دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 227 : -

القدر في صحيح البخاري والكافي
 

فقد روى عن زيد بن وهب عن عبد الله ان رسول الله ( ص ) قال : ان احدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع برزقه وأجله أشقي أو سعيد ، فوالله ان الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ، وان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها .


وروي عن انس بن مالك ان النبي ( ص ) قال : وكل الله بالرحم ملكا فيقول : أي ربي نطفة ، أي ربي علقة . أي ربي مضغة ، فإذا أراد الله ان يقضي خلقا ، قال : أي ربي ذكر أم أنثى ، أشقي أم سعيد ، فما الرزق ، فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه .


وروى عن عمران بن حصين ان رجلا قال يا رسول الله : أيعرف أهل الجنة من أهل النار قال نعم ، قال : فلم يعمل العاملون ؟ قال : كل يعمل لما خلق له .


وروى عن أبي هريرة ان النبي ( ص ) قال : احتج آدم وموسى فقال له موسى : يا آدم انت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ، قال له آدم : يا موسى اصطفاك الله بكلامه ، وخط لك بيده أتلومني على أمر 

ص 228 :

قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة ، فقال النبي ( ص ) فحج آدم موسى وكررها ثلاثا . إلى غير ذلك من المرويات التي أوردها البخاري في صحيحه حول القدر المتفقة في مضامينها ( 1 ) .


وجاء في الكافي حول هذا الموضوع عن منصور بن حازم ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : ان الله خلق السعادة والشقاء قبل أن يخلق خلقه ، فمن خلقه الله سعيدا لم يبغضه أبدا ، وان عمل شرا أبغض عمله ولم يبغضه ، وان كان شقيا لم يحبه أبدا ، وان عمل صالحا أحب عمله ، وأبغضه لما يصير إليه ، فإذا أحب الله شيئا لم يبغضه أبدا ، وإذا أبغض شيئا لم يحبه أبدا ( 2 ) .


وروى عن احمد بن محمد بن خالد بسنده إلى على بن حنظلة ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : يسلك بالسعيد طريق الأشقياء حتى يقول الناس : ما أشبهه بهم ، بل انه منهم ، ثم تتداركه السعادة ، وقد يسلك بالشقي طريق السعادة حتى يقول الناس : ما اشبهه بهم بل انه منهم ، ثم تتداركه السعادة ، وقد يسلك بالشقي طريق السعادة حتى
 

 

( 1 ) انظر ص 143 وما بعدها من المجلد الرابع .

( 2 ) والمراد من قوله ان الله خلق السعادة والشقاء قبل ان يخلق خلقه انه تعالى علم ما سيكون من أمر الإنسان من حيث اختياره لسلوك طريق لسعادة أو الشقاء فقدر عليه ما يختاره وكتبه مع السعداء أو الأشقياء فأحب السعيد وابغض الشقي . ومع ذلك فلو صدر

من الشقي عمل مالح أحب منه ذلك العمل . ولو صدر من السعيد عمل قبيح ابغضه وان كان هو في ذاته محبوبا له سبحانه . فهذه الرواية وما ورد بهذا المضمون لا تدل على ان الإنسان مسير في أعماله لما قدر عليه ولا يختار من أمره شيئا كما يدعي القائلون

بهذه المقالة ولعل المرويات التي أوردها البخاري وغيره من محدثي السنة من جملة الدوافع على انتشار هذه المقالة بين محدثي السنة وفقهائهم وجميع أصنافهم مع انها لو صحت عن النبي ( ص ) لا بد من تأويلها بما ذكرنا . ( * ) 

 

 

ص 229 :

يقول الناس ، ما أشبهه بهم بل هو منهم ، ثم يتداركه الشقاء ، ان من كتبه الله سعيدا وان لم يبق من الدنيا فواق ناقة ختم له بالسعادة ( 1 ) .
 

وروى عن أبي بصير انه قال : كنت بين يدي أبي عبد الله الصادق ( ع ) جالسا وقد سأله سائل فقال : جعلت فداك يا بن رسول الله من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم الله عليهم في علمه بالعذاب على عملهم ، فقال : أيها السائل حكم الله عز وجل لا يقوم له احد من خلقه بحقه ، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته القوة على معرفته ، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله ، ووهب لأهل المعصية القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم ، ومنعهم اطاقة القبول فوافقوا ما سبق لهم في علمه ، ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه ، لان علمه أولى بحقيقة التصديق ( 2 ) .


وروى في الكافي في باب الجبر والقدر ما يرفع الالتباس ويفسر المراد من القدر ، عن سهل بن زياد وإسحاق بن محمد ، قالا : كان أمير المؤمنين جالسا في الكوفة بعد منصرفه من صفين ، إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه ، وقال له : يا أمير المؤمنين اخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر ؟ فقال ( ع ) أجل يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله وقدر ، فقال له الشيخ : عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين ، فقال له مه يا شيخ ، والله لقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وانتم سائرون ، وفي مقامكم وانتم مقيمون ، وفي منصرفكم وانتم
 

 

( 1 ) هذا الحديث يتفق مع الحديث الذي رواه البخاري عن النبي اتفاقا كليا . ( 2 ) فحكم الله عليهم نشأ من علمه باختيارهم طرق الشقاء . والسعادة وحيث علم منهم ذلك وعلمه لا يمكن ان يخلف حكم عليهم وامدهم بالقوة والقدرة فهم قادرون على الشر والخير وجودا وعدما . إذ لا تصدق القدرة الا إذا تساوت بالنسبة للوجود والعدم وبذلك يصح الثواب والعقاب والمدح والذم . ( * ) 

 

 

ص 230 :

متصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ، ولا إليه مضطرين . فقال له الشيخ ، كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟ فقال له أتظن انه كان قضاء حتما

وقدرا لازما ، انه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من الله ، وسقط معنى الوعد والوعيد ، ولم تكن لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن ، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ، والمحسن أولى بالعقوبة من

المذنب ، تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الامة ومجوسها . ان الله كلف تخييرا، ونهى تحذيرا ، وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوبا ، ولم يطع مكرها ولم يملك مفوضا ، ولم يخلق السموات وما بينهما باطلا ، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثا ، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ( 1 ) .
 

