دراسات في الحديث والمحدثين - هاشم معروف الحسيني  ص 31 : -

الفصل الثاني في أصناف الحديث
 

ص 33 :

لقد قسم الباحثون في الحديث وأحوال الرواة الخبر إلى قسمين متواتر وآحاد ، وتحدثوا عنهما من حيث معناهما ، وأقسامهما وشرائط الاعتماد عليهما بإسهاب في مؤلفاتهم الموضوعة لهذه الغاية ، واختلفت آراؤهم في كثير من

النظريات والأفكار المتعلقة بهذه المواضيع كما هو الحال في جميع المباحث التي يدخلها عنصر الاجتهاد ، وما لا شك فيه ان تحديد التواتر وشروطه ، وأخبار الآحاد وأصنافها ، وما يتعلق بذلك من المواضيع التي تنصل بعلمي الرجال

والدراية مباشرة ، هذه المواضيع وما يتعلق بها تتسع لاختلاف الأنظار وتضارب الآراء ولذلك لا يصح ان ننسب رأيا إلى الشيعة أو السنة في هذه المواضيع وغيرها من المواضيع الاجتهادية إلا إذا اتفق الأكثر عليه ، أو كان معبرا عن

رأي الأغلبية منهم ، اما نسبته إلى احد الفريقين الشيعة أو السنة لمجرد وجوده في كتاب ، أو لمجرد كونه يعبر عن رأي بعض الأفراد ، أو الجماعات ، فهو من الأغلاط التي وقع فيها أكثر المؤلفين . وطى جميع الأحوال فالتواتر هو

عبارة عن اخبار جماعة كثيرة يستحيل عادة اتفاقهم على الكذب ، ولو انضمت بعض القرائن إلى المخبرين

ص 34 :

بحيث كان حصول العلم مستندا إلى المجموع لا يمنع ذلك من حجية التواتر .

ولو اخبر جماعة بشئ ، ولكنهم لم يبلغوا الحد الموجب للعلم لا يصدق التواتر بالمعنى المصطلح عليه بينهم ، كما وان العلم لو لم يستند إلى الكثرة بان حصل العلم به من الخارج ، أو حصل العلم من اخبار ثلاثة أو اربعة معروفين

بالصدق والأمانة ، أو كان خبر الكثيرين موافقا لدليل مقطوع به ومعمول بمقتضاه كل ذلك ليس من التواتر المقابل للآحاد .

بل لا بد وان يكون العلم مستفادا من اخبار جماعة يستحيل عليهم بحسب العادة ان يتفقوا على الكذب وكما ذكرنا لا يمنع من حصول التواتر وجود بعض القرائن المؤيدة لاخبارهم حتى ولو كان العلم الحاصل منه مستندا إلى الجميع .


وقال الشيخ الطوسي في تحديد معنى التواتر : ان الخبر إذا لم يكن من باب ما يجب وقوع العلم عند حصوله ، واشتراك العقلاء ، وجاز وقوع الشبهة به هو ان يراد به جماعة قد بلغت من الكثرة حدا لا يصح معه ان يتفق الكذب

منها عن المخبر الواحد ، ولابد بالإضافة إلى ذلك من العلم بانه لم يجمعها على الكذب جامع كالتواطوء وما يقوم مقامه ، ولا بد أيضا من العلم بان المخبر الأول على يقين من امره لم يخبر وهو متردد أو غافل عما اخبر به ، هذا إذا لم

يكن بين الجماعة وبين المخبر الأول واسطة ، فان كان بينهما واسطة لابد من مراعاة هذه الشروط في جميع الوسائط حتى ينتهي الحال إلى نفس المخبر الأول ( 1 ) .

 

( 1 ) انظر العدة للطوسي ص 21 . ( * ) 

 

 

ص 35 :

ولا بد في العلم الحاصل من التواتر من الشروط التالية . الأول ان لا يكون السامع عالما بمضمون الخبر ، كما لو اخبر الجماعة شخصا عما شاهدوه وعلم به مباشرة ، وقد عللوا ذلك بأن خبر الجماعة لو أفاد العلم في هذه الحالة ،

فاما أن يكون عين العلم الحاصل له بالمشاهدة ، أو غيره ، فان كان عينه ، يكون من تحصيل الحاصل ، وان كان غيره يلزم اجتماع المثلين ، ولا يصح في مثل ذلك ان نفترض كون الخبر مؤكدا ومقويا للعلم الحاصل عن طريق الحس

والمشاهدة لان العلم الحاصل للسامع عن هذا الطريق يكون ضروريا ، والضروري لا يقبل الترديد والتشكيك ولا الزيادة والنقصان .

الشرط الثاني ان لا يكون الخبر مسبوقا بشبهة تخالف مضمونه في ذهن السامع ، وان لا يكون السامع معتقدا خلاف مدلوله تقليدا أو لسبب آخر ، إذ لا يمكن حصول العلم من الخبر غالبا الا إذا كان ذهن السامع خاليا عن الشبهة والمعتقدات المخالفة له مهما بلغ رواته من الكثرة .


الشرط الثالث ان يستند المخبرون إلى الحس ، فلو كان أخبارهم مستندا إلى حكم عقلي أو نص قرآني أو غيرهما لا يكون من التواتر المقابل للآحاد .


الرابع ، أن تكون جميع الوسائط عالمة بمضمون الخبر ، بنحو يستند على الطبقة الأولى إلى الحس والمشاهدة ، والثانية الى التواتر الحاصل باخبار الطبقة الأولى ، والثالثة من أخبار الثانية ، وهكذا بالنسبة إلى بقية الطبقات .

أما العدد الذي يتحقق به التواتر : فالظاهر ان أكثر المؤلفين في علم الحديث لا يشترطون عددا معينا فيه ، وكل ما في الأمر لابد فيه من 

ص 36 :

الكثرة التي يحصل من اخبارها العلم بمضمون الخبر ، والعلم فد يحصل أحيانا من اخبار العشرة ، واحيانا لا يحصل من اخبار العشرين والثلاثين والأكثر من ذلك . اما تحديدها بأكثر من أربعة كما نسب إلى القاضي الباقلاني ، وبأكثر

من عشرة كما جاء عن ( الاصطخري ) ، وباثني عشر مخبرا عدد نقباء بني إسرائيل ، وبأكثر من عشرين كما جاء أبى الهذيل العلاف ، وبسبعين كما جاء عن بعض المحدثين وبثلاثمائة عدد أصحاب النبي ( ص ) في بدر كما نص

على ذلك بعضهم ، هذه التقديرات كلها لأهل السنة ، ولا وجود لها في كتب الشيعة ، والظاهر اتفاقهم على عدم تحديده بعدد معين ( 1 ) .


ومهما كان الحال فالخبر المتواتر ، اما ان يكون متواترا بلفظه ومعناه ، كما لو اتفق المخبرون على نقل الحديث بلفظ واحد ، واما ان يكون متواترا من حيث المعنى ، كما لو اختلفت الفاظ المخبرين مع وحدة المعنى ، وحصل العلم بذلك

المعنى من الفاظهم المختلفة بواسطة دلالة الخبر على المعنى بالتضمن أو الالتزام ، أو بالمطابقة إذا كانت الألفاظ المختلفة مشتركة في معنى واحد ، وهذا النوع من التواتر الذي أطلقوا عليه اسم التواتر المعنوي موجود ومطرد بين

المرويات في الفروع والأصول ، اما التواتر اللفظي في جميع مراحله ووسائطه هذا النوع من التواتر ربما يكون قليلا ونادرا بين المرويات عن الأئمة والرسول ( ص ) كما يبدو ذلك بعد التتبع والاستقصاء ، وقد بالغ بعضهم فأنكر وجوده من الأساس .

قال الشيخ عبد الصمد في رسالته التي ألفها في علم الدراية : المتواتر

 

( 1 ) انظر مقباس الهداية للمامقاني ، والعدة للطوسي وغيرهما من مؤلفات الشيعة في علم الحديث . ( * ) 

 

 

ص 37 :

هو ما رواه جماعة يحصل العلم بقولهم ، للقطع بعدم امكان تواطؤهم على الكذب عادة ، ويشترط ذلك في كل طبقاته صحيحا كان أولا ، وأضاف إلى ذلك . وهذا لا يكاد يعرفه المحدثون في الأحاديث لقلته ، وهو كالقران وظهور النبي

( ص ) والقبلة والصلات وعدد الركعات ، والحج ونصب الزكوة ونحو ذلك ( ا ) وتشبيه التواتر بهذه الأمور الثابتة بالضرورة من دين الإسلام ، هذا التشبيه يشعر بان التواتر في الحديث يكاد ان يكون في حكم المعدوم من حيث ندرته وعدم وجوده بين المرويات عن النبي والأئمة ( ع )

 

 

( 1 ) انظر الوجيزة للشيخ عبد الصمد الحارثي ص 76 . ( * ) 

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب