دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 209 : -

الواجب في الكافي

لقد تعرض الكليني في كتابه الكافي للواجب وصفاته ، ودون فيه بعض المرويات التي تتعرض لحدوث العالم واثبات الصانع وصفاته الثبوتية والسلبية وغير ذلك مما يليق بذاته .

فروى عن محمد بن عبد الله الخراساني خادم الإمام علي بن موسى الرضا ( ع ) انه قال : دخل رجل من الزنادقة على أبي الحسن الرضا ( ع ) وعنده جماعة من أصحابه فقال له الإمام ( ع ) : أيها الرجل أرأيت ان كان القول

قولكم وليس هو كما تقولون السنا وإياكم شرعا سواء لا يضرنا ما صمنا وصلينا وزكينا وأقررنا ، فسكت الرجل ، ثم قال أبو الحسن الرضا ( ع ) وان كان القول قولنا وهو الحق الستم قد هلكتم ونجونا فقال رحمك الله : أوجدني كيف

هو وأين هو ، فقال الإمام ( ع ) ويلك ان الذي ذهبت إليه غلط ، هو أين الاين بلا أين ، وكيف الكيف بلا كيف ، فلا يعرف بالكيفية ولا بالاينية ، ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشئ ، فقال الرجل : إذاً انه لا شئ إذا لم يدرك بحاسة من

الحواس . فقال أبو الحسن : ويلك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا انه ربنا لا يشبه شيئا من الأشياء . فقال له الرجل : فاخبرني متى كان ، فقال أبو الحسن : فاخبرني متى

لم يكن فأخبرك متى كان . قال الرجل : فما الدليل عليه ؟ قال أبو الحسن عليه السلام : اني لما نظرت إلى جسدي ولم يكن فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول 

ص 210 :

ودفع المكاره عنه وجر المنفعة إليه ، علمت ان لهذا البنيان بانيا فأقررت به ، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته ، وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمسي والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المبينات علمت ان لهذا مقدرا ومنشأ ( 1 ) .


وروى عن هشام بن الحكم ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال في جواب بعض الملحدين : لا يخلو قولكم انهما اثنان من ان يكونا قديمين قويين ، أو يكونا ضعيفين ، أو يكون احدهما قويا والآخر ضعيفا ، فان كانا قويين فلم لا يدفع احدهما

صاحبه ويتفرد بالتدبير ، وان زعمت ان احدهما قوي والآخر ضعيف ثبت انه واحد للعجز الظاهر في الثاني . فان قلت انهما اثنان لم يخل من ان يكونا متفقين من كل جهة أو مفترقين من كل جهة ، فلما رأينا ان الخلق منتظم ، والفلك

جار ، والتدبير واحد والشمس والليل والقمر والنهار دل صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على ان المدبر واحد ، ثم ان ادعيت انهما اثنان يلزمك فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين ، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما ، فيلزمك

ثلاثة ، فان ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتى يكون بينهما فرجة فيكونوا خمسة ، ثم يتناهى العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة . فقال الزنديق : فما الدليل عليه ؟ قال أبو عبد الله الصادق ( ع ) وجود الأفاعيل دلت على ان

صانعا صنعها ، الا ترى انك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت ان له بانيا وان كنت لم تر الباني ولم تشاهده . قال فما هو ؟ قال الإمام ( ع ) : شئ لا كالأشياء غير انه لا جسم ولا

 

( 1 ) هذا الاسلوب في مقام الاستدلال على وجود الصانع قد تكرر في أحاديث أهل البيت ( ع ) وقد أورد في الكافي مجموعة من الأحاديث بهذا المضمون وتكرر في القران أيضا هذا النوع من الاستدلال بالمعلول على وجود العلة . ( * ) 

 

 

ص 211 :

صورة ولا يحس ولا يجس ، ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الأوهام ، ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الأزمان ( 1 ) .

وقد أورد الكليني عشرات الأحاديث عن الأئمة ( ع ) حول التوحيد والصفات ، وأكثرها تنص على انه واحد لا يشبه شيئا من مخلوقاته ، ولا يدرك بالحواس ، ولا تحيط به الأوهام ، ولا تحويه الأمكنة والأزمان .


وجاء في بعضها عن أبي جعفر الباقر ( ع ) انه قال : إياكم والتفكر في الله ، ولكن إذا أردتم ان تنظروا إلى عظمته ، فانظروا إلى عظيم خلقه .
 