 

( 1 ) ان النزاع في القضاء والقدر ونسبتهما إلى الأفعال يرجع تاريخه إلى القرن الأول الذي انتشرت فيه الدعوة الإسلامية خارج البلاد العربية واتصل المسلمون العرب بغيرهم من الأمم ذات الديانات المختلفة ، وقد تشعبت فيهما الآراء ، فقال فريق بان تعلق

الإرادة بالأشياء يوجب سلب الاختيار ، ولازم ذلك ان يكون الإنسان مجبورا في أفعاله ، وقال فريق آخر وهم المفوضة بأن الإنسان مختار في أفعاله ، والإرادة الإلهية لم تتملق بشيء من أفعال الإنسان وقد نفى الإمام ( ع ) في جوابه للسائل كلا الأمرين فقال : لو

كان كذلك لبطل الثواب والعقاب أي لو كان قضاء حتما وقدرا لازما بنحو لا يكون للعبد إرادة واختيار في أفعاله يكون العقاب من الله على القبيح ظلما لانه هو الفاعل ولا يستحق الإنسان على الخير شيئا لانه مدفوع إلى فعله قهرا وبدون إرادة واختيار وقد دفع شبهة

التفويض بقوله ( ع ) : ولم يعص مغلوبا . أي ان الإنسان لو كان خالقا لفعله من غير ان يكون لله رأي في ذلك . كانت مخالفته لما كلفه الله به من الأفعال غلبة منه على الله سبحانه . كما وان قوله ( ع ) ولم يطع مكرها تعريض بالمجبرة الذين ذهبوا إلى ان الإنسان مسير للقضاء الحتمي والقدر اللازم ولا يملك الاختيار في شيء من حالاته . ( * ) 

 

 

ص 231 :

وقد أورد في الكافي مجموعة من المرويات عن الأئمة ( ع ) تفسر المراد من القدر والقضاء الذي يجب الإيمان بهما وتنص على ان القدر والقضاء لا يسلبان إرادة العبد وقدرته على أفعاله ، مع العلم بأنه هو الذي أمد الإنسان شقيا كان في علم الله ، أم سعيدا بالقدرة والقوة على مزاولة أعماله والإتيان بها .


فقد جاء في رواية يونس بن عبد الرحمن عن حفص بن قرط عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) ان رسول الله ( ص ) قال : من زعم ان الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم ان الخير والشر بغير مشيئة الله فقد اخرج الله عن سلطانه ، ومن زعم ان المعاصي بغير قوة الإنسان فقد كذب على الله ، ومن كذب على الله ادخله الله النار ( 1 ) .


وروى عن علي بن الحكم عن صالح النيلي انه قال : سألت أبا عبد الله ( ع ) هل للعباد من الاستطاعة شيء فقال : إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها الله فيهم ، قلت وما هي ؟ قال الآلة ، مثل الزاني إذا زنى كان مستطيعا للزنى حين زنى ولو انه ترك الزنى ولم يزن كان مستطيعا لتركه إذا ترك ، ثم قال : ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ، ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعا ، قلت فعلى ماذا يعذبه ! قال بالحجة البالغة : والآلة التي ركبها فيهم ، ان الله لم يجبر احد ! على معصيته ، ولا أراد إرادة حتم الكفر من احد ، ولكن حين
 

 

( 1 ) فقد ابطل بهذه الرواية مزاعم الفريقين المجبرة والمفوضة لان من زعم ان الله يأمر بالسوء والفحشاء يدعى بأن ارادة الله هي التي تسير الانسان بنحو لا يملك من امره شيئا ومن زعم بأن الخير والشر بغير مشيئته تعالى فقد عزل الله من سلطانه فلا بد من الواسطة بين القولين وذلك بأن نقول : مع ان الله قض وقدر فقد اعطى الانسان القدرة على افعاله والقوة عليها فهو يفعل بالقدرة التي وهبها له على الفعل والترك ، فإذا فعل أو ترك يصح نسبة الفمل أو الترك إليه من حيث تساوي قدرته بالنسبة اليهما . ( * ) 

 

 

ص 232 :

 كفر كان في إرادة الله ان يكفر ، وهم في إرادته وفي علمه ان لا يصيروا إلى شيء من الخير ، قلت : أراد منهم ان يكفروا قال ليس هذا أقول ولكني أقول علم انهم سيكفرون فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست هي إرادة حتم وانما هي إرادة اختيار ( 1 ) .

 

 

( 1 ) والفقرة الأخيرة من هذه الرواية تؤيد ما علقناه على الرواية السابقة كما يبدو ذلك من قوله : علم انهم سيكفرون فأراد الكفر لعلمه فيهم ، أي انه لما علم بأنهم سيختارون الكفر بالقدرة التي خلقها الله فيهم بنحو يكون الوجود والعدم في مقدورهم . لما علم فيهم ذلك اراده فيهم إرادة اختيار أي إرادة تتعلق به من حيث اختيارهم له وقدرتهم على إيجاده وليست الإرادة في المقام إلا علمه باختيارهم الكفر والعصيان . ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب