دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 233 : -

من كتاب العلم في صحيح البخاري


لقد اشتمل كتاب العلم من الصحيح للبخاري على مجموعة من الأبواب المختلفة ، وحشد فيها طائفة من المرويات عن الرسول ( ص ) نذكر منها نماذج بنصها الحرفي ، وتترك للقارئ الحكم على هذه المرويات ومناسباتها .

فقد جاء في باب فضل العلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة انه قال : بينما النبي ( ص ) في مجلس يحدث القوم جاءه اعرابي فقاله : متى الساعة يا رسول الله ؟ فمضى النبي في حديثه ، فقال بعض القوم : لقد سمع رسول الله وكره قوله . وقال آخرون ، انه لم يسمع حتى إذا أنهى حديثه ، قال أين أراد السائل عن الساعة ؟ قال : ها أنا يا رسول الله ، قال : إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ، قال : كيف اضاعتها قال : إذا اسند الأمر إلى غير أهله ( 1 ) .


وفي باب ما جاء في العلم روى عن انس بن مالك انه قال : بينما نحن جلوس مع النبي ( ص ) في المسجد ، دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ، وقال لهم : أيكم محمد ( ص ) ، والنبي متكئ بين ظهرانيهم ، فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ ، فقال الرجل للنبي ( ص ) إني سائلك ومشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك ، فقال

 

( 1 ) وإسناد الأمر إلى غير أهله انما يكون إذا غلب الجهل على العلم وعمت الفوضى وانتشر الفساد والمنكر بين الناس . وأصبح أولياء الأمور من دعاة الشر والفساد . فعندها ينبغي للإنسان ان يعتصم بدينه ويترقب ساعة الخلاص والفرج . ( * ) 

 

 

ص 234 :

النبي ( ص ) سل عما بدا لك ، فقال أسألك بربك ورب من قبلك ، الله أرسلك إلى الناس كلهم ، فقال اللهم نعم ، قال انشدك بالله الله أمرك ان نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ، قال اللهم نعم ، قال انشدك بالله الله أمرك ان تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا وتقسمها على فقرائنا ، قال اللهم نعم ، قال الرجل : آمنت بما جئت به وانا رسولك لمن ورائي من قومي ( 1 ) .
 

وفي باب فضل من علم وعلم ، روى عن أبي بردة عن أبي موسى ان النبي ( ص ) قال : مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلاء والعشب الكثير ، وكانت منها اجادب امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى انما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به .


وفي باب رفع العلم وظهور الجهل روى عن انس بن مالك انه قال : لأحدثنكم حديثا لا يحدثكم به احد بعدي ، ، سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من اشراط الساعة ان يقل العلم ، ويظهر الجهل والزنا ، وتكثر
 

  ( 1 ) لم يكن الذين آمنوا بمحمد على وتيرة واحدة فمنهم المعاند الذي كان يتحكم ويقترح على النبي المعجزات والخوارق التي يعجز عن إيجادها الإنسان كانشقاق القمر وتكليم الحجر وتسبيح الحصى ونحو ذلك ومعلوم ان هذا النوع من الآيات إذا وجد النبي ضرورة ملحة إليها دعا الله لإيجادها ومنهم من آمن به حينما سمع آيات القران التي يعجز البشر عن الإتيان بمثله ومنهم من آمن به لانه يعلم من حاله بأنه لا يعرف الكذب ولا يقول الا الحق كالذي ردد عليه هذه الأسئلة ومنهم من اسلم دجلا أو خوفا وطمعا . ( * )   

 

ص 235 :

النساء وتقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد ( 1 ) .

ومن الممكن ان يكون المراد من قلة العلم وكثرة النساء وغيرهما من الفقرات التي تشتمل عليها، هو انه أخبار سينتهي إليه الإنسان وقد انتهى إلى أكثره وهو عدم استعمال العلماء علمهم فيما يعود على البشرية بالخير ويخفف عنها آلام

الفقر والبؤس والمرض ، وقد استعملوه بدلا عن ذلك للسيطرة على الشعوب واستغلال ثرواتها وخيراتها وضع آلات الدمار والخراب التي تستنزف القسم الأكبر من إمكانيات الشعوب وخيرات الأرض ، كما تضع الدول الكبرى في

عصرنا الحاضر التي تنفق آلاف المليارات على وسائل الدمار وعشرات الملايين يموتون جوعا هنا وهناك . فالعلم الذي يعطي هذه النتائج السيئة لا يعد علما مادام مسخرا لشهوات الإنسان وأهوائه بل هو في واقعه أسوأ من الجهل ،

وأضرار الجهل إذا قيست بأضراره لا تكون شيئا مذكورا ، ولو قدر لتلك الدول الكبرى التي تملك آلات الدمار ان تصطدم تتعرض البشرية لكارثة لا يحصي نتائجها الا الله ويصبح لكل خمسين امرأة رجل واحد ، كما وان أكثر المتقمصين لثوب رجل الدين ويتاجرون به يتسببون لتنكر الناس منه وحتى للخروج منه أحيانا .


وفي باب فضل العلم روى عن ابن عمر انه قال : سمعت النبي ( ص ) يقول : بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري

 

( 1 ) انظر ج 1 من صحيح البخاري ص 21 و 23 و 26 ولظاهرا ان هذه الأمور ليست من العلامات الحتمية لقيام الساعة وليست من أسبابها وانما هي من المقارنات بمعنى انه عند حدوث الساعة لا بد وان يكون العالم في مثل هذه الحالات من الفوضى وانتشار الفساد والمنكرات وانصراف لناس عن الأديان وأهلها . ( * ) 

 

 

ص 236 :

يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب ، قالوا فما أولته يا رسول الله قال : بالعلم !


وفي باب الحرص على الحديث روى عن أبي هريرة انه قال : قيل يا رسول الله : من اسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة فقال لقد ظننت يا أبا هريرة ان لا يسألني عن هذا الحديث احد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث ، اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلا الله خالصا من قلبه ونفسه .


لقد روى هذا الحديث أبو هريرة ليثبت ان الرسول قد شهد له بالحرص على رعاية الحديث في مقابل الشبهات التي أثيرت حوله حينما أكثر من الرواية عنه وتعرض للتكذيب والضرب أحيانا واعرض الناس عن حديثه .


وفي باب كتابة العلم روى عن عبد الله بن العباس انه قال : لما اشتد برسول الله الوجع قال : آتوني بدواة وكتف اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فقال عمر بن الخطاب : ان النبي قد غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط ، فقال النبي ( ص ) قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع فخرج ابن عباس وهو يقول : الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه ( 1 ) .


وأكثر المحدثين رووا عنه انه قال ان النبي ليهجر أي انه يتكلم بدون وعي وتصور من شدة الوجع والألم .


وروى في باب حفظ العلم عن أبي هريرة انه قال : ان الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت أحدا ، ثم

  ( 1 ) انظر ج 1 ص 27 و 30 و 32 من الصحيح للبخاري . ( * )   

 

ص 237 :

قال : ان اخواننا المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وان اخواننا الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وان أبا هريرة كان يلزم رسول لله ( ص ) ليشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لا يحفظون .


وروى عنه انه قال قلت لرسول الله : اني اسمع منك حديثا كثيرا أنساه ، قال ابسط ردائك فبسطته فغرف بيده ، ، ثم قال ضمه فضممته فما نسيت شيئا بعده وقال : حفظت من رسول الله وعاءين ، اما احدهما فبثثته ، واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم ( 1 ) .
 

 

( 1 ) وبالطبع ان الوعاء الثاني الذي لم يحدث به أبو هريرة هو الأسرار الإلهية التي لا تتحملها عقول البشر ، ولم يحط بها علما سوى النبي ( ص ) وأبو هريرة ، ولذا لو حدث بها لقطع المسلمون بلعومه لان العقول لا تتحملها في عصر الصحابة الأولين ، ولما جاء دور معاوية والأمويين وجد مجالا لبثه فحدث منه عن فضل الأمويين والشام وسكانها وفضائل عثمان ومعاوية وغيرهما ممن أعلن العداء لعلي ( ع ) وآله الكرام . انظر ص ، 24 و 37 . ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب