دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 285 : -

من الكافي

لقد أوردنا هذه النماذج من مرويات الصحيح للبخاري من غير ان تتعرض لأسانيدها وأحوال رواتها ، بالرغم من توفر الطعون في كثير منها حسب الأصول المقررة عند السنة لمعرفة أحوال الرواة ، مع العلم بان تلك الأصول لا يطبق منها شيء على رجال البخاري ومروياته في الغالب ، لان كل من روى عنه فقد جاز القنطرة على حد تعبير المقدسي.

واكتفينا ببعض التعليقات والملاحظات على بعض تلك المرويات نظرا لبعدها عن منطق الإسلام القويم ، الذي يتحدى الأوهام والخرافات .

ويحكم العقل والكتاب والسنة المطهرة في كل ما ينسب إليه من أقوال وآراء وتشريعات .
 

ونتمنى ان لا تضيق صدور اخواننا السنة من تلك الملاحظات ، فانا لم نقصد بها إلا إحقاق الحق وتنزيه السنة الكريمة من تلك المرويات التي تسئ إليها وتطمس من أنوارها ومعالمها .

على انا سنقف من مرويات الكافي نفس الموقف الذي وقفناه من مرويات البخاري عندما نجد ما يوجب الوقوف وابداء الملاحظات اللازمة .

وسنتعرض لبعض النماذج من مرويات الكافي حول الأصول والأخلاق والمعرفة ونحو ذلك بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقا من كتاب التوحيد والعلم والقدر
 

ص 286 :

فقد روى في كتاب العقل والجهل من المجلد الأول عن النوفلي ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : قال رسول الله : إذا بلغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حسن عقله ، فإنما يجازى الإنسان بعقله .
 

وروى عن هشام بن الحكم ، ان أبا الحسن موسى ( ع ) قال له : يا هشام ان الله أكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبيين بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلة ، فقال : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، وما انزل الله من السماء من ماء فاحيا به الأرض بعد موتها ، وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون "


وأضاف إلى ذلك ان العقل مع العلم ، قال تعالى : ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) .

ومن هذه لآيات والمرويات يتبين ان الإسلام قد اعتمد على العقل والعلم في أصوله وفروعه واعتبر الإيمان الحاصل بالوراثة والتقليد ناقصا إذا لم يتأكد بالدليل والبرهان .

وقد ندد بالذين لا يعقلون بقوله : " وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ " .

وقال : " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ " .


وجاه في الحديث عن هشام
، ان الإمام ( ع ) قال له : يا هشام ان لله على الناس حجتين ، حجة ظاهرة وحجة باطنة فاما الظاهرة فالرسل
 

ص 287 :

والأنبياء والأئمة ( ع ) ، واما الباطنة فالعقول ، يا هشام كان أمير المؤمنين ( ع ) يقول : ما عبد الله بشيء أفضل من العقل ، وما تم عقل امرء حتى تكون فيه خصال شتى ، الكفر والشر منه مأمونان ، والرشد والخير مأمولان ، فضل

قوله مكفوف ونصيبه من الدنيا القوت ، لا يشبع من العلم دهره ، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره ، ويستقل كثير المعروف من نفسه ، ويرى الناس كلهم خيرا

منه ، وانه شرهم في نفسه ، في حديث طويل عرض فيه الإمام ( ع ) الحالات التي تكشف عن عظمة العقل وخصائصه ، وما ينتج عنه من الفوائد التي تسمو بالإنسان وترفع من شأنه ، وتساهم في بناء المجتمع السليم الذي تسوده العدالة ويوفر السعادة والرفاهية لجميع بني الإنسان ( 1 ) .


وروى في باب الاضطرار إلى الحجة عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) ان رجلا سأله ، من أين اثبت الأنبياء والرسل ؟ قال ( ع ) : انا لما أثبتنا إذ لنا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق وكان ذلك الصانع حكيما

متعاليا لم يجز ان يشاهده خلقه ، ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجهم ويحاجوه ، ثبت ان له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون

بالمعروف والناهون عن المنكر ، والمعبرون عنه جل وعز ، وهم الأنبياء صفوته من خلقه غير مشاركين للناس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين لكيلا تخلو ارض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته ( 2 ) .
 

 

( 1 ) انظر ص 12 إلى ص 22 ، ج 1 ، من الكافي .              ( 2 ) نفس المصدر ، ص 168 ( * ) .

 

 

ص 288 :

وفى باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث روى عن الحسن بن العباس انه كتب إلى الإمام الرضا ( ع ) يسأله عن الفرق بين الرسول والنبي والإمام ( ع ) فكتب في جوابه ، ان الرسول هو الذي ينزل عليه جبرائيل فيراه ويسمع كلامه ، وينزل عليه الوحي ، وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ( ع ) ، والنبي ربما سمع الكلام ، وربما رأى الشخص ولم يسمع كلامه ، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص ( 1 ) .


وروى عن ثعلبة بن ميمون ان زرارة قال سألت أبا جعفر ( ع ) عن قول الله سبحانه ، وكان رسولا نبيا ؟ قال ( ع ) : ان النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك ، والرسول هو الذي يسمع ويرى في المنام ويعاين الملك ، قلت : الإمام ما منزلته : قال يسمع الصوت ولا يعاين الملك ، ثم تلا هذه الآية ، وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث
 

والآية الموجودة في القرآن الكريم ، الم ترد فيها كلمة محدث والالتزام بصحة الرواية يلزمه القول بنقص القرآن ، والإمامية سوى من

 

( 1 ) ص 176 ، ومقتضى هذه الرواية ان الإمام يشارك الرسول والنبي في سماع الكلام ولكنه لا يرى جبرائيل كما يراه النبي والرسول ، وقد وصف المجلسي في مرآة العقول هذه الرواية بالجهالة ، وعلى تقدير صحة الرواية فسماع الأئمة للكلام ليس عن طريق الوحي .

ونص الشيخ المفيد في أوائل المقالات : على ان العقل لا يحيل ذلك ، ولكن الإجماع قد تم على ان من زعم ان أحدا بعد نبينا ( ص ) يوحى إليه فقد اخطأ وكفر لحصول العلم بذلك من دين النبي ، فيكون المراد من السماع الذي يصح بالنسبة إليهم ، ان الله سبحانه قد يلقي في أذهانهم أمورا تتعلق بما سيكون فيخبرون عنها ، أو تبقى مخزونة عندهم وجاء في البخاري عن أبي سلمة وأبى هريرة ، ان النبي قال : لقد كان فيمن كان قبلكم قوم يكلمون وليسوا أنبياء ، فان يكن من أمتي منهم احد فذاك عمر بن الخطاب . ( * ) 

 

 

ص 289 :

شذ منهم لا يلتزمون بذلك ، ومن الجائز ان يكون إلحاق الإمام لكلمة ولا محدث بالآية من حيث مرادفتها لهما ولأحدهما ، لا من حيث انها من القرآن .

هذا بالإضافة إلى ان الراوي لها احمد بن محمد ، والظاهر انه ابن خالد البرقي ، وهو وان كان ثقة في نفسه كما يرى ذلك بعض المؤلفين في الرجال ، إلا انه يروي عن الضعفاء ، ويعتمد المراسيل ، وقد أخرجه من قم محمد بن احمد بن عيسى ، ونسب إليه الغلو في الأئمة ( ع ) وأكثر المؤلفين في الرجال متفقون على تضعيف مروياته ( 1 ) .

والذي يدعو إلى الشك في هذه الرواية أكثر من أي شيء آخر هو إضافة هذه الزيادة إلى الآية ، اما اعطاء الإمام صفة المحدث الذي يسمع ولا يرى ، فقد ورد نظيره في صحيح البخاري عن الأمم السابقة وان عمر ابن الخطاب من هذه الأمة أهل لان يكون محدثا كما تؤكد ذلك رواية ابي سلمة وأبي هريرة عن النبي ( ص ) ( 2 ) .
 

وإذا جاز ذلك على عمر بن الخطاب وغيره ممن كانوا يجالسون النبي ، ( ص ) ونالوا بذلك شرف الصحبة ، فيجوز ذلك على الأئمة ( ع ) أبناء الرسول الذين ورثوا علمه وصفاته ، بل وحتى على صلحاء المؤمنين الذين عملوا بأمره ، واتبعوا سيرته وسنته بقلوب عامرة بالإيمان مطمئنة بما أعده الله للعاملين المتقين وللعصاة والمتجبرين .


وروى في باب معرفة الإمام ( ع ) عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة ، ان أبا جعفر الباقر ( ع ) قال : انما يعبد الله من يعرف الله ، فاما من لا يعرفه ، فانما يعبده هكذا ضلالا ( 3 ) .
 

 

( 1 ) انظر إتقان المقال للشيخ محمد طه ص 16 .
( 2 ) انظر 295 ، ج 2 ، من الصحيح للبخاري .
( 3 ) أي كعبادة جماهير الناس الذين يساقون في أكثر أعمالهم وعباداتهم تقليدا للآباء والأمهات
. ( * ) 

 

 

ص 290 :

قلت جعلت فداك فما معرفة الله ، قال : تصديق الله ورسوله وموالاة على ( ع ) والائتمام به وبأئمة الهدى ( ع ) والبراءة إلى الله من عدوهم ، هكذا يعرف الله عز وجل .

ان موالاة علي وأبنائه الأئمة الهداة التي تعنيها هذه الرواية لا يراد منها إلا الرجوع إليهم والسير على طريقهم ، والتمسك بسيرتهم التي تعكس وجه الإسلام الصحيح وتجسد روح القرآن ومبادئ النبي الكريم ذلك لان عليا لم ينحرف

لحظة واحدة منذ صباه عن نهج محمد وسيرته ، ولم يقال به النبي ( ص ) كما يزعم حاسدوه حينما قال له في خيبر ، لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، وحينما قال له : لا يبغضك إلا منافق ، ولا يحبك إلا

مؤمن ، وأنت مع الحق تدور معه كيفما دار ، وحينما قال فيه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره إلى غير ذلك من المدائح التي كانت تحز ألما في قلوب حاسديه حنقا وغيضا ، ولما جاء دور أبنائه أعادوه حيا

وجسدوه في أعمالهم وسيرتهم ، وجميع المراحل التي مروا بها ، لم ينحرفوا لحظة واحدة عن مخططه ومبادئه ، فموالاتهم ومتابعتهم متابعه للإسلام وللرسول وقرآن ، وأعداؤهم أعداء لله ولرسوله ولكتابه .


وروى عن أبي حمزة ان أبا جعفر الباقر ( ع ) قال لجماعة من المسلمين يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلا ، وانتم بطرق السماء اجهل منكم بطرق الأرض فاطلبوا لأنفسكم دليلا ( 1 ) .


وروى عن محمد بن زيد الطبراني انه قال : كنت قائما على رأس

 

( 1 ) ص 182 ، والمقصود من ذلك ان الخلق لا بد لهم من دليل على الله ورسوله ، والأئمة هم الادلاء على الله كما نصت على ذلك طائفة من المرويات في هذا الباب . ( * ) 

 

 

ص 291 :

الإمام الرضا ( ع ) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي ، فقال إسحاق : بلغني انك تقول : ان الناس عبيد لنا ، فقال ( ع ) لا وقرابتي من رسول الله ما قلت هذا قط ، ولا سمعته من آبائي ، ولا بلغني عن احد من آبائي قاله . ولكني أقول : ان الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين ، فليبلغ الشاهد الغائب ( 1 ) .
 

وروى في باب الأئمة نور الله في الأرض عن صفوان بن يحيى والحسن بن محبوب عن أبي خالد الكابلي ، انه قال : سألت أبا جعفر الباقر ( ع ) عن قول الله :( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ) فقال يا أبا خالد النور والله نور

الأئمة ( ع ) من آل محمد إلى يوم القيامة وهم والله نور الله في السموات والأرض ، والله يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار ، وهم والله ينورون قلوب المؤمنين ويحجب الله نورهم عمن يشاء

فتظلم قلوبهم ، والله يا أبا خالد لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه ، ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ، فإذا كان سلما لنا سلمه الله من شديد الحساب ، وآمنه

 

( 1 ) ص 187 نفس المصدر ، والذي أراده الإمام ( ع ) ان على الناس ان يرجعوا إليهم في أمور الدين ، ويعملوا بما يأمرون به وينهون عنه ، لأنهم اعرف بالله وأحكامه وبالقران ومحتوياته من سائر الناس ، فعليهم ان يقولوا وعلى الناس ان يسمعوا ويطيعوا ، لأنهم ينطقون بلسان جدهم ، ويحدثون بأحاديثه ، وبذلك يمكن تفسير ما جاء في الكافي حول هذا الموضوع ، مثل قولهم من عرفنا كان مؤمنا ، ومن أنكرنا كان كافرا أو ضالا أي ان من اتبع أوامرهم وانتهى عما نهوا عنه ، كان مؤمنا لان أوامرهم لا تعدو أوامر الله ورسوله ومن أنكرهم وتجاهلهم ، فقد أنكر كتاب الله ، لأنهما لن يفترقا حتى يردا على رسول الله . ( * ) 

 

 

ص 292 :

من فزع يوم القيامة ( 1 ) .
 

وقد روى الكليني حول هذا الموضوع بعض الروايات التي لا يمكن الاطمئنان إليها والتغاضي عنها سندا ومتنا ، فمن ذلك ما رواه عن صالح ابن سهل الهمداني ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال في تفسير قوله تعالى :

( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) قال : ان المشكوة هي فاطمة ( ع ) ، والمصباح هو الحسن بن علي ( ع )

( مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ) الحسين بن علي

( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) ، فاطمة كوكب درى بين نساء أهل الدنيا ، والشجرة المباركة هي إبراهيم

( زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ) أي لا يهودية ولا نصرانية

( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) أي يكاد العلم يتفجر منها

" َلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ " أي إمام بعد إمام

" يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء " أي إلى الأئمة ( ع )

" كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ " الخليفة الأول والثاني

" يَغْشَاهُ مَوْجٌ " الخليفة الثالث

" ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ " معاوية بن أبي سفيان وبني أمية

" وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا " أي إماما من ولد فاطمة ( ع )

" فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ " أي ما له إمام يوم القيامة .

 

( 1 ) ص 194 ، لقد عد المجلسي في شرح أصول الكافي هذه الرواية من الروايات الضعيفة ، لان في سندها أبا خالد الكابلي ، ولو تغاضينا عن هذه الناحية ، فالمراد من النور الوارد فيها هو المعرفة التي ترشد إلى الخير والحق وتدلهم على الله سبحانه ، وقد وصف الأئمة بأنهم نور السموات في الأرض من حيث ان متابعتهم والاقتداء بهم من أفضل الطرق الموصلة لمعرفة الله وامتثال أوامره وأقربها وهم ينورون قلوب المؤمنين بإرشاداتهم ونصائحهم وتعاليمهم ، فمن اتبعهم فقد اهتدى إلى الطريق الموصل إلى الله ، ومن حاد عنهم فقد اظلم قلبه وضل سواء السبيل . ( * ) 

 

 

ص 293 :

قد يضطر الباحث إلى التأويل أو التفسير أحيانا لتوضيح المراد من الرواية على شرط ان لا يكون التأويل بعيدا وان لا يخرج عن حدود المنطق والعقل ، كما هو الحال في الروايات السابقة وأمثالها .
 

أما هذه الرواية ونظائرها فلا تقبل التأويل ولا يجوز للباحث المجرد ان يتجاهل عيوبها ، ذلك لان التفسير الذي نسبه الراوي إلى الإمام الصادق ( ع ) بعيد كل البعد عن ظاهر الآية الكريمة ، ولا يزيده الأسلوب القرآني ، هذا بالإضافة إلى ان الإمام الصادق ارفع شأنا واجل قدرا وابعد تفكيرا من ان يهاجم الخلفاء الثلاثة بهذا الأسلوب البعيد عن منطقه ومنطق آبائه الكرام ، وينتحل لنفسه ولجدته فاطمة وللائمة ( ع ) العظمة عن طريق هذه التأويلات التي لا يؤيدها النقل ، ولا يقرها العقل .

على ان هذه الرواية قد رواها سهل بن زياد عن محمد بن الحسن ابن شمون .

ورواها ابن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن الاصم ، ورواها عبد الله هذا عن عبد الله بن القاسم ، ورواها عبد الله بن القاسم عن صالح ابن سهل الهمداني ، وهؤلاء كلهم من المتهمين بالكذب ودس الأحاديث بين روايات أهل البيت ( ع ) كما نص على ذلك المؤلفون في الرجال .

فقد جاء في إتقان المقال : ان محمد بن الحسن بن شمون بصري من الغلاة .

وقال عنه النجاشي انه كان واقفيا ، ثم غلا في التشيع ، وهو ضعيف جدا وفاسد المذهب على حد تعبير النجاشي .

وقال عنه التفريشي في كتابه نقد الرجال : انه كان من الغلاة ضعيف متهافت لا يلتفت إليه ولا إلى مصنفاته ، وسائر ما ينسب إليه ( 1 ) .

 

( 1 ) انظر ص 342 من الإتقان للشيخ محمد طه وغيره من كتب الرجال . ( * ) 

 

 

ص 294 :

وجاء في الإتقان ان عبد الله بن عبد الرحمن الاصم من الغلاة ضعيف لا يلتفت إليه .

وقال فيه التفريشي في نقد الرجال : ان كتابه الزيارات يدل على خبث عظيم ، ومذهبه متهافت ، وكان من كذابة أهل البصرة . ونس على ان عبد الله بن البطل الحارثي كذاب غال ضعيف متروك الحديث معدول عن ذكره ، وأكد ذلك العلامة في كتابه الخلاصة .

وأضاف إلى ذلك في إتقان المقال : ان عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل كذاب من الغلاة ، يروي عن الغلاة لا خير فيه ولا يعتد بمروياته .

وجاء في كتب الرجال عن صالح بن سهل الهمداني الذي روى عن أبي عبد الله مباشرة ، جاء عنه انه قال : كنت أقول في الصادق بالربوبية ، فدخلت عليه فلما نظر إلي قال يا صالح : انا والله عبيد مخلوقون لنا رب نعبده وان لم نعبده عذبنا .

وقال التفريشي في نقد الرجال ، ان صالح بن سهل من المذمومين والغلاة الكذابين وضاع للحديث لا خير فيه ولا في سائر مروياته ( 1 ) .


ويجد الباحث في مرويات الكافي التي من هذا النوع مجالا واسعا لرفضها وعدم الاعتداد بها ، لا من حيث اشتمالها على ما يخالف ظاهر الكتاب فحسب بل من حيث ان رواة هذا النوع من الأحاديث لم يثبتوا في وجه الطعون والانحرافات إلي وجهها إليهم الذين أحصوا تاريخ الرجال وأحوالهم ، كما تبين ذلك من الأمثلة السابقة وهذا لا يعني ان كل ما يرويه احد من هؤلاء المتهمين والمشبوهين يتعين طرده ، لجوازان يروي

 

( 1 ) انظر الإتقان للشيخ محمد طه ص 306 و 316 ورجال المرزا محمد وغيره من كتب الرجال . ( * ) 

 

 

ص 295 :

بعض الضعفاء والمذمومين عن أصل معتبر عند الطبقة الأولى من الرواة : أو يأخذ الرواية ممن يصح الاعتماد عليه والركون إليه ، أو تكون الرواية مدعومة بالقرائن والشواهد ، ونحو ذلك مما يوجب الوثوق بصدورها وان لم يكن الراوي لها من حيث ذاته موثوقا ومعتمدا عند المؤلفين في أحوال الرواة .


ومن أمثلة ذلك ما جاء عن احمد بن هلال ، فقد قال عنه العلامة في الخلاصة ان الشيخ ابا علي بن همام قال ، انه ملعون على لسان الحجة محمد بن الحسن ( ع ) .

وجاء في الفهرست للشيخ الطوسي ، انه كان غاليا متهما في دينه .

وجاء في الكشي : انه متصنع فاجر ، وقيل عنه أيضا انه كان متشيعا ورجع عن التشيع إلى النصب .

وأكثر المؤلفون في الرجال من الطعن عليه ، ومع ذلك ، فقد اعتمد جماعة على مروياته فيما يرويه عن ابن محبوب من كتاب المشيخة ، وعن محمد ابن أبي عمير من نوادره ، من حيث ان الكتابين المذكورين من الكتب المعروفة عند أكثر محدثي الشيعة ، أو لانه روى عنهما في حال استقامته وقبل خروجه عن التشيع الصحيح ( 1 ) .


ومن الأمثلة أيضا ما رواه الكليني بعنوان ان الأئمة أركان الأرض عن احمد بن مهران ، ش محمد بن علي ، ومحمد بن يحيى ، واحمد بن محمد عن محمد بن سنان ، عن المفضل بن عمر ، ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : ما جاء به علي ( ع ) آخذ به ، وما نهى عنه أتنهى عنه ، جرى له الفضل مثلما جرى لمحمد ( ص ) ، ولمحمد الفضل على جميع من خلق الله

 

( 1 ) انظر إتقان المقال ص 258 و 259 ( * ) .

 

 

ص 296 :

عز وجل ، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله ورسوله والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله كان أمير المؤمنين باب الله الذي لا يؤتى إلا منه ، وسبيله الذي من سلك غيره هلك ، وأضاف إلى ذلك . انه كان يقول : أنا قسيم الله بين الجنة والنار ، وأنا الفاروق الأكبر ، وأنا صاحب العصا والميسم ( 1 )


ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما اقروا به لمحمد ( ص ) إلى غير ذلك من الصفات التي اشتملت عليها هذه الرواية ومع انه يمكن تفسيرها تفسيرا مقبولا يتفق مع مقام علي ( ع ) ومكانته ، وينسجم مع بعض الروايات الصحيحة التي جعلته فوق مستوى الناس أجمعين ما عدا النبيين والمرسلين ، مع ذلك فالرواة لها ، من المتهمين بالانحراف عن مخطط التشيع الصحيح .

فاحمد بن مهران الراوي الأول لها ، قد وصفه العلامة الحلي في خلاصته بالضعف ، وأكد ذلك غيره من المؤلفين في أحوال الرواة .

ومحمد بن علي الراوي الثاني لها ، فسواء كان ابن إبراهيم أبا جعفر القرشي ، أو كان ابن إبراهيم الهمداني ، أو ابن بلال أبا طاهر ، أو

 

( 1 ) المتعقب هو المترض عليه أو المتردد في شيء منها ، لأنه لا يحكم إلا بحكم الله ورسوله ، فمن رد حكمه فقد رفض حكم الله ، ومن طعن عليه فقد طعن على رسوله : وهو باب الله من حيث انه الدليل والمرشد إلى الله سبحانه ، وقد جعله الله قسيما بين الجنة

والنار بمعنى ان حبه ومتابعته في أقواله وأفعاله يوجب لاتباعه ومحبيه الجنة والذي لا يتابعه ولا يتولاه وينتقصه خارج عن حدود ما أمر الله ، ومن كان كذلك كان مصيره إلى النار ، وقد قال له الرسول : يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ، فكونه

القسيم للجنة والنار من حيث ان أهل الجنة يعرفون بحبهم له ، وأهل النار يعرفون ببغضهم له ، والعصا التي وردت في الرواية كناية عن قوته وصلابته في الحق ، والميسم ، هو حبه وبغضه اللذان يعرف بهما أهل الجنة من أهل النار فعلامة أهل الجنة حبه ، وعلامة أهل النار بغضه . ( * ) 

 

 

ص 297 :

محمد بن علي الشلمغافي المعروف بابن أي العزافري ، هؤلاء كلهم من المذمومين المتهمين بالكذب والمعروفين بانحرافهم عن التشيع الصحيح ، ومحمد بن سنان احد رواتها المعروف بابي جعفر الزاهري ، لقد أطالوا الحديث عنه ووصفوه بالكذب .
 

وقال عنه الفضل بن شاذان : انه من الكذابين المشهورين ، وبالتالي فان أكثرهم قد اتفقوا على تكذيبه وعدم جواز الاعتماد على مروياته .

أما المفضل بن عمر الراوي للحديث عن الإمام الصادق ( ع ) فقد روى عنه وعن ولده الإمام موسى بن جعفر ( ع ) وهو من المتهمين بالغلو والكذب واعتناق فكرة الخطابية .
 

وجاء عن حماد بن عثمان انه قال : سمعت أبا عبد الله الصادق ( ع ) يقول للمفضل بن عمر : يا كافر يا مشرك مالك ولابني إسماعيل ، وكان من المتصلين به هو وجماعة من الخطابية ، ولعلهم كانوا يحاولون إغراءه ببعض المقالات الفاسدة .
 

وقال عبد الله بن مسكان : ان حجر بن زائدة وعامر بن جداعة دخلا على أبي عبد الله الصادق ( ع ) فقالا له : جعلنا الله فداك ، ان المفضل بن عمر يقول : إنكم تقدرون أرزاق العباد ، فقال : والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله ، ولقد احتجت إلى طعام لعيالي فضاق صدري وأبلغت إلى الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم ، فعندها طابت نفسي ، لعنه الله وبرئ منه ، قالا افنلعنه ونبرأ منه : قال : نعم ، إلى غير ذلك مما نسب إليه من المقالات التي لا يقرها الإسلام فضلا عن التشيع ( 1 ) .

على ان هذا النوع من التفسير المعروف عند محدثي الشيعة بتفسير

 

( 1 ) انظر ص 258 و 254 و 346 و 347 من الإتقان . ( * ) 

 

 

ص 298 :

الباطن موجود بين أحاديث السنة عن الرسول ( ص ) في مجاميع الحديث وغيرها .
 

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء عن انس انه قال : لما نزلت سورة التين على رسول الله ( ص ) فرح فرحا شديدا حتى بان لنا شدة فرحه ، فسألنا ابن عباس بعد ذلك عن تفسيرها ، فقال : أما قول الله وَالتِّينِ فبلاد الشام ،

وَالزَّيْتُونِ بلاد فلسطين

وَطُورِ سِينِينَ طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى

وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ مكة المكرمة

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، محمد ( ص )

ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ عباد اللات والعزى

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، أبو بكر وعمر

فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ، عثمان بن عفان

فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ  ، علي بن أبي طالب

أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ  ، بعثك فيهم وجمعكم على التقوى يا محمد ( 1 ) .


ويجد المتتبع الكثير من أمثال هذه التفاسير في مجاميع الحديث السنية وأحوال الرواة .

ومجمل القول ان هذه المرويات وأمثالها لو نظرنا إليها من ناحية اسانيدها يتعين طرحها الا إذا تأيدت من حيث مضامينها ببعض الشواهد والمرويات الصحيحة كما ذكرنا .
 

وروى في باب من اصطفاه الله على عباده ، عن حماد بن عيسى عن عبد المؤمن عن سالم انه قال : سألت أبا جعفر ( ع ) عن قول الله عز وجل : " ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ " فقال السابق بالخيرات هو

 

( 1 ) انظر الغدير ، ج 5 ، ص 320 ، عن الخطيب في تاريخه ، والذهبي في الميزان . ( * ) 

 

 

ص 299 :

الإمام ، والمقتصد العارف للإمام ، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام . وفي باب ان الأئمة إمامان ، إمام يدعو إلى الله ، وإمام يدعو إلى النار .
 

روى عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن غالب عن جابر ان أبا جعفر الباقر ( ع ) قال : لما نزلت " يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ " قال المسلمون يا رسول الله : الست إمام الناس أجمعين فقال : أنا رسول الله إلى الناس أجمعين ، ولكن سيكون من بعدي أئمة على الناس من أهل بيتي يقومون في الناس فيكذبون ، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشباههم ، فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني ، الا ومن ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي وانأ منه برئ .
 

وروى عن محمد بن يحيى بن طلحة عن أبي عبد الله ( ع ) انه قال : ان الأئمة في كتاب الله عز وجل إمامان ، قال تعالى : " وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا " لا بأمر الناس ، يقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم ، ثم أشار إلى الفريق الثاني بقوله : " وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ" يقدمون أمرهم قبل أمر الله ، وحكمهم قبل حكم الله ، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله ( 1 ) .
 

وقد حدد الإمام الصادق ( ع ) وظيفة الإمام كما جاء في رواية الحسين ابن أبي العلاء بقوله : انما الوقوف علينا في الحلال والحرام ، فاما النبوة فلا ( 2 ) .

لمتابعة روايات الكافي اضغط هنا

 

( 1 ) ص 114 و 216 ، ج 1 .
( 2 ) هذا التحديد في مقابل من ينسب إليهم النبوة أو خصائصها ، ومقتضى الرواية انهم قد ورثوا من رسول الله العلم ، فعلى الناس ان يرجعوا إليهم فيما يعود إلى أمور دينهم ، اما النبوة وخصائصها فهي للأنبياء وحدهم
. ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب