|
دراسات في الحديث والمحدثين-
هاشم معروف الحسيني ص 220 : - |
|
البداء في الكافي
لقد روى الكليني في باب
البداء ست عشرة رواية ، وجاء في بعضها . ان الإقرار
والاعتراف لله بالبداء من الإيمان ، وفي بعضها الآخر .
ان الإيمان لا يتم بدونه ، وانه من أفضل العبادات .
وجاء في رواية زرارة عن
أبى عبد الله ( ع ) انه قال :
ما عبد الله بشيء مثل البداء ، وفي رواية هشام بن سالم
، ما عظم الله بمثل البداء .
وفي رواية محمد بن مسلم
ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : ما بعث الله نبيا
حتى يأخذ عليه ثلاث خصال ، الإقرار له بالعبودية ،
وخلع الأنداد ، وان الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء .
وروى الفضيل بن يسار عن
أبي جعفر الباقر ( ع ) انه قال
: العلم علمان ، فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه
اهدا من خلقه ، وعلم علمه ملائكته ورسله فما علمه
ملائكته ورسله ، فانه سيكون ، لا يكذب نفسه ، ولا
ملائكته ورسله ، وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء
ويؤخر ما
يشاء ، ويثبت ما يشاء .
وجاء في
رواية أبي بصير ان هذا النوع من العلم منه يكون البداء
، إلى غير ذلك من المرويات التي أوردها الكليني وغيره
حول البداء ومن هذه المرويات تكونت فكرة البداء عند
الإمامية ، ولكن المشوشين على
الشيعة قد
أسرفوا في التشنيع عليهم من غير ان
يتفهموا المراد منه ، مع العلم بان البداء بالمعنى
الذي نذهب إليه لا يتنافى مع أصول الإسلام ، ولا يلزمه
شيء من المحاذير ، وغالى أكثرهم في التشنيع على الشيعة
فادعوا بأن فكرة
البداء من مخترعات المختار بن عبيدة
الثقفي ومنه انتقلت إلى الشيعة وأصبحت عقيدة لهم على
حد تعبيرهم ، وذلك حينما بلغ الصراع أشده بينه وبين
مصعب بن الزبير ، وأرسل جيشا لحرب مصعب بقيادة احد
اتباعه ( احمد بن
شميط ) وقال لهم : إذ
الوحي قد أخبره
بان الظفر سيكون لكم ، وشاءت الصدف ان ينهزم اتباعه في
جميع المعارك التي دارت بينهم وبين الزبيريين ، فقال
لهم ، لقد وعدني ربي بالنصر ، ثم بدا له ، وتلى عليهم
قوله تعالى : "
يَمْحُو
اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ
وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ " وأضافوا إلى ذلك انه كان أحيانا يخبر
أصحابه بأمور ينسبها إلى الله تعالى بقصد تضليل البسطاء
والمغفلين من اتباعه ، فإذا ظهر لهم خلافها ، قال بدا
لربكم ، وانطلقوا من هذه الأساطير إلى ان هذه
المقالة
راجت بين الشيعة ، وأصبحت جزء من عقائدهم ، فأضافوا
إلى أقوال الأئمة على حد تعبيرهم ، وفسروا البداء بأن
الله سبحانه يتعلق علمه بشيء ، ثم يبدو له تركه لوجود
مفسدة فيه كانت خافية عليه أولا ، أو لرجحان تركه على
فعله ، ولازم ذلك تبدل ارادته وتجدد علمه، وذلك لا
يكون الا لمن يجهل العواقب وتخفى عليه جهات الصلاح
والفساد ، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . بهذا
التسلسل لتاريخ البداء ، وبهذا المعنى الذي لا يتناسب
مع عظمة الخالق انطلق
الكتاب والمؤلفون وغيرهم للهجوم
على الشيعة قديما وحديثا ، مع العلم بان الشيعة وبخاصة الأثنا عشرية منهم ينزهون الله سبحانه ويعظمونه
أكثر
من جميع الفرق ، ويرون ان البداء بهذا المعنى
كفر وجحود يستحق قائله الخزي والعذاب
الأليم
، وقد لعن الإمام أصحاب هذه المقالة كما جاء في بعض
مرويات الكافي حول هذا الموضوع .
فقد روى عن منصور بن
حازم انه قال : سألت أبا عبد الله ( ع ) هل يكون اليوم
شيء لم يكن في علم الله بالأمس ؟ فقال : لا من قال هذا
أخزاه الله ، قلت أرأيت ما كان ، أرأيت ما هو كائن إلى
يوم القيامة أليس في علم الله ؟ قال : بلى قبل ان يخلق
الله الخلق .
ومهما كان الحال فلفظ البداء يتحمل
المعنيين التاليين
:
الأول الظهور والإبانة ، ومنه
قوله تعالى : " وَبَدَا
لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
" . وقوله : "
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا " .
الثاني
تغير الإرادة وتبدل العزيمة ، تبعا لتغير العلم وتجدده
، وهو بهذا المعنى لا يجوز بالنسبة إليه تعالى ، ولا
يقول به احد من الإمامية كما ذكرنا .
والمعنى الأول هو
الذي يقصده الشيعة من البداء الذي نصت عليه بعض
المرويات عن الأئمة ( ع ) .
قال الشيخ المفيد في
رسالته التي شرح فيها رسالة الصدوق في الاعتقادات :
والأصل في البداء هو الظهور ، قال تعالى في سورة الزمر
: " وَبَدَا لَهُم مِّنَ
اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ " أي ظهر
لهم من أفعال الله ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم ،
وقال في السورة المذكورة : "
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا
كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم " أي ظهر لهم جزاء كسبهم وبان لهم.
وأضاف
إلى ذلك ان العرب تقول : قد بدا لفلان عمل
حسن ، وكلام فصيح ، كما يقولون بدا من فلان ،
فتكون اللام بمعنى من وقائمة مقامها ، والمعنى في قول
الإمامية بدا لله كذا أي ظهر له فيه ، وبتقدير ان
اللام بمعنى من ، يكون المراد من هذه الكلمة ، ظهر منه
.
والمتحصل من ذلك ان البداء الذي لا نقول به هو بمعنى
الظهور والإبانة ، ونسبته إلى الله فيما لو قلنا بدا
لله كذا أي ظهر من الله ما كان خافيا على جميع
مخلوقاته ولم يكن في حسابهم .
وقد أكد هذا المعنى
الشيخ الكراجكي في كنز الفوائد حيث قال : ان المراد من
البداء ان يظهر للناس خلاف ما توهموه ، وينكشف لهم في
- ما كانوا يعتقدون من دوام الأمر واستمراره ، وسمي
هذا النوع بالبداء لمشابهته لمن يأمر بالشيء أو يخبر
به ثم ينهى عنه في وقته .
وتفسير البداء بهذا المعنى
ليس بعيدا عن مفاد بعض الروايات التي جاء فيها انه من
علم الله المكنون الذي لم يظهر لأحد ، حتى للأنبياء
والمرسلين ، وانه من أفضل ما عبد به الله إلى غير ذلك
من المرويات التي ربطت بين الإيمان به
والإيمان
الأكيد
بالله ، ذلك بأن هذا التفسير للبداء ، مفاده ان ما ظهر
للناس هو من علمه المكنون الذي لم يطلع عليه أحدا من
عباده ولم يكن محتسبا ظهوره أو مظنونا وقوعه ، وافتراض
البداء من هذا العلم لا بد وان يقترن بالإقرار
والاعتراف لله سبحانه
بالإحاطة بكل شيء والقدرة المطلقة
التي لا تحيط بها الظنون ولا تحدها الأوهام ، وإذا بلغ
الإنسان من الإيمان بالله إلى هذه المرتبة يصبح في
أعلى درجات الإيمان وفي مصاف الأولياء والصديقين الذين
يراقبون الله في جميع حالاتهم وتصرفاتهم .
ومما يؤكد ارادة هذا المعنى من البداء ، ما جاء في
أوائل
المقالات للمفيد رحمه الله . حيث قال : وانما يوصف من
أفعاله بالبداء ما لم
يكن محتسبا ظهوره أو مظنونا وقوعه ، اماما
علم كونه ، أو غلب في الظن حصوله فلا يستعمل فيه لفظ
البداء . هذا مع العلم بأن نسبة البداء إلى الله
والحالة هذه لا تخلو من التجوز كما نص على ذلك
الكراجكي في كنز الفوائد .
ولو تغاضينا عن كل ذلك وقلنا ان البداء المنسوب إليه من صفاته تعالى ، فلا بد
وان يكون المراد منه حين ينسب إليه انه قادر على ان
يرفع وبضع ويمحو ويثبت ، واثبات القدرة له بهذا النحو
لا يعني تجددا في علمه ولا تغييرا في ارادته ، ذلك لان
علمه وارادته يتعلقان بالأشياء بما هي مقدوره له وتحت
تصرفه وسلطانه .
|