|
دراسات في الحديث والمحدثين-
هاشم معروف الحسيني ص 326 : - |
|
التقية في الكافي
لقد روى الكليني في باب
التقية 23 حديثا ، وكلها تنص بصراحة تأبى عن التأويل
ان للإنسان ان يتهرب من الضرر الموجه عليه ممن هو أقوى
منه ، ولو أدى ذلك إلى موافقته فيما هو مخالف للحق أو
للاعتقاد من قول أو فعل .
ومن أمثلة ذلك ما رواه عن
هشام بن سالم ، عن إبراهيم الاعجمي ان أبا عبد الله
الصادق ( ع ) قال : يا أبا عمر ان تسعة اعشار الدين في
التقية ، ولا دين لمن لا تقية له ، والتقية في كل شيء
إلا في النبيذ والمسح على الخفين .
وهذه الرواية كما
وضعت مبدأ التقية عند الخوف من ضرر الغير ، يستفاد
منها مشروعيتها في الفروع والأصول وفي كل شيء إلا في
النبيذ والمسح على الخفين ( 1 ) .
وروى عن جابر
المكفوف ، عن عبد الله بن أبي يعفور ان أبا عبد الله
الصادق ( ع ) قال : اتقوا على دينكم بالتقية ، فانه لا
إيمان لمن لا تقية له ، انما انتم في الناس كالنحل في
الطير ، لو ان الطير تعلم ما في أجواف
| |
(
1 ) ولعل عدم مشروعيتها في النبيذ والمسح على الخفين من حيث انهما من غير المتفق على جواز استعمالهما عند
جميع أئمة المذاهب الأربعة ، أو من حيث ان عدم جواز
استعمالهما معروف من مذهب الإمامية
. ( * ) |
|
|
النحل ما بقي منها شيء
إلا أكلته ، ولو ان
الناس علموا ما في أجوافكم من حبنا أهل البيت لأكلوكم
بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية ، رحم الله عبدا
منكم مات على ولايتنا .
وروى عن هرون بن مسلم عن مسعدة
بن صدقة انه قال : قيل لأبي عبد الله ( ع ) ان الناس
يروون ان عليا ( ع ) قال على منبر الكوفة : أيها الناس
إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني : ثم تدعون إلى البراءة
مني فلا تتبرءوا مني ، فقال
( ع ) ما أكثر ما يكذب
الناس على علي ( ع ) ان عليا قال : انكم ستدعون إلى
سبي فسبوني، ثم ستدعون إلى البراءة مني ، واني لعلى
دين محمد ( ع ) ولم يقل لا تتبرءوا مني ، فقال له
السائل : أرأيت ان اختار القتل دون البراءة ،
فقال :
والله ما ذلك عليه ، وماله إلا ما مضى عليه عمار بن
ياسر حيث اكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان ، فانزل
الله ، إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان . فقال له
النبي
( ص ) يا عمار ان عادوا فعد فقد انزل
الله عذرك وأمرك ان تعود ان عادوا إليك .
وروى عن عبد
الله بن أسد عن عبد الله بن عطاء انه قال : قلت
لأبي
جعفر الباقر ( ع ) رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما
ابرءا من علي ، فبرئ احدهما وأبى الآخر فخلي سبيل الذي
برئ وقتل لآخر ، فقال ( ع ) اما الذي برئ فرجل فقيه في
دينه ، واما الذي لم يبرأ فرجل تعجل إلى الجنة ( 1 ) .
| |
(
1 ) انظر ص 217 و 218 و 220 و 221 ، فالذي برئ فقيه في دينه لأنه استطاع ان يتخلص من القتل
بإظهار كلمة البراءة من علي وقلبه عامر بحبه وولائه
فهو كغيره من المسلمين الأولين الذين اكرههم المشركون
على البراءة من محمد ( ص ) ورسالته فأنزل الله فيهم "
إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان " والثاني تعجل إلى
الجنة لأنه لم يشأ ان يتنازل ولو بلسانه عن ولائه لعلي
وآله الطيبين وأعطى لغيره مثلا رائعا في البطولة
والفداء
من اجل الحق والعقيدة
. ( * ) |
|
|
إلى غير ذلك من المرويات الكثيرة التي تؤكد
مشروعيتها وتفرض على المكلفين استعمالها في كل شيء يضطر
إليه الإنسان من يخر فرق بين الأصول والفروع ، إلا إذا
توقف التخلص من ضرر المغير على قتل إنسان مثلا ، فلا
تقية في مثل ذلك ، لأنها شرعت للتخلص من الفرار ، فإذا
لزم من استعمالها ضرر مماثل أو أقوى من الفرار الذي
توعد به الظالم فلا تحصل الغاية المطلوبة منها .
وقد
جاء في رواية شعيب الحداد عن محمد بن مسلم ان
أبا جعفر
الباقر ( ع ) قال : انما جعلت التقية ليحقن بها الدم ،
فإذا بلغ الدم فلا تقية حينئذ .
وقد تحدث الفقهاء عن
التقية في مختلف المواضيع من الفقه حسب المناسبات
وألفوا فيها الرسائل المستقلة التي تحدد موضوعها
ومواردها ، حسب الزمان والمكان والأشخاص .
ومع انها من
الضرورات التي يفرضها العقل ، بالإضافة إلى الشرع الذي
حث عليها كتابا وسنة ، مع انها كذلك فقد تعرض الشيعة
منذ العصور الأولى لأعنف الهجمات وأسوأ الاتهامات
لانهم يستعملونها حفظا لدمائهم وصونا لأعراضهم كما
يلتجئ غيرهم لذلك عندما تلجئه الضرورات لمجارات الغير
تهربا من ضرره من حيث لا يشعرون .
ان فكرة التقية ليست
من مختصات الشيعة ، ولا من مخترعاتهم ، فالإنسان بطبعه
مفطور على التهرب من الضرر بما يملك من الوسائل التي
تهيئ له السلامة ، وعندما يرى نفسه عاجزا عن دفعه
بالقوة وبغيرها من وسائل الدفاع ، يفطر إلى مجارات من
يخاف ضرره والتسليم له في الفعل والقول ، وقد اقر
الإسلام هذا الأسلوب من أساليبه الدفاع عن النفس منذ
ان بزغ فجره يوم كان المسلمون الأولون يتعرضون للأذى
والتهذيب
من القرشيين وغيرهم ، وكان من
أمر عمار بن
ياسر احد المعذبين ، ان اظهر لهم التراجع عن الإسلام
بلسانه بعد ان رأى ان صموده وتحسبه يؤديان به إلى
الهلاك ، فاقره النبي على مجاراتهم ، وانزل الله فيه
بهذه المناسبة قوله الا من اكره وقلبه مطمئن للإسلام ،
وقال له النبي ( ص ) : ان عادوا فعد ، فقد انزل الله
فيك قرآنا ، وأمرك ان تعود ان عادوا إليك .
وقال تعالى
في معرض النهي عن متابعة الكافرين ومجاراتهم في
أفعالهم وأقوالهم : " لاَّ
يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء
مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن
تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً " .
وإذا جازت التقية في اظهار الكفر والشرك تهربا من الضرر تجوز في غيرهما من
الأصول والفروع بالأولوية . ومهما كان الحال فالتقية
تتصف بالوجوب والاستحباب والحرمة ، فتجب في موارد
الضرر المترتب على المخالفة ، كما وعلم المصلي مثلا
بأنه إذا لم
يصل متكتفا يتعرض للاهانة
والإيذاء ، أو القتل ونحو ذلك من الأضرار .
وتكون
مستحبة عند توهم الضرر ، أو عند العلم بحصول الضرر
اليسير الذي لا يضر بالحال . والمحرم منها هو مجاراة
الغير على ترك واجب ، أو فعل حرام مع العلم بعدم الضرر
على فعل الواجب وترك الحرام ، أو مجاراته على قتل
الغير والتعدي على الناس بما يضر بحالهم كما لو قتل
إنسانا أو قطع يده مثلا خوفا من ضرر الحاكم ، وجاء في
رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر ( ع ) انه قال : انما
جعلت التقية ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فلا تقية
.
وقد نص الشيخ الأنصاري في رسالته التي
ألفها
في التقية ، على ان المدرك في وجوب التقية في موارد
وجوبها ، هو أدلة نفي الضرر ، وحديث الرفع الذي اشتمل
على رفع ما يضطر إليه الإنسان ، بالإضافة إلى أدلة
التقية التي تنص على إنها واسعة وليس شيء منها إلا
وصاحبها مأجور عليه .
وهذه الأدلة من حيث معذورية
المكلف بمجموعها تحكم على أدلة الواجبات والمحرمات ،
ولا تتعارض مع شيء منها ، ذلك لان أدلة التقية تقيد
موضوع تلك الأدلة بغير موارد الاضطرار والخوف من الضرر
، كما هو الشأن في جميع الأدلة الحاكمة التي ترجع في
واقعها إلى التصرف في الأدلة المحكومة سعة وضيقا ( 1 )
.
ومعنى ذلك ان
أدلة الواجبات والمحرمات إذا ضممنا
إليها أدلة التقية التي ترخص في ترك بعض الواجبات أو
إدخال ما لا يجوز إدخاله في موضوع التكليف ، هذه
الأدلة تصبح مختصة بصورة عدم الضرر على فعل الواجب ،
أو ترك
الحرام ، اما من ناحية صحة العمل الواقع على
وجه التقية ، فان أدلة تشريعها بلحاظ ذاتها بما في ذلك
قوله ( ع ) : التقية في كل شيء ، وليس شيء أوسع منها لا
يستفاد منها أكثر من الترخيص في الإتيان بالعمل الناقص
أو الزائد
تهربا من الضرر المترقب ممن يخاف من ضرره ،
ولا تدل على صحته أو فساده ، كما هو الحال في حديثي
الضرر والرفع وأمثالهما من أدلة العسر والحرج الواردة
في معرض التسهيل والتيسير على المكلفين ، والتي ترفع
المؤاخذة
أو الحكم حسب اختلاف المقامات فمن اضطر إلى
الصلاة متكتفا ، أو مع من لا تصح معه الصلاة ونحو ذلك
، فأدلة وجوب التقية تفرض عليه ان يصلي متكتفا ومؤتما
بمن لا يصح الائتمام به ولا نظر فيها إلى كفاية هذا
العمل عن الواقع وعدمها ،
| |
(
1 ) انظر رسالة الشيخ مرتضى الأنصاري في التقية
. ( * ) |
|
|
ولا بد في مثل ذلك من الرجوع إلى
أدلة الأحكام التي اعتبرت الشيء جزء أو شرطا ، أو مانعا ،
فان كانت حسب اطلاقها تشمل حالتي الاضطرار والخوف من
ضرر الغير ، فلازم ذلك فساد العمل الواقع لجهة التقية
لأنه يفقد بعض
الأجزاء أو
لأنه يقترن ببعض الموانع ،
وان لم يتسع اطلاقها لحالتي الاضطرار والخوف من ضرر
الغير يكون العمل الواقع لجهة التقية صحيحا لا يجب
اعادته في الوقت ولا قضاؤه في خارجه ، ولو ارتفع العذر
المسوغ للتقية قبل
خروج الوقت في الواجبات المؤقتة
وكان المكلف قد اوجد المأمور به تقية ، كما لو أذن
المشرع بالصلاة متكتفا ، أو أمره بالإتيان بالصلاة ،
أو بغيرها من العبادات حسبما يراه المخالفون ، ثم
ارتفع العذر المسوغ للتقية قبل مضي
الوقت فقد نص الشيخ
الأنصاري ، بأنه لا ينبغي الإشكال في كفاية العمل
الواقع من المكلف على جهة التقية ، واحتج لذلك بان
الأمر بالكلي كما
يسقط بفرده الاختياري كذلك
يسقط بفرده الاضطراري لو كانت أدلة الموانع ظاهرة في
المانعية في حال الاختيار ، فيكون المقام شبيها
بالطهارة الترابية فيما لو صلى المكلف متيمما ، ثم
ارتفع العذر قبل خروج الوقت حيث ان المستفاد من تشريع
التيمم عند الخوف من استعمال الماء ، أو عدم وجوده :
المستفاد من ذلك
جعل فردين طوليين للطهارة هما الماء
والتراب ، فإذا تحقق موضوع الثاني ، وصلى المكلف
متيمما بعد الاذن الشرعي بالصلاة يتعين سقوط الأمر
المتعلق بالعمل المأتي به في هذه الحالة ، وهكذا الحال
فيما لو كانت ادلة الاجزاء
والشروط والموانع باطلاقها
تشمل حالة الخوف من ضرر الغير ، وأدلة التقية التي
تفرض على المكلف الإتيان بالعمل الناقص ، أو المقترن
بالمانع نتيجتها تقييد اطلاق تلك الأدلة بغير موارد
الخوف والاضطرار . ثم انه لو كان زوال
العذر محتملا
قبل خروج الوقت ، فجواز المبادرة إلى الإتيان بالعمل
على وجه التقية مبني على ان ذوي الأعذار ، هل لهم ان
يبادروا إلى الامتثال في الأجزاء الأولى من الوقت مع
احتمال
بقاء الوقت الذي يتسع للواجب بجميع
أجزائه
وشرائطه بعد زوال العذر ، أم يجب عليهم الانتظار في
مثل هذه الحالة ليتاح لهم أداء الواجب على الوجه
الشرعي ، والمعول في مثل ذلك على الأدلة الخاصة التي
تعرضت لحال التقية موضوعا وحكما .
والذي عليه
أكثر
الفقهاء جواز المبادرة إلى الإتيان بالعمل تقية على
الوجه المرغوب فيه عند المخالفين ، ولو كان المكلف
يحتمل اتساع الوقت لأدائه على وجهه الشرير بعد زوال
الخوف الموجب للتقية ، وليس ذلك ببعيد عن بعض نصوصها .
مثل قوله في رواية إبراهيم الاعجمي ان تسعة اعشار
الدين في التقية ، ولا دين لمن لا تقية له ، والتقية
في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين .
وقول أبي
جعفر الباقر ( ع ) : التقية في كل شيء يضطر إليه ابن
آدم فقد أحله الله .
فان الظاهر من هذه المرويات جواز
المبادرة إلى الفعل عند حصول السبب المسوغ له ، ولو
احتمل زواله قبل خروج الوقت . هذا بالإضافة إلى
الموارد التي اذن فيها الشارع بمتابعتهم من غير تقييد
بحالة دون أخرى ، كغسل الرجلين بدلا من مسحهما ، والتكتف في الصلاة والائتمام بهم ونحو ذلك .
ويبدو من
النصوص الفقهية ان الفقهاء بين من يرى جواز المبادرة
إلى العمل على وجه التقية وان كان له فسحة من الإتيان
به على وجهه الشرير في محل آخر أو زمان آخر ، ومن
هؤلاء الشهيدان والمحقق الثاني في كتبه الثلاثة ،
الروض والبيان وجامع المقاصد
.
وبين من لا يكتفي بالعمل على وجه التقية
إلا
إذا لم يتمكن من الإتيان به كاملا في محل آخر أو زمان
أخر ، ومن هؤلاء السيد محمد صاحب المدارك . وبين من
فصل بين الموارد المأذون بها بالخصوص ، وبين غيرها مما
لم يرد فيها نص بخصوصه ، كالصلاة إلى غير القبلة ،
والوضوء بالنبيذ ، والإخلال بالموالاة في الوضوء ونحو
ذلك من الموارد التي لم يتعلق بها اذن خاص .
والذي
تؤيده بعض المرويات عن الأئمة ( ع ) انه لا بد وان
يكون المكلف غير متمكن من الإتيان بالواجب على وجهه في
ذلك الجزء من الوقت بخصوصه .
فقد جاء في رواية احمد بن
محمد بن أبي نصر ، ان إبراهيم بن شيبة قال : كتبت إلى
أبي جعفر الثاني ( ع ) عن الصلاة خلف من يتولى عليا
وهو يرى المسح على الخفين ، وخلف من يحرم المسح على
الخف وهو يمسح ، فكتب ( ع ) ان جامعك وإياهم موضع لا
تجد بدا من الصلاة معهم فأذن لنفسك وأقم فان سبقك إلى
القراءة فسبح .
وجاء في
رواية ثانية عنه ، لا تصلوا خلف ناصب ولا كرامية ( 1 )
إلا ان تخافوا على أنفسكم ان تشهروا أو يشار إليكم
فصلوا في بيوتكم ثم صلوا معهم واجعلوا صلاتكم معهم
تطوعا .
هذا
بالإضافة إلى المرويات التي تنص على ان
التقية في كل شيء
| |
(
1 ) الكرامية هم اتباع
محمد بن كرام ، وكان من القائلين بالتجسيم والتشبيه ،
وجاء في كتابه ( عذاب القبر ) ان معبوده مماس للعرش
والعرش مكان له ، وكان من أهل البدع والضلال ، كما نص
على ذلك الاسفرايني ، في التبصير ، والشهرستانى في
الملل والنحل . ( * )
|
|
|
يضطر إليه
الإنسان ، إذ بمقتضى تلك النصوص
انه لابد من الاضطرار حتى يسوغ للمكلف الإتيان بالعمل
على جهة التقية . ولو افترضنا ان المكلف يتمكن من
تخليص نفسه ولو بالذهاب إلى بيته لأداء فريضته ، أو
بطريق أخر لا عسر فيه ولاحرج عليه في سلوكه لا يصدق
الاضطرار المسوغ للامتثال على وجه التقية .
قال الشيخ
مرتضى الأنصاري : فمراعاة عدم المندوحة في الجزء
الأول
من الزمان الذي يوقع فيه الفعل أقوى مع انه أحوط ، نعم
تأخير الفعل عن أول وقته لتحقق الأمن والسلامة وارتفاع
الخوف مما لا دليل عليه ، بل الاخبار بين ظاهر وصريح
بخلافه ( 1 ) .
وقد تبين من جميع ما ذكرناه ان موارد
التقية لابد فيها من الخوف على النفس أو المال من
الغير القادر على الاضرار ، سواء كان مسلما أو غيره ،
بل وحتى لو كان من المنتسبين إلى التشيع ، وإذا كان
المكلف متمكنا من التهرب من
الضرر في الزمان
الأول لا
يصدق الاضطرار المسوغ للإتيان بالعمل الناقص أو
المخالف لمذهبه ، وتؤكد أكثر النصوص انها أي التقية
واسعة لا تختص بأمر دون أخر ، فكل شيء يضطر إليه
الإنسان يتعين عليه مجاراة الغير
فيه من غير فرق بين
الأصول والفروع ، وليس شيء أدل على ذلك من موقف
المسلمين الأولين مع مشركي مكة الذين كانوا يعذبون على
الإسلام ويظهرون الشرك بألسنتهم وقلوبهم عامرة
بالإيمان بالله ونبوة محمد ( ص ) .
ويؤكد ذلك ما جاء
عن أمير المؤمنين ( ع ) في بعض وصاياه لأصحابه ، قال :
وأمرك ان تستعمل التقية في دينك ، فان الله سبحانه قال
:
| |
(
1 ) رسالة التقية للشيخ مرتضى الأنصاري . ( * )
|
|
|
لا يتخذ المؤمنون الكافرين
أولياء من دون
المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا ان
تتقوا منهم تقاة .
وأضاف إلى ذلك ، وقد
أذنت لكم
بتفضيل أعدائنا ان الجأكم الخوف إليه ، وفي اظهار
البراءة ، وفي ترك الصلاة المكتوبة ان خشيتم على
حشاشتكم الآفات والماهات ، وتفضيلكم لأعدائنا عند
الخوف لا ينفعهم ولا يضرنا ، وان
اظهار البراءة تقية
لا يقدح فينا ، ولا تبرأ منا ساعة بلسانك وأنت موال
لنا بجنانك لتتقي على نفسك وجهها الذي به قوامها
ومالها الذي به قيامها ، وجاهها الذي به تمكنها ،
وتصون بذلك من عرف من أوليائنا وإخواننا ، فان ذلك
أفضل من ان تتعرض للهلاك وتنقطع به من عمل في الدين ،
وصلاح إخوانك المؤمنين ، وإياك إياك ان تترك التقية
التي أمرتك بها ، فانك شاحط بدمك ودم إخوانك ، معرض
لنفسك ونفوسهم الزوال ، مذل لهم في أيدي أعداء الدين ،
وقد أمرك الله
بإعزازهم ، وانك
ان خالفت وصيتي كان ضررك
على نفسك وإخوانك اشد من ضرر الناصب لنا والكافر بنا .
وهذه الرواية تتعارض مع الرواية المروية عنه ( ع ) ،
والتي جاء فيها . إنكم ستعرضون على سبي ، فسبوني ، ومن
عرض عليه البراءة مني فليمدد عنقه ، فان برئ مني فلا
دنيا له ولا آخرة .
ولكن الذي يوهن هذه الرواية ، انها
عرضت على الإمام الصادق ( ع ) فأنكرها وقال : ما أكثر
ما يكذب الناس على علي ( ع ) .
ونحن إذا لاحظنا
الحوادث وملابساتها منذ فجر الخلافة الإسلامية ،
وتتبعنا تاريخ الشيعة وأئمتهم والظروف القاسية التي
مرت عليهم وما لاقوه من التعذيب والظلم والجور في جميع
الأدوار والمراحل التي مروا بها ، لا نستطيع ان نفاضل
بين عصر وعصر ، ولا بين حاكم وحاكم ، ففي
الشطر
الأول من العهد الأموي ، لم يكن يعني
معاوية واتباعه شيء غير مطاردة الشيعة والتنكيل بهم في
مختلف أنحاء البلاد وإكراههم على سب علي والبراءة منه
ومن أبنائه ، فلم يسلم منهم إلا من تستر بعقيدته واظهر
مجاراتهم في
القول والفعل ، ونسج على منواله جميع
الأمويين وعمالهم نحوا من قرن من الزمن تقريبا ، ولما
جاء دور العباسيين ، وهم الأقربون لعلي وآله ( ع )
ترقب الشيعة انها ساعة الخلاص من ذلك العهد الجائر
وقبل ان تمتلئ رئتاهم من
النفس المريح ، وإذا بالحكام
الجدد الذين تستروا أولا بمكافحة الظلم ، وتباكوا على
القتلى من بني عمومتهم، يمارسون أسلوب أسلافهم بأقبح
الصور ، وبشكل لم يهتد إليه سلفهم " الصالح من قبل "
حتى قال القائل : يا ليت جور بني
مروان دام لنا وليت
عدل بني العباس في النار وهكذا توالت عليهم النكبات من
السلاجقة إلى الأيوبيين ، إلى الأتراك ، ولم يتنفسوا
من ظلم الحاكم الذي حكم باسم الدين والإسلام نحوا من
ثلاثة عشر قرنا ، إلا بعد ان تقلص عهد الأتراك
البغيض
المملوء بالمخازي والمفاسد ، وجاء عهد الانتداب ، ومن
ثم عهد الاستقلال ، العهد الذي تبدل فيه نوع الحكم ،
فأحس الشيعة في جميع الأقطار وبخاصة في لبنان بوجودهم
وتفتح لهم نوافذ الحرية ، ولكن رواسب تلك العهود
البغيضة ظلت تسيطر على الملايين من المسلمين ، وبقي
الكتاب من خلالها ينظرون إلى الشيعة نظرة الحاقد
الحسود الذي لا يبصر إلا من زاوية نفسه المعقدة
المظلمة فكتبوا عنهم واتهموهم بشتى الإلهامات والصقوا
بهم البدع جزافا
وبلا حساب ، ولا سبب لذلك
إلا ان
التشيع لا يقر الحكومة التي لا تقوم على أساس العدل
وإحقاق الحق ، ولا يعترف بأي سلطة لا تضمن حرية الفرد
والجماعة ، وتحمي الشعوب من الاستغلال والجشع ونشر
الفوضى ، وتحرص على كرامة الإنسان وتهيئ له الحياة
الحرة الكريمة مهما
كان لونه ونوعه
.
صحيح ان ما قيل عن الشيعة ، وما كتب عنهم ولا
يزال المتقولون والكتاب يجترونه في كل عصر وزمان ، هو
من صنع تلك العصور المظلمة الجائرة ، ولكن قد باء
الوقت المناسب لتجاهل تلك المزامير التي تغنى بها
أسلافهم قرونا
وأجيالا ، ولان يملوها كما ملوا من كل
قديم لا تفرضه الحياة في مختلف نواحيها ، وان يدرسوا
التاريخ ويحاكموه بوعي وإنصاف وتجرد ، ونحن على ثقة
بأنهم لو فعلوا ذلك سيتراجعون عن أكثر مدونات التاريخ
وأراجيف الحكام
وشيوخ السوء ، وسيعلمون ان التقية التي
اعتبروها من عيوب التشيع ، يفرضها الواقع ، ويحكم بها
العقل في مثل تلك الظروف التي أحاطت بالشيعة دون سواهم
، وقد ساعدت على بقاء الأديان وانتشارها أولا وأخيرا ،
في حين هي ابعد
ما تكون عن الباطنية والسرية والرياء ،
كما يزعم بعض المؤلفين من السنيين وغيرهم . فالباطنية
مذهب له أصوله وقواعده عند مبتدعيه وواضعيه يتنافى مع
أصول الإسلام وقواعده ، وقد كمر أئمة الشيعة المعتنقين
لهذه الفكرة والمرائين ، وعدوا الرياء نوعا من الشرك
كما جاء في مروية يزيد بن خليفة عن الإمام الصادق ( ع
) ( 1 ) .
ان التقية دعوة إلى الخلود والسكينة ، وليست
شيئا آخر وراء مجاراة الغير تهربا من شره وضرره حتى
يتهيأ الوقت المناسب للوقوف في وجه الطغيان والفساد مع
العلم بان جميع الأديان والطوائف تقر مبدأ التقية ،
وتدفع المهم بالأهم وتقدم الفاسد على الافسد ، وتأخذ
بقاعدة دفع المفاسد أولى من جلب المصالح .
والسنة أنفسهم يقرونها ويعملون بها لدفع
الأضرار والمفاسد
وجلب المصالح والمنافع ، فقد جاء في الجزء الثالث من
احياء العلوم للغزالي ، ( باب ما رخص فيه الكذب ) .
| |
(
1 ) انظر ص 293 ، ج 2 ، من الكافي
. ( * ) |
|
|
جاء فيه ، ان عصمة دم المسلم واجبة ، فإذا
كان القصد سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم ، فالكذب فيه
واجب .
وقال الرازي : وهو يفسر قوله تعالى : (
إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) قال : روي عن الحسن انه قال :
التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وأضاف إلى
ذلك . ان هذا القول هو الأولى ، لان دفع الضرر عن
النفس واجب بقدر الإمكان وأنكر الشاطبي في الموافقات
على الخوارج القائلين بان سورة يوسف ليست من القرآن ،
وان التقية لا تجوز في قول أو فعل ، وأكد مشروعيتها في
موارد الحاجة إليها .
وقال جلال الدين السيوطي في الاشباه والنظائر : يجوز أكل الميتة في الخمصة ،
واساغة اللقمة في الخمر ، والتلفظ بكلمة الكفر ، ولو
عم اسرام قطرا ، بحيث لا يوجد فيه حلال الا نادرا فانه
يجوز استعمال ما يحتاج إليه .
وقال أبو بكر الجصاص :
في تفسير قوله تعالى : "
إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً " أي
ان تخافوا
تلف النفس ، أو بعض الأعضاء ،
فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها ، وهذا هو
الظاهر من الآية الكريمة ، وعلى ذلك الجمهور من أهل
العلم ، وأضاف إلى ذلك ان عبد الرزاق روى عن معمر عن
قتادة في تفسير قوله تعالى : (
لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ
أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ
" قال : لا يحل لمؤمن ان
يتخذ كافرا وليا في دينه ، وقوله تعالى : "
إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً " هذه الآية تدل على جواز اظهار الكفر
عند التقية .
وجاء في الجزء الرابع من السيرة الحلبية
: ان رسول الله ( ص ) لما فتح خيبر ، قال له حجاج بن علاط : يا رسول الله ان لي بمكة مالا وان لي
أهلا ،
وأنا أريد ان آتيهم ، فانا في حل ان أنا نلت منالي ،
وقلت شيئا ، فأذن له رسول الله ان يقول ما شاء
.
إلى غير ذلك من النصوص الفقهية والتاريخية
الكثيرة الواردة في كتب مشاهير أهل السنة ، والتي
يستفاد من خلالها بان التقية من الضرورات التي لا يمكن
الاستغناء عنها والتنكر لها بحال ( 1 ) .
والشيء الغريب
ان بعض السنة مع وجود هذه النصوص والتصريحات في كتبهم
يعدونها من عيوب الشيعة ، وينعتونها بالرياء تارة
والدجل والباطنية أخرى ونحو ذلك من النعوت التي ان دلت
على شيء فإنها تدل على انهم يحاولون ولو بالتمويه
والتضليل والافتراء التشنيع على الشيعة وإظهارهم على
غير واقعهم ولو بهذه الأساليب المفضوحة .
| |
(
1 ) انظر الشيعة والتشيع ، ص 51 ، شيخ محمد جواد
مغنيه ، والموافقات للشاطبي ، ص 180 ، ج 4 ، والاشباه
والنظائر ص 76 ، والجزء الثاني من
أحكام القران للجصاص
ص 10 ، والجزء الثالث من السيرة الحلبية ص
61 ( * ). |
|
|
|