وجاء في بعضها عن أبي جعفر الباقر ( ع ) انه قال : إياكم والتفكر في الخلق ولكن إذا أردتم ان تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه .

 

( 1 ) وملخص هذا الدليل الذي استدل به الإمام على وجود الصانع ، هو ان المبدأ الأول لو كان اثنين . فلا يخلو من ان يكونا قديمين قويين أو ضعيفين ، أو يكون احدهما قويا والأخر ضعيفا ، والمراد بالقوي ان يكون قادرا على فعل الكل وفاعلا له بالإرادة والمراد

بالضعيف هو الذي لا يقوى على فعل الكل ولا يستبد به ولا يصلح لمقاومة القوي ، فان كانا قويين فيلزم ان يدفع كل منهما صاحبه ويتفرد به . ولازم ذلك عدم وقوع الفعل في مثل هذه الحالة . وان كان احدهما ضعيفا . فيلزم من ضعف وجود احتياجه إلى العلة

الموجدة . فيكون ممكنا وان كانا ضعيفين . فلا يخلو من ان يكونا متفقين في الحقيقة من كل جهة بحيث لا يكون لكل منهما جهة تشخيص يتعين بها عن صاحبه ولازم ذلك وحدتهما وهو خلاف الفروض . وان كانا مفترقين من كل جهة . فانتظام الخلق واعتلاء

الأمر يدل على وحدة المدبر . ثم ان فرض الاثنينية ولو من جهة يلزمه ان يكون بينهما مميز فاصل وقد عبر عنه الإمام ( ع ) بالفرجة . وهذا المميز لا بد وان يكون قديما موجودا بذاته ولازم ذلك تعدد . القديم كما ذكر الإمام ( ع . ( * ) 

 

 

ص 212 :

وتعرض في كتاب التوحيد لمسألة الرؤية التي أثبتها أهل السنة وأورد مجموعة من الأحاديث تنص على انه لا يرى في الدنيا والآخرة .
 

فمن ذلك ما رواه أبو الحسن الموصلي عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) انه قال : جاء حبر إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) فقال يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك ؟ قال ( ع ) ويلك ما كنت لأعبد ربا لم أره . قال : وكيف رأيته ؟ قال ويلك : لا تدركه العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان .
 

وروى عن أبي هاشم الجعفري انه قال : سألت أبا الحسن الرضا ( ع ) عن الله هل يوصف فقال : اما تقرأ القرآن قلت بلى : قال : اما قرأت قوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار قلت بلى . قال : ان أوهام القلوب اكبر من أبصار العيون ، فهو لا تدركه الأوهام وهو يدرك الأوهام .
 

وأضاف إلى ذلك أبو هاشم الجعفري في رواية أخرى ان أبا الحسن قال : يا أبا هاشم ان أوهام القلوب أدق من أبصار العيون ، انت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ، ولا تدركها ببصرك ، وأوهام القلوب لا تدركه فكيف تدركه أبصار العيون .
 

وروى عن صفوان بن يحيى انه قال : سألني أبو قرة المحدث ان ادخله على أبي الحسن الرضا ( ع ) فاستأذنته في ذلك ، فأذن له ودخل عليه ، فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى انتهى إلى التوحيد ، فقال أبو قرة انا روينا ان الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين ، فجعل لموسى الكلام ولمحمد الرؤية فقال أبو الحسن الرضا ( ع ) فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الإنس والجن لا تدركه الأبصار ، ولا يحيطون به علما ، 

ص 213 :

وليس كمثله شيء ، أليس محمد ( ص ) ؟ قال بلى : قال كيف يجئ رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم انه جاء من عند الله وانه يدعوهم إلى الله بأمر الله ، فيقول : لا تدركه الأبصار ، ولا يحيطون به علما ، وليس كمثله شئ ، ثم يقول :

انا رأيته بعيني واحطت به علما ، وهو على صورة البشر اما تستحون ، اما قدرت الزنادقة ان ترميه بهذا ان يكون يأتي من عند الله بشيء ، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر . قال أبو قرة ، فانه يقول : ولقد رآه نزلة أخرى ، فقال

أبو الحسن : ان بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال : ما كذب الفؤاد ما رأى يقول : ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه ثم اخبر بما رأى فقال : لقد رأى من آيات ربه الكبرى ، وآيات الله غير الله ، وقال : ولا يحيطون به علما

، وإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به علما ووقعت المعرفة. فقال أبو قرة فنكذب الروايات ( 1 ) فقال أبو الحسن ( ع ) إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها ، وقد اجمع المسلمون على انه لا يحاط به علما ، ولا تدركه الأبصار ، وليس كمثله شيء ، إلى غير ذلك من الروايات التي أوردها في الكافي حول امتناع الرؤية في الدنيا والآخر ة ( 2 ) .


وجاء في الكافي المجلد الأول في باب النهي عن وصفه بغير ما وصف به نفسه ، ان عبد الرحيم القصير قال : كتبت على يدي عبد الملك بن اعين إلى أبي عبد الله الصادق ( ع ) ان قوما بالعراق يصفون الله بالصورة والتخطيط ، فان رأيت جعلني الله فداك ان تكتب إلي بالمذهب الصحيح

 

( 1 ) المراد من الروايات التي أشار إليها أبو قرة ما أوردناه عن البخاري حول هذا الموضوع من مرويات أبى هريرة وانس بن مالك وغيرهما مما هو موجود في صحاح أهل السنة .
( 2 ) انظر ص 96 من المجلد الأول أصول الكافي
. ( * ) 

 

 

ص 214 :

من التوحيد ، فكتب إلي . سألت رحمك الله عن التوحيد وما ذهب إليه من قبلك ، فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وتعالى عما يصفه الواصفون المشبهون الله بخلقه المفترون على الله فاعلم رحمك الله ، ان المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله عز وجل ، فانف عن الله البطلان والتشبيه ، فلا نفي ولا تشبيه ( 1 ) هو الله الثابت الموجود تعالى الله عما يصفه الواصفون ولا تعدوا القرآن فتضلوا بعد البيان ( 2 ) .

وقد أورد في الكافي اثنتي عشر رواية في هذا الباب وكلها تؤكد مضمون هذه الرواية .
 

وروى في باب النهي عن التجسيم والتصوير عن علي بن حمزة انه قال : قلت لأبي عبد الله الصادق ( ع ) سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم ان الله جسم صمدي نوري معرفته ضرورة يمن الله بها على من يشاء من خلقه ، فقال ( ع ) سبحان من لا يعلم احد كيف هو إلا هو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، لا يحد ولا يحس ، ولا تدركه الأبصار ولا الحواس ، ولا يحيط به شي ، ولا جسم ، ولا صورة ، ولا تخطيط ولا تحديد .


وروي عن محمد بن زيد انه قال : جئت إلى الرضا ( ع ) اسأله عن التوحيد ، فأملى عليه . الحمد لله فاطر الأشياء انشاء ومبتدعا ابتداعا بقدرته وحكمته ، لا من شيء فيبطل الاختراع ، ولا لعلة فلا يصح الابتداع خلق ما شاء كيف شاء متوحدا بذلك لإظهار حكمته وحقيقة ربوبيته لا

 

( 1 ) المراد من نفي البطلان هو النهي عن تجريده عن الصفات لان تجريده عن جميع الصفات يلزم منه التعطيل والمراد من نفى التشبيه اي عدم وصفه بصفات مخلوقاته بنحو يلزم منه تثسبيهه بهم والمقصود بقوله ( ع ) : فلا نفي ولا تشبيه عدم جواز نفى الصفات عنه نفيا باتا وعدم جواز تشبيهه بمخلوقاته كما يصنع الاشاعرة . ( 2 ) ص 100 ج 1 ( * ).

 

 

ص 215 :

تضبطه العقول ولا تبلغه الأوهام ، ولا تدركه الأبصار ، ولا يحيط به مقدار عجزت دونه العبارة ، وكلت دونه الأبصار ، وضلت فيه تصاريف الصفات ، احتجب بغير حجاب ، واستتر بغير ستر ، وعرف بغير رؤية ، ووصف بغير صورة ، ونعت بغير جسم ، لا اله الا الله الكبير المتعال .


وأكثر المرويات التي ذكرها الكليني حول نفي التجسيم تشير إلى ان هشام بن الحكم ، وهشام بن سالم كانا يذهبان إلى القول به ، ولعل نسبة التجسيم التي الصقت بهما ظلما وعدوانا ، كانت من جملة الدوافع لسؤال الأئمة عن هذه الناحية ، بالإضافة إلى شيوع هذه المقالة بين محدثي السنة وفقهائهم .


ولكن المتتبع لتاريخ هشام بن الحكم بصورة خاصة يطمئن إلى براءته من هذه التهمة ( 1 ) وقد ذكرنا في الفصول السابقة ان مرويات الكافي ليست كلها جامعة لشروط الصحة ، وان القسم الأكبر منها يدخل في نوع الضعيف نتيجة للتصنيف الذي أحدثه الحلي واستاذه .


ويؤيد ذلك ان بين هذه المرويات التي تنسب التجسيم لهشام بن الحكم رواية علي بن أبي حمزة التي يدعى فيها ان هشاما يقول : ان الله جسم صمدي نوري ، وعلي بن اي حمزة من ضعفاء الرواة ، ومتهم بالكذب ، ووضع الأحاديث ، وبالإضافة إلى ذلك ، فقد كان من وكلاء الإمام موسى ابن جعفر ، وتحت يده من أمواله ثلاثون ألف دينارا ، أنكرها بعد وفاته ، وانحرف عن المخطط الاثني عشري ، وقد أطال المؤلفون في الرجال الحديث عنه ، وجاء في بعض نصوصهم انه كان من المجدين في اطفاء نور الله .
 

 

( 1 ) لقد تعرضنا لهذا الموضوع مفصلا في كتابنا الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة في خلال حديثنا عن التجسيم وما يترتب عليه من اللوازم الفاسدة التي لا يمكن الالتزام بها بحال من الأحوال . ( * ) 

 

 

ص 216 :

وقد روى عنه الكليني في مختلف المواضيع ، ولعل ذلك من حيث اعتماد محمد بن عمير ، وصفوان بن يحيى على بعض مروياته ، وهما لا يرويان الا عن ثقة ، كما يدعي ذلك بعض المؤلفين في الرجال ( 1 ) .


وممن نسب التجسيم لهشام بن الحكم يونس بن ظبيان ، فقد روى عنه في الكافي انه قال دخلت على ابي عبد الله الصادق ( ع ) ، فقلت له : ان هشام بن الحكم يقول قولا عظيما ويزعم : ان الله جسم ويونس بن ظبيان من الغلاة الوضاعين للحديث ، وقد لعنه الإمام على بن موسى ( ع ) ( 2 )


ومنهم علي بن العباس الذي يروي عن الحسن بن عبد الرحمن الحماني ، فقد روى عن الحسن بن عبد الرحمن انه قال : قلت لأبي عبد الله : ان هشام بن الحكم زعم ان الله جسم ليس كمثله شيء ، عالم قادر سميع بصير متكلم ناطق ، والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحد ، ليس شيء منها مخلوقا ، فقال قاتلة الله ، اما علم ان الجسم محدود والكلام غير المتكلم ، معاذ الله وابرأ إلى الله من هذا القول . وعلي بن العباس من المذمومين ، والمتهمين بالغلو كما نص على ذلك المؤلفون في الرجال ( 3 ) .


ومهما كان الحال فالروايات التي تنسب التجسيم لهشام بن الحكم وغيره من أصحاب الأئمة ، والتي تعطي للائمة خصائص الخالق ، وغير ذلك من الروايات المنافية لكتاب الله وسنة نبيه ، هذا النوع من بين مرويات الكافي ، لم تتوفر فيها شروط الرواية التي يصح الاعتماد عليها في الأصول والفروع كما ذكرنا .
 

 

( 1 ) انظر إتقان المقال ص 222 و 223 .   ( 2 ) نفس المصدر ص 394 و 395 .   ( 3 ) المصدر السابق ص327 (*)

 

 

ص 217 :

وروى في الكافي في باب صفات الذات عن محمد بن مسلم ان أبا جعفر الباقر ( ع ) قال في تحديد صفاته : انه واحد احدي المعنى ، ليس بمعان كثيرة مختلفة : قال قلت : جعلت فداك يزعم قوم من أهل العراق انه يسمع بغير الذي يبصر ، ويبصر بغير الذي يسمع ، فقال : كذبوا وألحدوا وشبهوه ، تعالى عن ذلك ، انه سميع بصير يسمع بما يبصر ، ويبصر بما يسمع ، قال قلت : يزعمون انه بصير على ما يعقلونه ( 1 ) فقال ( ع ) كذبوا انما يعقل ما كان بصفة المخلوق ، وليس الله كذلك .


وروى عن هشام بن الحكم ان الإمام الصادق ( ع ) قال في جواب الزنديق الذي سأله عن الله سبحانه : هو سميع بصير يسمع بغير جارحة ويبصر بغير آلة ، سميع بنفسه ، ويبصر بنفسه ، وليس قولي انه سميع بنفسه انه شيء والنفس شيء آخر ، ولكني أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولا وافهاما لك إذ كنت سائلا ، فاقول سميع بكله لا ان كله له بعض ، لان الكل لنا له بعض ، ولكني أردت افهامك ، وليس مرجعي في ذلك كله الا انه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى ( 2 ) .


وفي بيان المراد من الآية : " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " من كتاب

 

( 1 ) أي من الأبصار بآلة البصر اما لانه جسم مركب من مجموعة أجزاء ومنها آلة البصر . أو لان صفاته غير ذاته كما يدعى الاشاعرة وملخص الجواب . انهم يثبتون لله تعالى ما يعقلونه من صفاتهم . والله منزه عن مشابهتهم .

( 2 ) والذي أراده الإمام ( ع ) من ذلك ان الله ليس له نفس وبعض كما هو الحال بالنسبة لمن يسمع ويبصر من مخلوقاته بل جرى في كلامه مع السائل على المألوف في مقام التخاطب بقصد افهام السائل ويعني بذلك انه لا يسمع ويبصر بآلة ترسم الصور في عقله وذهنه . ولو كان كذلك لزم تعدد القديم . ( * ) 

 

 

ص 218 :

التوحيد أورد بعض المرويات التي تفسر المراد من العرش والاستواء عليه ، والحركة والانتقال فقد روى عن عيسى بن يونس ان ابن أبي العوجاء قال لأبي عبد الله الصادق ( ع ) في بعض محاوراته معه : ذكرت الله فاحلت على

غائب، فقال أبو عبد الله : ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهدهم واليهم اقرب من حبل الوريد ، يسمع كلامهم ، ويرى أشخاصهم ، ويعلم أسرارهم . فقال ابن أبي العوجاء اهو في كل مكان ، أليس إذا كان في السماء كيف يكون

في الأرض ، وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء فقال أبو عبد الله : انما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان وخلا منه مكان ، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما يحدث في المكان الذي كان فيه ، فاما الله العظيم ، فلا يخلو منه مكان ، ولا يشتغل به مكان ، ولا يكون إلى مكان اقرب منه إلى مكان .


وروى عن عبد الرحمن الحجاج انه قال : سالت أبا عبد الله الصادق ( ع ) عن قول الله تعالى " الرحمن على العرش استوى " فقال : استوى في كل شيء ، فليس شيء اقرب إليه من شيء ، لم يبعد عنه بعيد ، ولم يقرب منه قريب استوى في كل شيء ( 1 ) .


وقد أطال في الكافي في عرض المرويات عن الأئمة ( ع ) حول التوحيد ، وما يتفرع عنه ، وتضمنت تلك المرويات دفع جميع الشبه والآراء التي راجت في ذلك العمر بين فرق المسلمين ، وتنزيهه عن الجسمية والشبه

 

( 1 ) ومن هذه الرواية وغيرها مما جاء حول تفسير هذه الآية ان المراد من العرش هو جميع مخلوقاته . والاستواء عليه كناية عن الاستيلاء . والاشراف فيكون المعنى المتحصل من هذه الآية انه قد استولى واشرف على جميع مخلوقاته وتساوت نسبته ألى جميعها من حيث علمه وقدرته عليها واحاطته بها . ( * ) 

 

 

ص 219 :

بمخلوقاته عن كل ما لا يليق بذاته تعالى من الصفات والنعوت وغير ذلك مما اثبته له الملاحدة والمشبهة والاشاعرة ، واقتصرنا على هذه النماذج من المرويات تهربا من التطويل .

على ان بقية الروايات لا تختلف عن هذه النماذج الا بالأسلوب وعرض الفكرة ، وأحيانا قد يختصر الإمام أو يطيل في عرض الفكرة وتقريبها حسب المناسبات ويختلف ذلك باختلاف حال السائل ( 1 ) .

 

 

( 1 ) انظر ص 78 و 81 و 96 و 100 و 117 و 128 وما بعدها المجلد الأول . ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب