دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 238 : -

من كتاب العلم في الكافي


روى الكليني في باب فرض العلم ووجوب طلبه عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) ان رسول الله ( ص ) قال : طلب العلم فريضة على كل مسلم ، إلا ان الله يحب بغاة العلم .


وروى عن الفضل بن عمر انه قال : سمعت أبا عبد الله ( ع ) يقول : عليكم بالتفقه في الدين ، لا تكونوا أعرابا ، فان من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ، ولم يزك له عملا .


وروى عن جميل بن دراج ان ابان بن تغلب قال : سمعت الإمام الصادق يقول : لوددت ان أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا في دينهم .


وروى عن أبي حمزة الثمالي ان أبا جعفر الباقر كان يقول : عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين عابدا ( 1 ) .


وروى عن السكوني انه قال : روى الإمام الصادق عن آبائه ان رسول الله ( ص ) قال : لا خير في العيش إلا لرجلين عالم مطاع أو مستمع داع .

 

( 1 ) ومن هذه الرواية يظهر ان العلم مهما كان نوعه إذا أفاد الناس في معاشهم أو معادهم يكون محبوبا لله سبحانه . والعالم الذي يتجه بعلمه لخير الإنسان إذا كان مؤمنا بالله ورسله أفضل من العابد بسبعين مرة لان العابد لا ينفع إلا نفسه ، والعالم الذي يستعمل علمه في الخير ينفع الملايين من البشر لأنه يسهل لهم سبيل الحياة الحرة الكريمة ، ويقربهم إلى الله سبحانه . ( * ) 

 

 

ص 239 :

وروى عن حماد بن عيسى عن القداح عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) ان رسول الله ( ص ) قال : ان فضل العالم على العابد كفضل القمر على النجوم ليلة البدر . وان العلماء ورثة الأنبياء ، وانهم لم يورثوا غير العلم فمن أخذ منه اخذ بحظ وافر .

وروى عن أبي بصير ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : من علم خيرا فله مثل أجر من عمل به ، قلت فان علمه غيره يجري ذلك له ؟ قال : ان علمه الناس كلهم جرى له ، قلت فان مات ، قال : وان مات .


وفي باب صفة العلماء ، روى عن معاوية بن وهب ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار ، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم ، ولمن طلبتم منه العلم ، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم .


وروى عن الحارث بن المغيرة ، ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : في تفسير قوله تعالى : ( انما يخشى الله من عباده العلماء " ان الآية تعني بالعلماء من صدق فعله قوله ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم .


وروى عن الحلبي عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) ان أمير المؤمنين ( ع ) كان يقول : ألا أخبركم بالفقيه ؟ الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ، ومن لم يؤمنهم من عقاب الله ، ولم يرخص لهم في معصية ا لله ، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره ، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم ، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تدبر ، ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها ، ألا لا خير في نسك لا ورع فيه .


وروى عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله ( ع ) ان أمير المؤمنين ( ع ) كان يقو ل : يا طالب العلم ان للعلم ثلاث علامات . العلم 

ص 240 :

والحلم والصمت ، وللمتكلف ثلاث علامات ، ينازع من فوقه بالمعصية ، ويظلم من دونه بالغلبة ، ويظاهر الظلمة ( 1 ) .

وروى عن أبي جعفر الباقر : ان علي بن الحسين ( ع ) كان يقول : يسخي نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله عز وجل : " أولم يروا انا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها " وهو ذهاب العلماء ( 2 ) .

وروى عن سفيان بن عيينة ان أبا جعفر الباقر ( ع ) قال : لمجلس أجلسه إلى من أثق به أوثق في نفسي من عمل سنة

وروى في باب النهي عن القول بغير علم روي عن أبي عبيدة الحذاء ان أبا جعفر الباقر ( ع ) قال : من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، ولحقه وزر من عمل بفتياه .

وروى عن داود بن فرقد ان عبد الله بن شبرمة احد القضاة لأبي جعفر المنصور قال : ما ذكرت حديثا سمعته من جعفر بن محمد ، إلا كاد قلبي ان يتصدع . قال : حدثني أبي عن جدي عن رسول الله ( ص ) قال ابن شبرمة واقسم بالله ما كذب أبوه على جده ولا جده على رسول الله ( ص ) ، وان رسول الله ( ص ) قال : من عمل بالمقاييس فقد هلك واهلك ، ومن أفتى الناس بغير علم وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك واهلك .

وفي باب استعمال العلم روى عن أمير المؤمنين ( ع ) انه سمع

 

( 1 ) أي يكون لهم عونا ونصيرا على ظلمهم .
( 2 ) والمقصود من الرواية ان الآية الكريمة تجعل نفسه سخية في حب الموت أو القتل . انظر ص 20 و 31 و 32 و 35 و 36 و 38 من المجلد الأول أصول الكافي
. ( * ) 

 

 

ص 241 :

النبي ( ص ) يقول : العلماء رجلان : رجل عالم اخذ بعلمه فهذا ناج ، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك ، وان أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه ، وان اشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فأدخله الجنة ، وادخل الداعي النار لتركه عمله واتباعه الهوى وطول الأمل ، وأضاف إلى ذلك ، ان اتباع الهوى يصد عن الحق ، وطول الأمل ينسي الآخرة .


وروى في باب المستأكل بعلمه ، والمباهي به عن حفص بن غياث القاضي عن أبي عبد الله ( ع ) انه قال : إذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه على دينكم ، فان كل محب لشيء يحوط ما أحب ، وأضاف إلى ذلك ان الله أوصى إلى داود ، لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي ، فان أولئك قطاع طريق وان ادني ما انا صانع بهم ان انزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم .


وروق النوفلي عن السكوني ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) روى عن رسول الله ( ص ) انه قال : الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا ، قيل يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا قال : اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم ( 1 ) .


وروى عن أبي بصير ان أبا جعفر الباقر ( ع ) قال : ان المقصود بقوله تعالى : " فكبكبوا فيها هم والغاوون " هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره ( 2 ) .
 

 

( 1 ) لقد روى الكليني في هذه الأبواب عن ابن عيينة ، وابن شبرمة والسكونى والنوفلي وحفص بن غياث . وكلهم من محدثي العامة وفقهائهم . ومن ذلك يتبين افتراء من يدعى ان الشيعة لا يروون عن غيرهم . ولا يقبلون مرويات السنة عن الرسول حتى ولو كان رواتها من المعروفين بالصدق والاستقامة . ( 2 ) انظر ص 45 و 46 و 47 نفس المصدر . ( * ) 

 

 

ص 242 :

وقد روى الكليني في كتاب العلم مجموعة من الأحاديث حول العلم وأثره في توجيه الإنسان توجيها صحيحا يرفع من شأنه ويسهل له العيش الكريم والحياة الحرة الآمنة .

ولا يهمنا ان نستقصي جميع ما رواه حول هذه المواضيع ، والذي يعنينا عرض بعض الأمثلة من الكتابين الكافي والصحيح للبخاري للمقارنة بينهما في مختلف المواضيع ، مع العلم بأنهما يطتقيان في كثر من المرويات في الجوهر والغاية ان اختلفا في الأسلوب والإسناد .


وفي باب البدع والرأي والمقاييس روى عن يونس بن عبد الرحمن ان أبا الحسن موسى بن جعفر ( ع ) قال : يا يونس لا تكونن مبتدعا ، من نظر برأيه هلك ، ومن ترك أهل بيت نبيه ضل ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر .


وروى عن يونس عن قتيبة ان رجلا سأل أبا عبد الله ( ع ) عن مسألة فأجابه عليها فقال الرجل : أرأيت ان كان كذا وكذا ما يكون القول فيها قال له الإمام ( ع ) مه ما أجبتك عن شيء فهو عن رسول الله ( ص ) لسنا من أرأيت في شيء ( 1 ) .
 

وجاء في باب اختلاف الحديث عن سليم بن قيس الهلالي ان أمير المؤمنين عليا ( ع ) قال في جواب من سأله عن الأحاديث المختلفة حول تفسير القران وأحاديث الرسول . ان الناس كانوا يكذبون على رسول الله ( ص ) في حياته ، فقام خطيبا في أصحابه ، وكان مما قال : أيها الناس لقد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار

 

( 1 ) هذه الرواية تنص على انهم ( ع ) لا يقولون شيئا عن عن طريق الظن والاجتهاد وكل ما يقولونه في أمور الدين فهو مما ورثوه عن جدهم الرسول ( ص ) وروى في الكافي بهذا المضمون أكثر من رواية لتأكيد هذا المعنى . ( * ) 

 

 

ص 243 :

وأضاف إلى ذلك علي ( ع ) : ان الناس قد كذبوا عليه بعد وفاته ، وقد أتاكم الحديث من أربعة لا خامس لهم . رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج ان يكذب على رسول الله متعمدا فلو علم منه الناس انه منافق

كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه ، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله ( ص ) ورآه وسمع منه ، فأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله . وقد اخبر الله سبحانه عن المنافقين بقوله وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم ،

وبقي هؤلاء بعده فتقربوا إلى أئمة الضلال والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال وحملوهم على رقاب الناس . ورجل سمع من رسول الله ( ص ) شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه لم يتعمد كذبا ، فهو في يده

يقول به ويعمل فيه ويرويه فيقول أنا سمعته من رسول الله ( ص ) ولو علم المسلمون انه وهم لم يقبلوه . ورجل ثالث سمع من رسول الله ( ص ) شيئا أمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ، ثم أمر به وهو لا يعلم

فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ، ولو علم انه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون بحاله لرفضوه . ورجل رابع لم يكذب على رسول الله ( ص ) مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله ( ص ) حفظ ما سمع على وجهه ،

فجاء به كما سمع ، وعلم الناسخ من المنسوخ ، فان أمر النبي مثل أمر القرآن ناسخ ومنسوخ ، وعام وخاص ، ومحكم ومتشابه ، وقد كان يكون من رسول الله الكلام له وجهان ، مثل القرآن ، وقد قال الله في كتابه : ما آتاكم

الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، فيشتبه الحال على من لم يعرف وما يدري ما عنى الله به ورسوله ، وليس كل أصحاب رسول الله كان يسأله عن الشيء فيفهم ، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه ، حتى إنهم كانوا يحبون ان يجئ الأعرابي والطاري فيسأل الرسول حتى 

ص 244 :

يسمعوا ، وكنت ادخل على رسول الله كل يوم دخلة ، وكل ليلة دخلة فيخليني فيها ادور معه حيث دار ، وقد علم أصحاب رسول الله انه لم يفعل ذلك مع احد من الناس غيري ، فكنت ان سألته اجابني، وان سكت عنه وفنيت مسائلي

ابتدأني فما نزلت عليه آية الا اقرأنيها وأملاها على فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها وعامها وخاصها ، ودعا الله ان يعطيني فهما وحفظا فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه علي وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا .


وروى عن ابن عائشة البصري ان أمير المؤمنين ( ع ) قال : أيها الناس اعلموا انه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه ، ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه ، الناس أبناء ما يحسنون ، وقدر كل أمرء ما يحسن ، فتكلموا في العلم تبين أقداركم .


وروى في باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب ، عن السكوني ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال ان رسول الله كان يقول : ان على كل حق حقيقة ، وعلى كل جواب نورا ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه .


وروى عن ابن أبي يعفور، ان الإمام الصادق ( ع ) قال : إذا ورد عليكم حديث ووجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله ، وإلا فالذي جاءكم به أولى به ، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف ومردود على من جاء

به ، إلى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد ان آرائهم في أصول الدين وفروعه لا تتخطى كتاب الله وسنة رسول الله ( ص ) ، وان ما عندهم من العلم قد ورثوه عن جدهم الأعظم ( ص ) لا يبتني على الاجتهاد والحدس ،

ولا على القياس والاستحسان ، وقد صح عن الإمام الصادق ( ع ) انه قال : حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي ، وحديث جدي ، حديث رسول الله ، وحديث رسول الله قول الله ، لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحى يوحى.

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب