار التي فيها
الله ثالثا ، وهكذا يصنع ذلك مرارا حتى لا يبقى في
النار الا من يستحق الخلود فيها ( 1 ) .
| |
(
1 ) نفس المصدر ص : 283 و287 ( * ) . |
|
|
ويحدث البخاري عن الله سبحانه في بعض مروياته
عن الرسول ( ص ) انه ينزل عن عرشه الجالس عليه في
السماء السابعة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير ،
فقد روى عن إسماعيل عن مالك عن ابن شهاب عن أبي عبد
الله الاغر عن أبي هريرة ان رسول الله ( ص ) قال :
ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين
يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فاستجيب له من
يسألني فاعطيه ، من يستغفرني فاغفر له .
وروى هذه
الرواية بألفاظها من غير زيادة في ص 100 عن أبي سلمه
ابن عبد الرحمن ، وتكرر منه هذا المضمون بهذا السند
وغيره .
وفي مناسبة ثانية يصور انس بن مالك
وأبو هريرة
الله سبحانه بصورة رجل له رجلان يضع احدهما في جهنم
فيملأها ، بينما جميع العصاة والكفار لا يملئون الا
جانبا منها .
فقد روى عن انس انه سمع النبي ( ص ) يقول
: يلقى العصاة في النار فتقول هل من مزيد فيضع قدمه
فيها فتقول قط قط .
وروى عن أبي هريرة ان الرسول ( ص )
قال : يقال لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد فيضع قدمه
فيها فتقول قط قط .
وروى عن أبي هريرة أيضا ان النبي (
ص ) قال تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت
بالمتكبرين والمتجبرين ، وقالت الجنة مالي لا يدخلني
الا ضعفاء الناس وسقطهم ، فقال الله سبحانه للجنة :
انت رحمتي ارحم بك من اشاء من عبادي : وقال للنار :
انما انت عذابي اعذب بك من اشاء من عبادي ، ولكل واحدة
منهما ملؤها ، فاما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها
، فتقول قط قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها
إلى بعض ، ولا يظلم الله من خلقه احدا . واما
الجنة فينشئ الله لها خلقا تمتلئ بهم .
وروى عن عطاء
بن يسار عن أبي سعيد ان النبي ( ص ) قال : يكشف ربنا
عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد
في الدنيا رئاء ا وسمعة فيذهب ليسجد فيعود وظهره طبقا
واحدا ( 1 )
وجاء في المجلد الرابع من صحيح البخاري ،
ان رجلا سأل الله سبحانه ان يخرجه من النار ، فاشترط
عليه ان لا يسأله غير ذلك ، فلما أخرجه منها سأله ان
يقربه من باب الجنة ، فاخذ عليه العهود والمواثيق ان
لا يسأله غير ذلك ، فلما قربه منها سأله ان يدخله
الجنة وألح في سؤاله حتى ضحك منه الله وأذن له بالدخول
إلى الجنة ( 2 ) .
وروى في صفحة 312 من المجلد الثاني
ان رجلا أتى للنبي ( ص ) فقال النبي ( ص ) للمسلمين من
يضيف هذا فأخذه احدهم وآثره على نفسه وعياله فلما أصبح
جاء إلى النبي ( ص ) فقال له : لقد ضحك الله
الليلة من فعالكما .
ويروي
البخاري أيضا عن صفوان بن محرز ان رجلا سأل ابن عمر
كيف سمعت رسول الله ( ص ) يقول في النجوى قال يدنو
أحدكم من ربه حتى يضع كتفه عليه ، فيقول : أعملت كذا
وكذا فيقول نعم : ثم يقول له أعملت كذا وكذا ، وهكذا
وأخيرا يقول له : اني سترت عليك في الدنيا ، وانا
اغفرها لك اليوم
.
إلى غير ذلك من المرويات التي
أوردها البخاري في صحيحه حول رؤية الله وصفاته . ولو
انه درس هذه المرويات دراسة موضوعية وحاكم بينها وبين
كتاب الله وعرضها على العقل ، لو فعل ذلك لا بد وان
ينتهي إلى طرحها
| |
(
1 ) انظر صر 191 و 192 المجلد الثالث من الصحيح
للبخاري .
( 2 ) المجلد الرابع للبخاري . ( * ) |
|
|
لانها لا تنفك عن التجسيم الذي لا يقره العقل
ولا الكتاب الكريم الذي ينص على إنه " لا تدركه
الابصاري ولا يحيطون به علما " وكيف تتفق هذه الآية مع
رواية أبي هريرة التي تنص على ان الله يضع رجله في
جهنم ليفي لها بوعده ، فتمتلئ عند ذلك ويسكن غضبها ،
وكيف يرى كما يرى القمر ليلة تمامه والشمس ساعة تنجلي
عنها السحب والغيوم ، والله يقول : " لا تدركه الابصار
" .
وهل ينفك القول بان له ساقا عن انه جسم كبقية
الأجسام المركبة من الساق والرجل واليد والعين وغير
ذلك .
وكيف يضحك على من يرجوه طمعا في كرمه وجوده
وأين
تكون الدار التي يسكنها رب أبي هريرة ، أفي السموات أم
في الأرض ، وإذا كان يسكن في دار ، ويحويه مكان معين ،
فقد خلت منه بقية الدور والأمكنة والجهات ، وأصبح
كسائر الممكنات التي لا توجد الا بأسبابها ، تعالى عن
ذلك علوا كبيرا .
ومن الغريب ان البخاري قد دون هذه
الأحاديث في صحيحه واختارها من ستمائة ألف حديث كما
يزعم كل من ترجمه وكتب عن صحيحه ودون إلى جانبها بعض
المرويات التي تنص على ان الحديث الذي يصح الاعتماد
عليه هو الذي يوافق كتاب الله ولا ينكره العقل ، مع
العلم بان الكتاب والعقل لا يقران شيئ من تلك
المرويات ولا تتفق معهما الا بعد تأويلها والتأويل وان
كان ممكنا ، وواقعا بالنسبة إلى بعض المرويات ، ولكنه
لا يتعين الا إذا كانت شروط الاعتماد على الرواية متنا
وسندا متوفرة فيها ، ولم يتوفر في هذه المرويات شئ من
ذلك .
على انه قد دون في ص 274 من المجلد الرابع ان
السيدة عائشة قالت . من حدثكم ان محمدا رأى ربه فقد
كذب ، لان الله لا تدركه الأبصار ، ومن حدثكم انه يعلم
الغيب فقد كذب ، لأنه لا يعلم الغيب الا الله " وجاء
في رواية ثانية عنها انها قالت لعامر بن مسروق وقد
سألها عن
الله هل يرى : ولقد وقف شعري مما قلت ، من
حدثك ان محمدا رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار ، وهو اللطيف الخبير " " وما
كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب "
ومن حدثك انه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت : " ما
تدري نفس ماذا تكسب غدا " ومن حدثك بانه قد كتم شيئا
مما أوحي إليه فقد كذب ( 1 ) .
هذه الرواية تتنافى مع
المرويات التي تنص على انه يرى كما يرى القمر ليلة
تمامه والشمس ساعة تنجلي عنها السحب والغيوم ، ولا بد
من تكذيب إحدى الطائفتين ، ولا شك إذ رواية السيدة
عائشة تتفق مع الكتاب ويؤيدها العقل
فهي أولى بالقبول
والاعتبار ، ومروياتها اقرب إلى الواقع من مرويات أبي
هريرة ، ولو قال قائل ان تلك المرويات مستوحاة من كتاب
الله تعالى حيث جاء في بعض آياته ما يشير إلى ان له
وجها ويدا ورجلا ، وانه يجلس على عرشه
وغير ذلك ، قلنا
في جوابه ان القرآن يفسر بعضه بعضا ولا بد من ملاحظة
سياق الآية وأسباب نزولها ، وضم أولها إلى آخرها
وبالإضافة إلى ذلك لا بد من تحكيم العقل عندما يصطدم
به الظاهر منها ، لا سيما بعد ان كان القرآن
يتحمل
أكثر من معنى واحد ، وكل واحد من المعاني إذا كان
مقبولا تتحمله الآيات بمجموعها ومفرداتها ، ومما لا شك
فيه ان تفسير اليد بالقوة ، والوجه بالقدرة ،
والاستواء بالاستيلاء ، ومجئ الرب بمجئ أوامره ونواهيه
هو المتعين من
تلك للآيات ، ويتناسب مع
الأسلوب
القرآني وبلاغته ، وفي نفس الوقت يندفع محذور التجسيم
والتشبيه الذي يلازم الأخذ بظواهر تلك المفردات .
ولعل
الذي دعا المحدث الجليل محمد بن إسماعيل إلى تدوين هذه
المرويات في جامعه ، ان رواتها من الصحابة والصحابة لا
ينطقون عن الهوى لانهم فرق الشبهات والأهواء كما زعم
الجمهور من أهل السنة .
| |
(
1 ) انظر ص 274 / ج / 4
وص 193 / ج / 3 ( * ) . |
|
|
|