|
دراسات في الحديث والمحدثين-
هاشم معروف الحسيني ص 318 : -
|
|
الإيمان والإسلام في الكافي
ان عظمة أهل
البيت ( ع ) تتجلى في جميع المراحل التي مروا بها ،
وفي جميع مروياتهم وأعمالهم وكتاب الكافي بمجموعه يعكس
عظمتهم ، ويقدم للباحث عشرات الأدلة على سعة علمهم
وحرصهم على توجيه الإنسان إلى ما فيه صلاحه في دينه
ودنياه ، ذلك لأن علمهم مستمد من علم الرسول ومن كتاب
الله الكريم ، لا من الاجتهادات والاقيسة والظنون
والاستحسان التي تخطئ وتصيب .
فقد روى في الكافي عن
عمر بن حريث ان أبا عبد الله الصادق ( ع ) قال له :
اتق الله وكف لسانك إلا من خير ، ولا تقل إني حديت
نفسي ، بل الله هداك ، فاد شكر ما انعم الله عز وجل به
عليك ، ولا تكن ممن إذا اقبل طعن في عينه ، وإذا ادبر
طعن في قفاه ولا تحمل الناس على كاهلك فانك أوشك ان
حملت الناس على كاهلك ان يصدعوا شعب كاهلك ( 1 ) .
وروى في باب ان الإيمان يشارك
الإسلام ، والإسلام لا
يشارك
| |
(
1 ) أي لا تكن من الأشرار الذين
يتعرضون للذم والطعن في حضورهم وغيابهم ولا تحملهم على
كاهلك بالمداهنة والمداراة لهم ، فانك ان فعلت ذلك
يطمعوا فيك ويحملوك على خلاف الحق ، وعلى ما لا يحل لك
فان هذه الكلمات من الجوامع التي تحمل في طياتها ابلغ
العظات وأصدقها واقر بها من منطق القرآن وروح الإسلام
وسماحته . ( * )
|
|
|
الإيمان ، عن جميل بن صالح عن سماعة انه قال
: قلت لجعفر بن محمد الصادق ( ع ) اخبرني عن الإيمان
والإسلام ، أهما مختلفان ؟ فقال : ان الإيمان يشارك
الإسلام ، والإسلام لا يشارك الإيمان . فقلت صفهما لي
: فقال : الإسلام شهادة ان لا إله إلا الله والتصديق
برسول الله ( ص ) به حقنت الدماء ، وعليه جرت المناكح
والمواريث ، وعلى ظاهره جماعة الناس ، والإيمان الهدى
وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام ، وما ظهر من العمل
به .
وروى عن عبد الرحيم اقصير انه قال : كتبت مع عبد
الملك بن اعين إلى أبي عبد الله اسأله عن الإيمان ما
هو ؟ فكتب لي مع عبد الملك ، سألت رحمك الله عن
الإيمان ، فالإيمان هو إقرار في اللسان وعقد في القلب
وعمل بالأركان .
وأضاف إلى ذلك : قد يكون العبد مسلما
قبل ان يكون مؤمنا ، ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما
فالإسلام قبل الإيمان ويشارك الإيمان ، فإذا أتى العبد
كبيرة من المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى
الله عنها كان خارجا من الإيمان ساقطا عنه اسم الإيمان
وثابتا عليه اسم الإسلام ، فان تاب واستغفر عاد إلى
الإيمان ، ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال
ان يقول للحلال هذا حرام ، وللحرام هذا حلال ، ويدين
بذلك فعندها يكون خارجا من الإسلام والإيمان ( 1 ) .
وروى عن محمد بن حماد الخزاز عن عبد العزيز القراطيسي
انه قال : قال لي أبو عبد الله الصادق ( ع ) يا عبد
العزيز ، ان الإيمان عشر درجات
| |
(
1 ) وهاتان الروايتان تؤيدان الرأي القائل ان الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل
بالأركان ، وفي
مقابل ذلك الرأي المشهور بين الإمامية ، وهو ان
الإيمان هو الإقرار بأصول الإسلام وإمامة الاثني عشر
والمعاصي لا تخرج الإنسان عن صفة الإيمان ( انظر
كتابنا الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة ، الفصل الذي
تعرضنا فيه للفرق بين الإسلام والإيمان . ( * )
|
|
|
بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة ، فلا
يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شئ حتى ينتهي
إلى العاشرة ، ولا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك
، وإذا رأيت من هو اسفل منك بدرجة فارفعه اليك برفق
ولا تحملن عليه ما لا يطيق فتكسره ، فان من كسر مؤمنا
فعليه جبره ( 1 ) .
وقد أورد مجموعة من الروايات حول
درجات الإيمان وتفاوته بمختلف الأساليب ، والذي يعنيه
هذا النص وغيره ، ان الإنسان لا يجوز ان ينظر إلى غيره
من زاويته ، لان الناس يتفاوتون في تفكيرهم وعقولهم
وجميع مواهبهم ، والنتيجة
الحتمية لهذا التفاوت ان
تكون بينهم الفوارق والمسافات الواسعة في إيمانهم
وأخلاقهم ومواهبهم ، فالإنسان الذي يملك مرتبة من
الفضل والإيمان ، ليس لمن فوقه ان ينظر إليه من زاويته
ويجرده عن إيمانه لان ذلك يؤدي إلى التنكر
للفضيلة ،
وجحودها من الأساس ، ولأنه إذا جرد من هو دونه جرده
من هو فوقه ومراتب العلم
والدين والأخلاق لا تحدها الحدود ، والكمال المطلق لله
وحده ، وحتى ان الأنبياء أنفسهم يشعرون بأنهم لم يصلوا
إلى منتهى حدود
المعرفة ويتفاوتون في فضلهم ومعرفتهم ،
ولذا فان الإمام ( ع ) يقول : لا يقولن صاحب الاثنين
لصاحب الواحد لست على شيء ، ويضيف إلى ذلك لا تسقط من
هو دونك فيسقط لي من هو فوقك ، وإذا رأيت من هو أسفل
منك بدرجة لا تنظر إليه من زاويتك ، بل يجب ان تقدر له
فضله ، وترفع من شأنه ، وتحاول
| |
(
1 ) وهده الرواية صريحة في ان الإيمان يزيد وينقص ، ولا
يحصل دفعة واحدة ، بل تدريجا ، ولازم ذلك ان الإيمان
هو الإقرار والعمل ، ولا بد للقائلين بأنه تصديق
واعتقاد ، ان يلتزموا بأنه لا يزيد ولا ينقص ، إذ لا
يصح وصفه بالزيادة والنقصان إلا إذا كان نتيجة لفعل
الإنسان وأعماله والفروض ان العمل الخارجي ليس من
مقوماته كما يدعى أكثر الإمامية ، كما وان المعاصي لا
تسلب العبد صفة الإيمان إذا كان مصدقا ومعتمدا بالله
ورسوله ، وبما جاء به . ( * )
|
|
|
ان ترفعه إلى مرتبتك برفق
وإخلاص ، ولا تحمله
ما لا يطيق فيخرج من حيث أردت إصلاحه .
ولم يكتف
الإمام ( ع ) بهذه المناهج والقواعد التي تتكون منها
الفضيلة والخلق الرفيع في نفس الإنسان ، بل ضرب أمثلة
على ذلك ، كما جاء في رواية يعقوب بن الضحاك ، ان أبا
عبد الله الصادق ( ع ) قال لأصحابه وهو يحدثهم
عن
الفضيلة ومراتبها وكيف ينبغي لكل واحد ان ينظر إلى
الآخر ويتعاون معه ليرفع مستواه ، قال لهم : ان رجلا
كان له جار نصراني فدعاه إلى الإسلام وزينه له فأجابه
إليه ، وجاء في اليوم الثاني عند السحر فقرع عليه بابه
، ثم قال
له : توضأ والبس ثوبيك لنخرج إلى الصلاة :
فتوضأ وخرج معه فصليا ما شاء الله ، ثم صليا الفجر
ومكثا حتى أصبحا ، فقام النصراني يريد منزله ، فقال له
الرجل أين تذهب ؟ ان النهار قصير ، والذي بيننا وبين
الظهر قليل ،
فجلس معه إلى ان صلى الظهر ، ثم قال له
لم يبق إلى العصر إلا القليل ، واحتبسه إلى إذ صلى
العصر ، ولما أراد ان ينصرف إلى منزله قال له : ان هذا
آخر النهار ، واحتبسه حتى صلى المغرب ، ثم قال له :
لقد بقيت صلاة
واحدة فسكت الرجل وانتظر إلى إذ صلى
العشاء ، وتفرقا ، فلما كان وقت السحر طرق عليه الباب
، وقال له : قم فتوضأ واخرج لنصلي ، فقال النصراني :
اذهب واطلب لهذا الدين من هو افرغ مني فانا إنسان
مسكين ولي عيال فلا أطيق ان أتحمل دينكم ، قال أبو عبد
الله الصادق ( ع ) ادخله في شيء وأخرجه منه ( 1 ) .
وروى في باب الطاعة والتقوى ، عن عمر بن شمر عن جابر الجعفي ان
أبا جعفر الباقر ( ع ) قال : يا جابر أيكتفي
من ينتحل التشيع ان يقول :
| |
( 1 ) والذي عناه الإمام بذلك ، ان المسلم أراد أن
يفرض عليه إيمانه . فلم يتحمل فخرج من الإسلام ولم يعد إليه ، ولو انه
تركه وحاول تقوية إيمانه بالطرق المألوفة تدريجا ، لكان باستطاعته ان
يرفعه إلى حيث يريد
. ( * ) |
|
|
يحبنا
أهل البيت ، فوالله ما شيعتنا إلا من
اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا
بالتواضع والتخشع وصدق الأمانة وكثرة ذكر الله ،
والصوم والصلاة ، والبر بالوالدين والتعاهد للجيران من
الفقراء وأهل المسكنة ، والغا رمين
والأيتام ، وصدق
الحديث ، وتلاوة القرآن ، وكف الألسن عن الناس إلا من
خير ، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء . قال جابر :
يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحدا بهذه الصفة ،
فقال يا جابر : لا تذهبن بك المذاهب ، حسب الرجل
ان
يقول : أحب عليا وأتولاه ، ثم لا يكون مع ذلك فعالا ،
فلو قال : اني أحب رسول الله ( ص ) ورسول الله خير من
علي ، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه
إياه شيئا ، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ، ليس
بين الله وبين
احد قرابة أحب العباد إلى الله عز
وجل ،
وأكرمهم عليه اتقاهم وأعملهم بطاعته ، يا جابر والله
ما يتقرب إلى الله الا بالطاعة وما معنا براءة من
النار ، ولا على الله لأحد من حجة ، من كان مطيعا فهو
لنا ولي ، ومن كان عاصيا فهو لنا عدو ، وما تنال
ولايتنا الا بالعمل والورع .
وروى عن محمد بن حمزة
العلوي عن عبيدالله بن على ان أبا الحسن الأول ( ع )
قال : كثيرا ما كنت أسمع أي يقول : ليس من شيعتنا من
لا تتحدث المخدرات بورعه ، وليس من أوليائنا من هو في
قرية فيها اثنا عشر ألف رجل وفيهم من خلق الله من هو
أورع منه ( 1 ) .
| |
(
1 ) انظر ص 74 و 75 و 78 وقد تكرر مضمون هاتين الروايتين في الكافي حسب
المناسبات وذكرنا بعضها في المواضيع السابقة ، وهذه الروايات تضع الحد
الفاصل بين التشيع الصحيح والمزيف وتنفى عنه غلو المنحرفين ، وأباطيل
المرجفين ، ودسائس الحاقدين الذين الصقوا به الاتهامات والبدع
والخرافات ، وأرادوا له ان يموت في مهده ، فلم يحقق لله لهم
أمنية ولم يمدهم بالقدرة على ذلك ، ورد الله الذين
كفروا بكيدهم لم ينالوا شيئا . وبرز التشيع قويا يقتحم
=> |
|
|
وروى في باب الحب في الله
عن عمرو بن حورك ان
النبي ( ص ) قال : أوثق عرى الإيمان الحب في الله ،
والبغض في الله ، وتولي أولياء الله ، والتبريء من
أعداء الله .
وقال
الإمام أبو جعفر الباقر ( ع ) : إذا
أردت ان تعلم ان فيك خيرا فانظر إلى قلبك ، فان كان
يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصية الله ففيك خير
والله يحبك ، وان كان يبغض أهل طاعة الله ، ويحب أهل
معصية الله فليس فيك خير والله يبغضك ، والمرء مع من
أحب .
وروى عن الإمام الصادق ( ع ) انه قال : ثلاثة
اقرب الخلق إلى الله عز وجل يوم القيامة حتى يفرغ من
الحساب رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه إلى ان يحيف على
من تحت يده ، ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع احدهما
على الآخر بشعيرة ، ورجل قال بالحق فيما له وعليه .
وروى عن عثمان بن جبلة ان
أبا جعفر الباقر ( ع ) كان
يقول ان رسول الله ( ص ) قال : ثلاث خصال من كن فيه أو
واحدة منهن كان في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله ،
رجل أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم ، ورجل لم يقدم
رجلا ولم يؤخر رجلا حتى يعلم ان ذلك لله رضا ، ورجل لم
يعب أخاه المسلم في عيب حتى ينفي ذلك العيب عن نفسه ،
فانه لا ينفي عنها عيبا إلا بداله عيب ، وكفى بالمرء
شغلا بنفسه عن عيوب الناس ( 1 ) .
وروى في باب البر
بالوالدين عن زكريا بن إبراهيم انه قال : كنت
| |
=> الصعاب ويطوي
الأجيال ويثق بمبادئه النيرة
الساطعة للإنسان طريق الفوز برضوان الله والسعادة
الدائمة ويقدم عشرات الأدلة على ان دعاة الحق ورسل
الخير والمحبة احياء في نفوس المؤمنين والناس أجمعين
إلى قيام الساعة .
( 1 ) ص 144 و 147 ، ج 2 ( * ) |
|
|
نصرانيا
فأسلمت وحججت ، فدخلت على الإمام
الصادق ( ع ) وقلت له : اني كنت نصرانيا وأسلمت ، فقال
وأي شيء رأيت في الإسلام ؟ قلت قول الله عز وجل : "
مَا كُنتَ تَدْرِي مَا
الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ
نُورًا نَّهْدِي بِهِ
مَنْ نَّشَاء " فقال : لقد هداك الله ، ثم قال : سل عما
شئت ، قلت ان أبي وأمي على النصرانية وأمي مكفوفة
البصر فأكون معهم وآكل من آنيتهم ، فقال : يأكلون لحم
الخنزير ، فقلت لا ولا يمسونه ، فقال لا بأس ، انظر
أمك فبرها ،
وإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك ، وكن أنت
الذي تتولى أمرها وتقوم بشأنها ، ولا تخبرن أحدا انك
أتيتني حتى تأتيني بمنى ان شاء الله . قال فأتيته بمنى
والناس حوله كأنه سلم صبيان ، هذا يسأله وهذا يسأله ،
فلما قدمت الكوفة كنت
أطعمها بيدي واخدمها بنفسي
وأتولى جميع شؤونها كما أمرني الإمام جعفر بن محمد ( ع
) فقالت : يا بني ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني ،
فقلت لقد أمرني بهذا رجل من
ولد نبينا يدعى جعفر بن محمد ، فقالت والله ان هذه
وصايا الأنبياء ، اعرض علي دينك يا بني ، فعرضته عليها
، فأسلمت ، وأدت ما عليها من فروض الإسلام ، ثم توفيت
( 1 ) .
| |
(
1 ) لقد اشتمل سند هذه الرواية على أحمد بن محمد البرقى ، وعلى ابن الحكم ومعاوية بن
وهب وهؤلاء الثلاثة من الممدوحين في كتب الرجال ، أما
الراوي الأخير لها الذي رواها عن الإمام ( ع ) فلم أجد
من تعرض له بمدح ، أو ذم ، ويظهر منها ان النهي عن
مباشرة أهل الكتاب من حيث انهم يباشرون النجاسات
كالخنزير ونحوه ، لذا فان الإمام ( ع ) قد رخصه
بمباشرة أبويه ، بعد ان تبين له انهما لا يأكلان
الخنزير ، ولا يباشرانه ، ومن الممكن ان تكون هذه
الطائفة من المرويات المفصلة مفسرة لبقية المرويات
التي تعرضت لطهارتهم ونجاستهم بقول مطلق ، بان يراد من
الإخبار الناهية عن مباشرتهم من حيث انهم لا يتجنبون
النجاسات والأخبار التي رخصت بمباشرتهم من حيث ذاتهم
. ( * ) |
|
|
وروى في الكافي مئات
الأحاديث عن النبي
والأئمة ( ع ) حول التعاون والتسامح والتآخي وحقوق الاخوان وصلة الأرحام والثورة على الظلم ونبذ الأحقاد
.
وغير ذلك من المرويات التي تدعو إلى تهذيب النفس
وتطهيرها من الدنايا والأمراض وبخاصة التي تسئ إلى
الغير ويلتقي الكافي مع الصحيح للبخاري في أكثر هذه
المواضيع من حيث الجوهر والمؤدى ولا يضرنا الاختلاف
لمن السند والأسلوب ما دامت تنتهي إلى نتيجة واحدة
تتفق مع روح الإسلام وسماحته
.
|