دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 300 : -

تابع روايات الكافي

 

وروى حول الصحيفة والجفر والجماعة ومصحف فاطمة ( ع ) عن احمد بن عمر الحلبي ، عن ابي بصير انه قال : دخلت على أبي عبد الله الصادق ( ع ) فقال : يا أبا محمد لقد علم رسول الله عليا ( ع ) ألف باب من العلم يفتح له

من كل باب ألف باب ، قلت هذا والله العلم ، فنكث ساعة الأرض ثم قال : انه لعلم وما هو بذاك ، يا أبا محمد ان عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ، فقلت جعلت فداك : وما الجامعة ، قال صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع

رسول الله ( ص ) وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه ، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه حتى ارش الخدش ، ثم ضرب بيده الي وقال تأخذني يا أبا محمد وغمزني بيده وقال حتى ارش هذا ، ثم سكت ساعة وقال : ان

عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر ، قال قلت : وما الجفر ، قال وعاء من ادم فيه علم النبيين والوصيين ، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل ، ثم سكت ساعة وقال : ان عندنا مصحف فاطمة ( ع ) وما يدريهم ما مصحف فاطمة ، قلت وما مصحف فاطمة ؟ قال : مصحف فيه قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد .


وروى عن علي بن الحكم عن الحسين بن أبي العلاء انه قال : سمعت أبا عبد الله الصادق ( ع ) يقول : ان عندي الجفر الأبيض قلت : فأي شيء فيه قال : زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى وصحف إبراهيم ، والحلال

والحرام ، ومصحف فاطمة ما ازعم ان فيه قرآنا ، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى احد حتى ان فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وارش الخدش ، وعندي الجفر الأحمر ، قلت وأي شيء فيه قال : السلاح ، وذلك انما

يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل ، فقال له عبد الله بن يعفور ، أصلحك الله أيعرف ذلك بنو الحسن ، فقال : أي والله كما يعرفون الليل انه ليل والنهار انه نهار ، ولكن يحملهم الحسد وطلب 

ص 301 :

الدنيا على الجود والإنكار ، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرا لهم ( 1 ) .
 

ومن هذه المرويات وغيرها مما جاء في مجاميع كتب الحديث حول الجامعة ومصحف فاطمة والجفر والصحيفة تبين ان هذه المسميات بهذه الأسماء هي عبارة عن مجاميع في الحلال والحرام والأحكام وبعض الحوادث الكونية ونحو ذلك من العلوم التي ورثها أهل البيت عن جدهم الرسول ( ص ) ، هذه المجاميع بخط علي ( ع ) وإملاء رسول الله كما نصت على ذلك مروية أبي بصير ، وقد اخبر علي ( ع ) عن بعض الحوادث قبل وقوعا بعشرات السنين ، ووقعت كما اخبر عنها .
 

أما الجفر الأبيض والأحمر فاحدهما وعاء من جلد فيه التوراة والإنجيل وزبور داود وصحف إبراهيم كما نزلت من عند الله ، والثاني وهو الأحمر وعاء فيه سلاح رسول الله ، كما نصت على ذلك رواية الحسين ابن أبي العلاء .
 

وأما مصحف فاطمة ، فقد جمعت فيه أكثر الأحكام وأصول ما يحتاج إليه الناس كما وصلت إليها من أبيها وابن عمها أمير المؤمنين ( ع ) ، وليس هو من القرآن كما يدعيه فريق من الناس .


ويدل على ذلك قول الإمام الصادق ( ع ) ، كما جاء في رواية لحسين بن أبى العلاء ، ما ازعم ان فيه قرآنا ، وفيه ما يحتاج إليه الناس ولا نحتاج إلى احد ، حتى ان فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة ، وارش الخدش .
 

وقوله في رواية أبي بصير : والله ان مصحف فاطمة مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات ، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد .

 

( 1 ) انظر ص 239 و 242 ، ج 1 ( * ) .

 

 

ص 302 :

قوله ( ع ) في رواية فضيل بن سكرة : كنت انظر في كتاب فاطمة ، ليس من يملك الأرض إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه ، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا .

ومع ان الروايات التي تعرضت للصحيفة والجامعة والجفر ومصحف فاطمة ( ع ) قد نصت على انها كتب تشتمل على الأحكام والحوادث وأخبار الأمم والملوك في مستقبل الزمان وحاضره ، وان الجفر ، هو وعاء فيه كتب الأنبياء

السابقين وآثارهم وسلاح رسول الله ( ص ) مع ان الروايات التي تعرضت لمحتويات تلك الكتب ، فقد وجد بعض المحدثين والمؤلفين من السنة منفذا للتشويش والطعن على الشيعة ، فقالوا : بان مصحف فاطمة ( ع ) هو قرآن غير

القرآن الذي بين أيدي الناس ، وان الجفر والجامعة كتابان لعلي ( ع ) ذكر فيهما الحوادث الكونية إلى انقراض العالم ، وبناهما على حروف ورموز ، وتنتقل منه إلى أولاده فاخبروا عن الغيب اعتمادا عليهما ، واستطاعوا غراء فئة من الناس آمنت بأنهم يعلمون ما لا يعلمه احد من خلق الله .
 

وممن وضع هذين الكتابين في هذا المستوى ، ونسب إلى الأئمة الأطهار انهم كانوا يخبرون عن بعض الحوادث معتمدين على ما فيهما من الرموز والحروف ، الايجي قي المواقف والجرجاني في شرحه ، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة وغيرهم .
 

وجاء الشيخ أبو زهرة في كتابه الإمام الصادق فنسج على منوال غيره ، وادعى بان الأئمة يستخرجون علم الغيب من هذين الكتابين ، مع ان النصوص التي تعرضت لهذه الكتب صريحة في ان محتوياتها لا تتعدى الحلال والحرام وبعض الحوادث الكونية التي وقع بعضها بعد زمانهم بعشرات السنين ، ولا بد وان يتكشف المستقبل عن الباقي قبل ان يرث الله الأرض ومن عليها
 

ص 303 :

أما المرويات التي تعرضت لمصحف فاطمة فقد نصت على انه كتاب فيه الحلال والحرام ، ومع ذلك فقد الصقوا بالشيعة قرآنا غير القرآن المتداول بين الناس ، واحتجوا لذلك بمصحف فاطمة ، مع العلم بان مروياتهم تنص على ان لعائشة مصحفا يزيد عن القرآن المنزل ، ومع ذلك فقد تجاهلوها وتعلقوا بمصحف فاطمة تاركين المرويات التي تعرضت لمحتوياته .
 

فقد جاء في الإتقان المجلد الثاني ان حميدة بنت أبي يونس قالت قرأ أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة : " ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الأولى " هذا بالإضافة إلى بعض المرويات التي سنتعرض لها في حديثنا عن مرويات الكافي حول هذا الموضوع ( 1 )
 

فالرواية صريحة بان القرآن المنسوب لعائشة يزيد عن القرآن المتداول ، والرواية التي تعرضت لمصحف فاطمة تنص على انه ليس من نوع القرآن .
 

وروى عن سدير انه قال : قلت لأبي عبد الله الصادق ( ع ) : ان قوما يزعمون إنكم آلهة يتلون بذلك قرآنا ، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله فقال : يا سدير سمعي وبصري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء ، وبرئ الله منهم ، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلا وهو ساخط عليهم ، قال قلت : وعندنا قوم يزعمون إنكم رسل يقرؤون علينا بذلك قرآنا : " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا اني بما تعملون عليم " . قال : يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من

 

( 1 ) ان هذه الزيادة في مصحف السيدة عائشة تشير إلى المنزلة العالية التي كان يتمتع بها المصلون في الصف الأول مع النبي ( ص ) ولا شك بان أباها كان في طليعتهم . ( * ) 

 

 

ص 304 :

هؤلاء براء ما هؤلاء على ديني ودين آبائي ، قال قلت : فما انتم ، قال نحن خزان علم الله ونحن تراجمة أمر الله ، نحن قوم معصومون أمر الله تعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا ، نحن الحجة البالغة من دون السماء وفوق الأرض .
 

وروى عن ابن اذينة عن يزيد بن معاوية انه سأل أبا جعفر وولده الإمام الصادق ( ع ) فقال لهما : ما منزلتكما ومن تشبهون ممن مضى ؟ قالا : صاحب موسى وذا القرنين ، كانا عالمين ، ولم يكونا نبيين ( 1 ) .
 

وروى عن عمر بن خالد ، ان أبا جعفر الباقر ( ع ) قال يا معشر الشيعة : كونوا النمرقة الوسطى ، يرجع إليكم الغالي ، ويلحق بكم التالي ، فقال له رجل من الأنصار يقال له سعد : جعلت فداك ما الغالي ، وما التالي ؟ ، قال : الغلاة قوم يقولون فينا ما لم نقله : في أنفسنا ، فليس أولئك منا ولسنا منهم ، والتالي هو من يريد الخير ويسعى في طلبه ليعمل به طمعا في مرضاة الله ورجاء في ثوابه ( 2 ) .
 

وأضاف الراوي إلى ذلك : ان الإمام ( ع ) اقبل علينا وقال ، والله ما معنا من الله براءة ، ولا بيننا وبين الله قرابة ، ولا لنا على الله حجة ،

 

( 1 ) انظر ص 269 ، ج 1 ، بهاتين الروايتين وغيرهما من عشرات الروايات دفع الإمام ( ع ) ادعاء المغالين الذين وضعوهم فوق مستوى المخلوقات وألبسوهم ثوب الأئمة أو المرسلين ، جهلا وضلالا ، وأكد الإمام في مختلف المناسبات بأنهم عبيد لله لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، ولا يدفعون عنها موتا ولا حياة ، ولم يبلغوا ما بلغوه إلا بطاعتهم لله سبحانه .

( 2 ) والذي يعنيه الإمام ( ع ) بقوله كونوا النمرقة الوسطى ، أي نمطا بارزا ومثلا في الاستقامة والسر على المخطط الإسلامي ليرجع إليكم الخارج عن مخطط التشيع ، ويلحق بكم التالي ، أي ليكون المستقيم في أعماله تبعا لكم . ( * ) 

 

 

ص 305 :

ولا تتقرب إلى الله إلا بالطاعة ، فمن كان منكم مطيعا لله تنفعه ولايتنا ، ويحكم لا تغتروا ، ويحكم لا تغتروا .
 

وروى أبو الصباح الكناني انه قال لأبي عبد الله ( ع ) ما نلقى من الناس فيكم ، فقال له أبو عبد الله ( ع ) وما الذي تلقى من الناس فينا ؟ فقال : لا يزال يكون بيننا وبين الرجل الكلام ، فيقول جعفري خبيث فقال الإمام ( ع ) يعيركم الناس بي ، فقال له أبو الصباح نعم يا ابن رسول الله ، فقال : ما اقل من يتبع جعفرا منكم ، انما أصحابي من اشتد ورعه ، وعمل لخالقه ورجا ثوابه هؤلاء أصحابي ( 1 ) .
 

ومن خلال دعواته وابتهالاته إلى الله سبحانه عندما يناجي ربه ، أو تعترضه الحوادث وتهزه النكبات ، من خلال تلك الدعوات يبدو الإمام على عظمته ويقينه واتساع علمه " وكأنه من اضعف خلق الله يخاطب ربه خطاب عبد ذليل قد انقطع أمله من كل شيء لا يستطيع ان يدفع عن نفسه ضرا ولا يجلب لها خيرا " .
 

فقد روى في الكافي ، ان الإمام الصادق ( ع ) كان يقول في دعائه ، اللهم آمن خوفي وعافني فيما بقي من عمري ، وثبت حجتي ، واغفر خطاياي ، واعصمني في ديني ، وسهل مطلبي ، ووسع علي في رزقي فاني ضعيف ، وهب

لي يا الهي لحظة من لحظاتك لكشف بها عني جميع ما به ابتليتني ، فقد ضعفت قوتي وقلت حيلتي ، وانقطع من خلقك رجائي ، ولم يبق إلا رجاؤك وتوكلي عليك ، وقدرتك علي يا ربي ان ترحمني كقدرتك علي ان تعذبي وتبتليني ،

الهي لم أخل من نعمك منذ خلقتني وأنت ربي ومفزعي وملجئي ، والحافظ لي والذاب عني ، فليكن يا سيدي ومولاي فيما قضيت وقدرت وحتمت تعجيل خلاصي مما أنا فيه

 

( 1 ) انظر ص 70 و 73 ، ج 2 من أصول الكافي . ( * ) 

 

 

ص 306 :

جميعه ، فاني لا أجد لدفع ذلك كله أحدا غيرك ، ولا اعتمد فيه إلا عليك ( 1 ) .
 

هذه الدعوات والابتهالات التي تنبض بالإيمان المطلق والعبودية الخالصة ، والحاجة إليه في صغير الأمور وكبيرها ، بالإضافة إلى بعض المرويات التي حدد فيها الإمام ( ع ) موقفه من الغلاة والمرجفين والدساسين ، كل هذه وغيرها

من مواقفهم ( ع ) لسد الطريق على كل من يحاول ان يجعل للإمام خصائص الخالق وميزة الأنبياء المرسلين ، وتحتم علينا تأويل بعض المرويات التي تنسب له علم الغيب والقدرة على كل شيء ونحو ذلك مما يعجز عنه الإنسان بالغا

ما بلغ . لا بد من تأويل تلك المرويات حيث يكون التأويل ممكنا ، أو طرحها لا سيما وان أكثر رواتها لم تتوفر فيهم الشروط المطلوبة في الراوي كما ذكرنا . وقد روى الكليني في باب ان الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيارهم .
 

عن سلمة بن الخطاب عن سليمان بن سماعة وعبد الله بن محمد عن عبد الله بن القاسم البطل عن أبي بصير ، ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : أي إمام لا يعلم ما يصيبه ، والى ما يصير إليه ، فليس ذلك بحجة لله على خلقه .
 

ومع ان هذه الرواية ليس فيها ما يدعو إلى الاستغراب والاستهجان لان علم الإمام الذي يتسع لهذه الحالات مستمد من النبي ( ص ) ومن العلم الذي ورثوه عنه ومع ذلك فان رواتها من المتهمين بالانحراف كما نص على ذلك المؤلفون في أحوال الرجال ، وقد ذكرنا لمحة عنهم في الفصل الذي تعرضنا فيه لبعض رجال الكافي ( 2 ) .
 

 

( 1 ) نفس المصدر ، ص 558 . ( 2 ) انظر ص 258 ، ج 1 ، من الكافي ، ورجال المرزا محمد ، ص 192 و316 ( * ).

 

 

ص 307 :

وفي باب جهات علم الأئمة ( ع ) روى عن علي بن إبراهيم عمن حدثه عن المفضل بن عمر انه قال قلت : لأبي الحسن موسى بن جعفر ، جاءنا عن أبي عبد الله ( ع ) انه قال : ان علمنا غابر ومزبور ونكث في القلوب ونقر في الأسماع ، فقال ( ع ) أما الغابر فما تقدم من علمنا ، وأما المزبور فما يأتينا وأما النكث في القلوب فالهام ، وأما النقر في الأسماع فأمر الملك ( 1 ) .
 

والأمر في هذه الرواية سهل من حيث مضمونها ، فان الإلهام بمعنى الإدراك الصحيح لواقع الأشياء ، يحصل من صفاء النفس وحدة الذهن ، ويحصل بالهداية من الله سبحانه إلى الواقع ، والنقر في الاسماع مرجعه إلى ان الله

سبحانه يرشد الإمام ( ع ) إلى أحكام الحوادث وبعض ما يجري في مستقبل الزمان ، والإيحاء بهذا المعنى ليس من مختصات الأنبياء فقد ورد في القرآن في مختلف المناسبات ومن ذلك قوله سبحانه : " وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ

اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ " وهل معنى ذلك ان الأمين جبرائيل كان ينزل على النحل ليوحي إليها بذلك ، لا أظن ان أحدا يلتزم بهذا الأمر .
 

أما من حيث سندها فهي من قسم الضعيف ، لأنها جاءت عن طريق المفضل بن عمر ، المعروف بالغلو والكذب ، وقد وصفه الإمام الصادق بالكفر والشرك ، ونهى عن الأخذ بمروياته .
 

وروى في باب التفويض إلى رسول الله والى الأئمة في أمر الدين ، عن احمد ابن أبي زاهر بسنده إلى أبي إسحاق النحوي انه قال : دخلت على أبي عبد الله ( ع ) فسمعته يقول : ان الله عز وجل أدب نبيه على محبته فقال : وانك لعلى خلق عظيم ، ثم فوض إليه فقال عز وجل :

 

( 1 ) ص 264 ج 1 ( * ) .

 

 

ص 308 :

" وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا " وقال : " مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ " وان نبي الله فوض إلى علي ( ع ) والأئمة فسلمتم وجحد الناس فوالله لنحبكم ان تقولوا إذا قلنا وان تصمتوا إذا صمتنا ، ونحن فيما بينكم وبين الله عز وجل ، وما جعل الله لأحد خيرا في خلاف أمرنا .
 

وقد أورد عشر روايات تحت عنوان التفويض إلى رسول الله والى الأئمة ، وكلها تلتقي تقريبا مع هذه الرواية من حيث المضمون .
 

والذي تعنيه هذه المرويات ، ان النبي ( ص ) كان المسئول عن تبليغ الأحكام وبيان الحلال والحرام وبعد وفاته أصبح المسئول عن ذلك الإمام ( ع ) الذي اختاره النبي بأمر من الله سبحانه ، بعد ان زوده بكل ما تحتاج إليه الأمة من أمور دينها ، فيكون المراد من التفويض ، هو القيام بمهمات النبي من غير فرق بينهما من هذه الناحية ، إلا ان النبي ( ص ) يخبر عن الله بواسطة الوحي ، والإمام يخبر عن النبي والكتاب المنزل عليه .
 

وليس في هذه المرويات وغيرها ما يشير إلى ان الله قد فوض إلى النبي كل شيء حتى أمور الخلق والتدبير والنبي قد فوضها إلى الإمام كما ينسب جماعة إلى الشيعة .
 

ومن الجائز ان يكون المصدر في إلصاق هذه الانحرافات بالشيعة بعض الفرق التي انحرفت عن التشيع الصحيح كالسبعية والخطابية وغيرهما ، ولكن وجود فرق من هذا النوع تنتمي إلى التشيع لا يبرر تلالى الهجمات الصاعقة على الشيعة الإمامية لمجرد ان بعض الذين كانوا مندسين في صفوفهم خرجوا عن مخطط التشيع ، أو ألحدوا في آرائهم ومعتقداتهم وقالوا في النبي والأئمة ما يتنافى مع أصول الإسلام ومبادئه
 

ص 309 :

وجاء في بعض النصوص الصحيحة عن الأئمة ، ان من زعم ان الله فوض إلينا أمر الخلق والرزق والاحياء فقد أشرك بالله وضل سواء السبيل .
 

وجاء في باب ذكر الأرواح التي في الأئمة ( ع ) عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر انه سأل أبا عبد الله الصادق ( ع ) من علم الأئمة بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره فقال : يا مفضل ان الله تبارك

وتعالى جعل في النبي خمسة أرواح ، روح الحياة فيه دب ودرج وروح القوة فيه نهض وجاهد ، وروح الشهوة فيه أكل وشرب واتى النساء من الحلال ، وروح الإيمان فيه آمن وعدل ، وروح القدس فيه حمل النبوة ، فإذا قبض الله

النبي ( ص ) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام ( ع ) وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو ، والأربعة أرواح تنام وتغفل وتزهو وتلعب ، وروح القدس كان يرى به . وروى ثلاث روايات تحت هذا العنوان بهذا المضمون ( 1 ) .

وروى في باب ان الإمام ( ع ) يأخذ علم الإمام الذي كان قبله في آخر دقيقة من حياته .

 

( 1 ) انظر ص 271 و 272 ، والمراد من الأرواح هي القوى الكامنة في النبي ( ص ) وفي كل إنسان ما عدا روح ر القدس ، وبواسطة تلك القوى يتحرك ويجاهد ويأكل ويشرب ويحكم بالعدل ، أما روح القدس فهي التي استحق بها النبوة بما لها من الخواص

والآثار ، وانتقالها إلى الإمام لا يعني انتقال النبوة إليه كما يوهمه ظاهر الرواية على ان هذه الرواية رواها محمد بن سنان عن المفضل ، وهما ضعيفان لا يعتد بمروياتهما والثانية رواها منخل بن جميل عن جابر الجعفي ، وهما متهمان عند أكثر المؤلفين في

أحوال الرجال ، والثالثة رواها إبراهيم بن عمر اليماني عن جابر ، وجاء في الخلاصة ان جل من يروي عن جابر ضعيف هذا بالإضافة إلى ان جابرا نفسه ، كان هدفا لهجوم عنيف من أكثر المؤلفين في الرجال فليس لروايته تلك الحصانة التي لرواية غيره من الموثوقين . ( * ) 

 

 

ص 310 :

روى عن جماعة منهم علي بن اسباط ، والحكم بن مسكين ، ان بعض الأصحاب اخبره بأنه قال لأبي عبد الله ( ع ) متى يعرف الأخير ما عند الأول ؟ قال : في آخر دقيقة تبقى من روحه .

وبهذا النص رواها عن علي بن اسباط ، والحكم بن مسكين عن عبيد بن زراره ، ورواها أيضا عن جماعة عن علي بن اسباط .

والظاهر ان المقصود بالمعرفة التي تنتقل إلى الثاني في آخر دقيقة من حياته ، هي الإمامة ، وليس في متنها ما يدعو إلى التردد والتشكيك و خاصة بعد هذا التفسير .

أما من ناحية سندها ، فاحد رواتها علي بن اسباط ، وهو فطحي المذهب متعصب لعقيدته ، وقد ألف علي بن مهزيار رسالة في الرد عليه فلم يتراجع عن مذهبه ، ولعله لذلك رجح جماعة من المؤلفين في أحوال الرجال ضعف مروياته

وورد في سند الرواية الثالثة ، محمد بن الحسين بن سعيد الصباغ ، وكان منحرف العقيدة ضعيف جدا على حد تعبير النجاشي ( 1 ) .

وأكثر الروايات التي أوردها الكليني رحمه الله في هذه الأبواب من كتاب الحجة لو عرضناها على الأصول والقواعد المقررة في علم الدراية لا تتوفر فيها الشروط المطلوبة ، ولازم ذلك دخول هذا النوع من المرويات في قسم الضعيف حسب التصنيف الذي أحدثه العلامة الحلي واستاذه ، وذكرنا سابقا ان ضعف الرواية من ناحية سندها لا يوجب طرحها ، لجواز كونها محاطة ببعض القرائن التي تؤكد صدورها عن الإمام ( ع ) أو لوجودها في الكتب المعتبرة عند الطبقة الأولى من الرواة أو لان مضمونها

 

( 1 ) انظر ص 275 من الكافي ج 1 ، وص 324 من إتقان المقال . ( * ) 

 

 

ص 311 :

متواتر ولو بالمعنى ، أو لموافقتها لظاهر الكتاب والسنة ، أو لغير ذلك من - القرائن التي توجب الاطمئنان بصدورها ، ولأجل ذلك فقد اعتبر المتقدمون هذا النوع من المرويات من الصحيح الذي يصح الاعتماد عليه والركون إليه ولو كان الراوي له من المنحرفين في عقيدته وعمله .
 

وروى في باب النص على الأئمة ( ع ) واحدا بعد واحد عن محمد ابن عيسى بسنده إلى أبي بصير انه قال : سألت أبا عبد الله الصادق ( ع ) عن قوله تعالى : " أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ " . فقال : نزلت في

علي والحسن والحسين ( ع ) فقلت له : ان الناس يقولون : فما له لم يسم عليا وأهل بيته في كتاب الله عز وجل ، فقال : قولوا لهم ، ان رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله للناس ثلاثا ولا أربعا حتى كان رسول الله هو الذي

فسر ذلك لهم ، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم في كل أربعين درهما درهم واحد ، ونزل الحج ولم يقل لهم طوفوا سبعا .

فكان رسول الله هو الذي فسر ذلك لهم ، ونزلت أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فبين الرسول المراد منها ، وقال في علي ( ع ) : من كنت مولاه فعلي مولاه . وقال : أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي ، فاني سألت الله عز

وجل ان لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض فاعطاني ذلك . وقال لا تعلموهم فانهم اعلم منكم ، لن يخرجوكم من باب هدى ، ولن يدخلوكم في باب ضلالة ، فلو سكت رسول الله ولم يبين من هم أهل بيته لادعاها . آل فلان وآل

فلان ، لكن الله انزله في كتابه تصديقا لنبيه ، فقال : " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا  " فكان علي والحسن والحسين وفاطمة ، فأدخلهم رسول الله تحت الكساء في بيت أم سلمة ، ثم قال : اللهم ان لكل نبي أهلا وثقلا ، وهؤلاء أهلي أهل بيتي وثقلي

ص 312 :

 فقالت أم سلمه ألست من اهلك يا رسول الله فقال انك إلى خير ولكن هؤلاء أهلي وثقلي ، فلما قبض رسول الله ، كان علي ( ع ) أولى الناس بالناس لكثرة ما بلغ فيه رسول الله ، فلما مضى علي كان الحسن أولى بها من بقية أولاد علي ، ولما مضى الحسن كان الحسين أولى بها وهكذا .
 

وروى الكليني بهذا المضمون أكثر من سبع روايات ، وفيها يؤكد الإمام ( ع ) ان المراد بأولي الأمر في الآية من سورة النساء الأئمة من أهل البيت ( ع ) ( 1 ) .
 

وروى في باب ان الجن يأتونهم ليأخذوا عنهم معالم دينهم ، عن جماعة منهم  سعد الاسكاف قال : أتيت أبا جعفر عليه السلام أريد الإذن عليه ، فإذا رحال إبل على الباب مصفوفة ، وإذا الأصوات قد ارتفعت ، ثم خرج قوم معتمين بالعمائم بشبهون الزط ، قال : فدخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت : جعلت فداك أبطأ إذنك علي اليوم ورأيت قوما خرجوا علي معتمين بالعمائم فأنكرتهم فقال : أو تدري من أولئك يا سعد ؟ قال : قلت : لا ، قال : فقال : أولئك إخوانكم من الجن يأتونا فيسألونا عن حلالهم وحرامهم ومعالم دينهم .

وروى سبع روايات بهذا المضمون .
 

وقد وصف المجلسي في مرآة العقول هذه الروايات كلها بالضعف ، ولم يستثن منها إلا الرواية الرابعة التي رواها سدير الصيرفي عن أبي جعفر الباقر ( ع ) وجاء فيها ان الأئمة يسخرون الجن لقضاء حوائجهم إذا اقتضى الأمر السرعة في انجازها ، وعدها من نوع الحسن بين أصناف الحديث ( 2 ) .
 

 

( 1 ) ص 287 إلى ص 262 .
( 2 ) ص 395 و 396 و 398 ، ومعلوم ان النوع الحسن من الروايات في مقابل الصحيح ، ويأتي في المرتبة الثالثة حسب التصنيف الرباعي للحديث ، واعتبارها من هذا النوع لا يعنى انها من الروايات المقبولة ، ذلك لان الحديث إذا لم يتفق مع كتاب الله وسنة نبيه يتعين طرحه ولو بلغ أعلى مراتب الصحة من حيث سنده
. ( * ) 

 

 

ص 313 :

وروى في باب ان مستقى العلم في بيت آل محمد ، عن يحيى بن عبد الله عن أبي الحسن انه قال : سمعت جعفر بن محمد ( ع ) يقول وعنده ناس من أهل الكوفة ، عجبا للناس ، إنهم أخذوا علمهم كله عن رسول الله فعملوا به واهتدوا ، ويرون ان أهل بيته لم يأخذوا علمه ، ونحن أهل بيته وذريته في منازلنا نزل الوحي ، ومن عندنا خرج العلم إليهم ، فيرون انهم علموا واهتدوا وجهلنا نحن وضللنا ان أهذا لمحال .
 

وفي باب ان حديثهم صعب مستصعب ، روى عن عمار بن مروان عن جابر ان أبا جعفر ( ع ) قال : ان رسول الله ( ص ) قال : ان حديث آل محمد صعب مستصعب ، لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل ، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان فما ورد عليكم من حديث آل محمد ( ع ) فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه ، وما اشمأزت منه قلوبكم فأنكرتموه فردوه إلى الله ورسوله والى العالم من آل محمد ، وإنما الهالك ان يحدث أحدكم بشيء منه لا يتحمله ، فيقول : والله ما كان هذا ( 1 ) .
 

وروى في باب الولاية عن علي بن حمزة عن أبي بصير ، ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال : ان الآية " ومن يطع الله ورسوله لما نزلت على النحو التالي : ومن يطع الله ورسوله في ولاية . علي وولاية الأئمة من بعده فقد فاز فوزا عظيما .

 

( 1 ) إنما كان حديثهم صعب مستصعب ، لأنهم قد يخبرون أحيانا عن أمور ستحذف في مستقبل الزمان كما وصل إليهم من رسول الله ( ص ) ، والأخبار عما سيحدث قبل حدوثه لا يؤمن به إلا من بلغ أعلى درجات الإيمان وعرفهم على واقعهم ، ولذا فان الإمام ( ع ) قد نهاهم عن تكذيب ما تنفر منه قلوبهم وطبائعهم وأمرهم برد هذا النوع إلى مصدره ، ويحتمل ان يكون صعبا مستصعبا من حيث ان الذين كانوا يحملون أحاديثهم ويحدثون بها كانوا يتعرضون لأنواع الظلم من الحكام وأعداء أهل البيت ( ع . ( * ) 

 

 

ص 314 :

وهذه الرواية ضعيفة السند ، كما نص على ذلك المجلسي في مرآة العقول قد رواها على بن اسباط عن على بن أبي حمزة ، وعلي بن اسباط كان فطحيا ، وابن أبي حمزة كان واقفا ، ومتهما بالكذب ووضع الأحاديث .
 

وجاء عن علي بن الحسن بن فضال انه كتب تفسير القرآن ، وانه لا يستحل ان يروي عنه حديثا واحدا .

ونسب له المؤلفون في أحوال الرجال ، انه استولى على الأموال التي كانت في حيازته للإمام موسى بن جعفر ( ع ) وأنكرها بعد وفاته ( 1 ) .

وعلى تقدير صحة الرواية فلا بد وان يكون المراد من قوله ( ع ) هكذا نزلت إنها نزلت بهذا المعنى لا بهذه الألفاظ ، وان المعنى المراد منها هو ولاية على والأئمة من بعده ومع الاعراض عن ذلك فليس ببعيد ان تكون هذه الزيادة في الآية من موضوعات علي بن حمزة ، أو انه قد أخذها من الكتب التي الفت في تفسير الباطن ، ككتابي علي بن حسان ، وعبد الرحمن بن كثير وغيرهما من الغلاة والإسماعيلية السبعية .
 

وقد أورد في الكافي نحوا من اثنين وتسعين رواية تتضمن تفسير أكثر من مئة آية بعلي والأئمة من ولده ( ع ) وأكثرها بعيدة عن مداليل الألفاظ وأسلوب القرآن .
 

ومن أمثلة هذا النوع من المرويات ، ما رواه عن على بن محمد عن احمد بن محمد بن عبد الله في تفسير قوله تعالى : " لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ " انه قال : الوالد وما ولد ، علي وما ولد من الأئمة ( ع ) .

 

( 1 ) انظر رجال الشيخ محمد طه ، ص 322 و 323 ( * ) .

 

 

ص 315 :

ومنه ما رواه عن علي بن حسان ، عن عبد الرحمن بن كثير ، ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال في تفسير قوله تعالى : " هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ " ان الآيات المحكمات ، علي والأئمة من ولده والمتشابهات فلان ، وفلان وفلان . والذين في قلوبهم زيغ ، هم أصحابهم وأهل ولايتهم .
 

وروى عن محمد بن جمهور ، عن صفوان وابن مسكان ، ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال في تفسير قوله تعالى : " وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا " ان المراد من السلم الدخول في ولاية الأئمة ( ع ) .
 

وروى عن محمد بن سليمان عن عبد الله بن سنان ان أبا عبد الله الصادق قال : ان الآية ، ولقد عهدنا إلى آدم كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، والأئمة من ذريتهم فنسي ، وأضاف الإمام على حد قول الراوي ، ان الآية هكذا والله نزلت على محمد ( ص ) ( 1 ) .
 

وروى عن محمد بن جمهور عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر انه قال : سألت أبا عبد الله ( ع ) عن قوله تعالى " ائت بقرآن غير هذا أو بدله " قال قولوا : أو بدل عليا ، والرواة الثلاثة لهذه الرواية لا يعتد بمروياتهم كما ذكرنا سابقا ، وقد وصف المجلسي هذه المرويات كلها بالضعف ، ومما لا شك فيه ان أكثرها من صنع الغلاة والمنحرفين عن عقيدة التشيع .

 

( 1 ) وهذه الرواية تنص بصراحة انه سقط من الآية أكثر من نصفها والأمر في ذلك سهل بمد ان كان احد رواتها محمد بن سليمان وجاء في كتب الرجال عنه انه ضعيف لا يعول عليه في شيء كما نص على ذلك في إتقان المقال والمرزا محمد في رجاله . ( * ) 

 

 

ص 316 :

ومما يؤيد ذلك ان المتتبع في أسانيدها لا يجد رواية يخلو سندها عن احد الغلاة أو المتهمين بالانحراف والكذب ، وعلي وأبناؤه الأئمة الهداة الذين اختارهم الله أئمة لعباده يدعون إلى الحق وبه يعملون في غنى عن هذه التأويلات التي لا تساعد عليها ظواهر تلك الآيات ولا تؤيدها نصوص القرآن الكريم .
 

ان أكثر هذه المرويات لا تنسجم مع سيرة أهل البيت ( ع ) الذين قالوا : انا إذا حدثنا لا نحدث إلا بما وافق كتاب الله ، وان ما خالف كتاب الله فليس منا ، وهل ينسجم قولهم هذا : مع تفسير قوله تعالى ، الذي نسبه الغلاة إليهم ، ائت

بقرآن غير هذا أو بدله ، أي بدل عليا ( ع ) كما جاء في رواية محمد بن جمهور عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر ، ومع تفسير قوله تعالى : " مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ " أي لم نك من اتباع الأئمة ( ع )

الذين قال الله فيهم : " وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ " . ان أبا عبد الله الصادق الصدوق اجل شأنا وارفع قدرا من ان يتصرف في كتاب الله بما يذهب بهاءه وروعته ويطمس من أضوائه النيرة الساطعة التي هزمت فصحاء

العرب وبلغاءهم وارتدوا على أعقابهم خاسرين مدحورين . " قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا " .
 

وروى عن علي بن اسباط وعلي بن أبي حمزة عن أبي بصير ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قرأ فستعلمون يا معشر المكذبين حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية علي والأئمة من بعده من هو في ضلال مبين . وانه قال : ان الآية " ان تلووا وتعرضوا أصلها ان تلووا الأمر وتعرضوا 

ص 317 :

عما امرتم به فان الله كان بما تعملون خبيرا ، فلنذيقن الذين كفروا بتركهم ولاية أمير المؤمنين عذابا شديدا في الدنيا ، ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ( 1 ) .
 

وروى عن محمد بن ارومة عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال في تفسير قوله تعالى : " وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد " ان الذين هدوا إلى الطيب من القول والى صراط الحميد ، هم الذين هدوا إلى أمير المؤمنين ( ع ) ، وان المراد من قوله تعالى : " حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم " انه حبب إليكم أمير المؤمنين ، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ، الأول والثاني والثالث ( 2 ) .

إلى غير ذلك من المرويات التي دونها في المجلد الأول من الكافي في هذا الباب من كتاب الحجة .
 

وبعد التتبع والدراسة الواعية يطمئن الباحث إلى ان أكثر تلك الأحاديث لا ينسجم مع واقع أهل البيت ( ع ) بالإضافة إلى انها غير جامعة لشروط الاعتماد على الرواية ، لان رواة هذا النوع أكثرهم من الغلاة المعروفين بالكذب والانحراف كما أثبتنا ذلك في الفصل الذي عرضنا فيه تلك النماذج من رجال الجامعين .
 

 

( 1 ) وقد ذكرنا لمحة عن تاريخ العليين علي بن اسباط ، وعلي بن أبي حمزة لذا فان هذه الرواية وأمثالها لا يقرها علماء الشيعة ، ولا تعبر عن رأيهم في مختلف العصور .

( 2 ) ان ابطال هذه الرواية ، محمد بن ارومة ، وعلي بن حسان ، وعبد الرحمن بن كثير ثلاثتهم من الغلاة المشهورين ، وهذا النوع من التفسير من كتابي تفسير الباطن لعلي بن حسان ومحمد بن ارومة ، انظر ص 413 و 414 وما بعدهما ، ج 1 ( * ) .

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب