دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 345 : -

من مرويات الكافي حول القرآن
 

لقد خصص الكليني فصلا كبيرا من المجلد الثاني للمرويات التي تشيد بفضل القرآن ومكانته وتلاوته واقتنائه وحفظه ، والاعتصام به ، مما يؤكد حرص الأئمة ( ع ) على تعظيمه وتقديسه والعمل به والاستفادة من حكمه وآدابه وتعاليمه ، وليس بوسعنا ان نستقصي جميع ذلك ، ولا جميع مرويات الكافي التي أحاطت بجميع نواحي الخير والفضيلة والأخلاق ، وعالجت جميع المشاكل ووضعت لها الحلول التي تتناسب مع جميع العصور .

وقد رأيت ان اختم كتابي هذا ببعض المرويات التي تشعر بتحريف القرآن ، وعليها قد اعتمد من نسب القول بالتحريف إلى الشيعة وأئمتهم وإسقاط بعض الآيات منه .

فمن ذلك ما رواه في باب النوادر عن الاصبغ بن نباتة ان أمير المؤمنين ( ع ) كان يقول : نزل القرآن أثلاثا ، ثلث فينا وفي عدونا ، وثلث سنن وأمثال ، وثلث فرائض وأحكام .

وقد استنتج من نسب القول بالتحريف إلى الشيعة من هذه الرواية ان الثلث الذي هو في أهل البيت وأعدائهم ، قد اسقط من القرآن ، بنظر الشيعة لان الموجود بين أيدي المسلمين لم يشتمل على هذا النوع من الثلث صراحة وقد فاتهم ان الذي يعنيه الإمام ( ع ) بهذه الرواية من الثلث

ص 346 :

الأول على صحتها هم ومن كان من نسخهم من المؤمنين والطيبين الذين طبقوا مبادئهم وعملوا بما جاء به الأنبياء والمرسلون ، ويعني بعدوهم كل منحرف عن الحق لا يؤمن بيوم الحساب ، ولا يعمل بما أمر الله ورسوله ، فالآيات

التي تعرضت للطيبين والمسارعين إلى الخيرات والأعمال الصالحات نزلت فيهم، لان من كان بهذه الصفات فهو منهم بعمله وروحه وإيمانه بمبادئهم التي دعا إليها الإسلام وجميع الأديان ونص عليها القران لا فرق في ذلك بين الأبيض

والأسود والعربي وغيره ، ولذلك وحده كان سلمان من أهل البيت وتأكيدا لهذا المبدأ قال الرسول ( ص ) : سلمان من أهل البيت . والآيات التي تعرضت للأشرار والفجار والمنافقين في أي عصر كانوا هي في عدوهم ، ولو سبقهم بعشرات القرون ، لأنهم لا يعادون إلا في الله ، ولا يحبون إلا في الله .

ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر ( ع ) انه قال : يا محمد إذا سمعت الله ذكر أحدا من هذه الأمة بخير فنحن هم ، وإذا سمعت الله ذكر قوما بسوء ممن مضى فهو عدونا .

وجاء عنه ( ع ) انه قال : نزل القرآن أثلاثا ثلث فينا وفي محبينا ، وثلث في أعدائنا وأعداء من كان قبلنا ، وثلث سنن وأمثال ، ولو ان الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السموات والأرض ، ولكل قوم آية يتلونها هم منها في خير أو شر ( 1 ) .

 

( 1 ) والمراد من ذلك ان الآية قد يكون موردها خاصا أحيانا ، ولكن حكمها يسري على من كان نسخ موردها ولو بعد نزولها بعشرات السنين . ( * ) 

 

 

ص 347 :

هذا بالإضافة إلى ان الرواية من حيث سندها ليست مستوفية للشروط المطلوبة ، لان الراوي لهذه الرواية عن الاصبغ بن نباتة كان من المعاصرين للإمام الصادق ( ع ) كما يظهر من كتب الرجال وبينه وبين الاصبغ أكثر من سبعين عاما ، وقد رواه عنه بدون واسطة ، وهذا من نوح التدليس في الرواية الموجب لضعفها ، وفوق ذلك فهو من المتهمين بالوضع عند المؤلفين في الرجال .
 

وقد روى داوود بن فرقد عن أبي عبد الله الصادق ( ع ) بسند اقرب إلى الصحة من الحديث السابق ، ان القرآن نزل أربعة أرباع ، ربع حلال ، وربع حرام ، وربع سنن وأحكام ، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم ، وفصل ما بينكم .

وهذه تنافي الرواية السابقة التي قسمته أثلاثا ، ونصت على ان الثلث الأول نزل في أهل البيت وأعدائهم . وإذا كان الثلث الأول فيهم وفي أعدائهم بأسمائهم وأشخاصهم كما يقتضيه الجمود على ظاهر الرواية ، فلماذا لم يحتج عليهم أمير المؤمنين ( ع ) في الأيام الأولى بعد وفاة الرسول ( ص ) بذلك الثلث ، مع انه وقف معهم موقف الخصم المطالب بحقه ، واحتج عليهم بمختلف الأساليب ، ولم يحدث التاريخ عنه أو عن أصحابه وبنيه انهم احتجوا بذلك ، ولو صحت الرواية وكان المراد منها المعنى الظاهر لكانت تلك للآيات من أقوى الحجج الدامغة لهم ولكل افاك أثيم .

ومهما كان الحال فالرواية على تقدير صدورها عن الإمام ( ع ) تشير إلى ما ذكرناه أولا .

وروى عن احمد بن محمد بن أبي نصر انه قال : دفع إلي 

ص 348 :

أبو الحسن ( ع ) مصحفا وقال : لا تنظر فيه ، ففتحته وقرأت فيه ، لم يكن الذين كفروا ووجدت فيها سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم ، فبعث إلى أبو الحسن ( ع ) ابعث إلي بالمصحف .

وروى عن عبد الرحمن بن أبي هاشم عن سالم بن أبي سلمة انه قال : قرأ رجل على أبي عبد الله ( ع ) وأنا استمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس ، فقال أبو عبد الله : كف عن هذه القراءة ، واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم ، فإذا قام قرأ كتاب الله عز وجل على حدة ، واخرج المصحف الذي كتبه علي ( ع ) .

وأضاف إلى ذلك : ان عليا أخرجه إلى الناس حين فرغ من كتابته ، فقال لهم ، هذا كتاب الله عز وجل كما انزله الله على محمد ( ص ) وقد جمعته من اللوحين ، فقالوا هوذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن ، لا حاجة فيه ، فقال : اما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا ، انما علي ان أخبركم حين جمعته لتقرءوه ( 1 ) .
 

وروى في كتاب الحجة من المجلد الأول بعض المرويات التي تشير إلى تحريفه ، وقد عرضنا قسما منها في الصفحات السابقة وأبدينا حولها بعض الملاحظات التي لا مفر منها ونبهنا على ان رواتها من الغلاة والمنحرفين عن مخطط التشيع الصحيح لأهل البيت ( ع ) .

ومن هذه المرويات التي أوردها الكليني وغيره من المحدثين في مجاميعهم تعرض الشيعة وبخاصة الكليني لأعنف الهجمات من السنة وبالغوا في التشنيع عليهم إلى حد الغلو والإفراط الذي لا مبرر له ، وزعموا ان للشيعة قرآنا غير القرآن الموجود بين أيدي المسلمين ، ووصف الشيخ أبو زهرة الكليني بالنفاق والخروج عن الدين ، ودعا إلى التشكيك بجميع مرويات الكافي ، لأنه دون فيه هذا النوع من الأحاديث ، مع العلم بان محدثي السنة دونوا في صحاحهم وغيرها أحاديث من هذا النوع لا

 

( 1 ) انظر ص 627 و 628 و 631 و 623 ( * ) .

 

 

ص 349 :

تقبل التأويل والتوجيه كما يبدو من المرويات التالية التي دونها البخاري في صحيحه .

فقد جاء في المجلد الثاني منه عن إبراهيم بن علقمة انه قال : دخلت في نفر من أصحاب عبد الله الشام فسمع بنا أبو الدرداء فأتانا وقال : أفيكم من يقرأ القرآن فقلنا نعم : فقال فأيكم اقرأ فأشاروا إلي ، فقرأت والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ، قال : أنت سمعتها من في صاحبك قلت نعم : قال وانا سمعتها من في النبي ( ص ) وهؤلاء يأبون علينا . وما خلق الذكر والأنثى .
 

وفي رواية ثانية ان أبا الدرداء قال لعلقمة كيف سمعته يقرأ والليل إذا يغشى ، قال علقمة : والذكر والأنثى ، قال أبو الدرداء : اشهد اني سمعت النبي ( ص ) يقرأ هكذا ، وهؤلاء يريدوني على ان اقرأ وما خلق الذكر والأنثى ، والله لا اتابعكم على ذلك . وروى في المجلد الثاني رواية بهذا المضمون أيضا ( 1 ) .
 

وروى في المجلد الرابع عن عبد الله بن عباس انه قال : قدمنا المدينة عقب ذي الحجة ، فلما كان يوم الجمعة عجلنا الرواح حين زاغت الشمس فوجدت سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي

ركبتيه ، فلم انشب ان خرج عمر بن الخطاب ، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف ، فأنكر علي وقال ما عسيت ان يقول ما لم يقله قبله ، فجلس عمر بن الخطاب على المنبر ، فلما سكت

المؤذنون قام فاثنى على الله بما هو أهله ثم قال : اما بعد فاني قائل مقالة قد قدر لي ان أقولها لا ادري لعلها بين يدي اجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ، ومن خشي ان لا

 

( 1 ) انظر ص 215 ، ج 3 ، و 307 ، ج 2 ( * ) .

 

 

ص 350 :

يعقلها فلا احل لأحد ان يكذب علي ، ان الله بعث محمدا بالحق وانزل عليه الكتاب فكان مما انزل عليه آية الرجم فعقلناها ووعيناها ، رجم رسول الله ورجمنا بعده ، واخشي ان طال بالناس زمان ان يقول قائل : والله ما نجد آية

الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فضيلة انزلها الله . والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة ، أو كان الحبل ، أو الاعتراف ، وكنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله ، ان لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم ان ترغبوا عن آبائكم .
 

وروى أيضا عن عكرمة ، ان عمر بن الخطاب قال : لولا اني أخشى ان يقول الناس : زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي ( 1 ) .
 

وجاء في النصوص التي تعرضت لها : ان زيد بن ثابت لم يدون آية الرجم في كتاب الله حينما أوكل إليه أمر جمع القرآن ، لأنه كان لا يدون آية إلا بشهادة عدلين ، ولم يكتف بشهادة عمر وحده ، في حين ان آخر سورة براعة لم توجد الا مع خزيمة بن ثابت ، فقال أبو بكر اكتبوها : فقد جعل رسول الله شهادته بشهادة رجلين .
 

وروى في المجلد الثاني عن انس بن مالك ان النبي ( ص ) دعا على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين غداة ، على رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله ، وأضاف إلى ذلك انس ، ان الله انزل في الذين قتلوا بئر معونة قرآنا قرأناه ى ثم نسخ بعد ( بلغوا قومنا ان قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ) ( 2 ) .
 

 

( 1 ) انظر ص 179 و 265 ، ج 4 . ( 2 ) ص 140 ، ج 2 ولابد من التنبيه على ان النسخ انما يكون بالنسبة إلى الأحكام واما الألفاظ والصيغ فلا نسخ فيها ولذا فان الآيات التي نسخ حكمها في القرآن لم تقد من أصل القرآن ولم تخرج عن كونها قرآنا منزلا من الله سبحانه . ( * ) 

 

 

ص 351 :

وقد ذكرنا سابقا عن مصحف عائشة كما جاء في الإتقان ، وانها تدعى بان الله انزل في القرآن ، ان الله وملائكته يصلون على النبي ، وعلى الذين يصلون الصفوف الأولى .
 

وجاء في بداية المجتهد لابن رشد وغيرها ، ان القرآن نزل بعشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن ، كما جاء في رواية السيدة عائشة .

مع العلم بأنه ليس في القرآن ما يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد .
 

وجاء في الاتقان للسيوطي : عن المسور بن مخزمة ان عمر بن الخطاب قال لعبد الرحمن بن عوف : لم نجد فيما انزل علينا ، ان جاهدوا كما جاهدتم أول مرة ، فانا لا نجدها ، قال : اسقطت فيما اسقط من القرآن .
 

وجاء في صحيح مسلم : ان ابا موسى الأشعري بعث إلى قراء أهل البصرة ، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن ، فقال انتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وانا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير اني قد حفظت منها ، لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى غيرهما واديا ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن ادم الا التراب وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير اني حفظت منها ، يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ( 1 ) .

إلى غير ذلك من المرويات عند السنة في صحاحهم وغيرها ، ومع ذلك فقد تجاهلوا جميع هذه المرويات ونسبوا القول بالتحريف إلى

 

( 1 ) البيان في التفسير للسيد الخوئي عن مسلم ، ج 3 ، ص 100 ( * ) .

 

 

ص 352 :

الشيعة وحدهم ، مع العلم بان علماء الشيعة تمشيا مع المخطط الذي وضعه أئمتهم لا يزالون منذ أقدم العصور الإسلامية ينكرون هذه النسبة في كتبهم ومناظراتهم ، ويجادلون أصحاب هذه المقالة بالحجج والبراهين ، ويثبتون

بالأدلة التي لا تقبل الريب ان القرآن الموجود بين المسلمين هو المنزل على محمد ( ص ) من غير زيادة أو نقصان ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولا ينكرون وجود بعض المرويات في الكافي وغيره حول هذا الموضوع،

ولكنهم يرون ان أكثر تلك المرويات مكذوبة على الأئمة ( ع ) لان رواتها من الغلاة والباطنية كما اشرنا إلى ذلك في المباحث لسابقة والصحيح منها ليس صريحا في التحريف بمعنى النقصان لامكان ان يكون المراد منه تحريف المعاني مع الاحتفاظ بالصيغة والألفاظ .

ويؤيد هذا المعنى ما جاء في رواية سعد الخير التي رواها في الكافي عنه ، ان أبا جعفر الباقر كتب إلى سعد الخير كتابا أوصاه فيه بتقوى الله ، وجاء فيه ، وكان من نبذهم الكتاب ان أقاموا حروفه وحرفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه .

وهذه الرواية تفسر التحريف الوارد في بعض مرويات الكافي وغيره من كتب الحديث والتفسير . ومن خصوص الزيادة الموجودة في مصحف علي ( ع ) كما جاء في بعض المرويات ، لو تغاضينا عن العيوب الموجودة في اسانيدها والتزمنا بصحتها من ناحية السند ، فلا بد وان تكون الزيادات المزعومة من قبيل التفسير والتوضيح للمراد من تلك الآيات عن طريق الوحي أو النبي ( ص ) كما نص على ذلك جماعة من علماء الإمامية .

ويدل على ذلك ما جاء في الكافي عن أبي بصير انه قال : سألت 

ص 353 :

أبا عبد الله الصادق ( ع ) عن قوله تعالى : " أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ " . فقال : نزلت في علي والحسن والحسين ( ع ) قلت له : ان الناس يقولون : فما له لم يسم عليا والحسن والحسين في كتاب الله ؟ قال : قولوا لهم : ان رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يسم لهم ثلاثا ولا أربعا حتى كان رسول الله هو الذي فسر ذلك لهم .

هذا بالإضافة إلى ان عليا والمتخلفين معه عن بيعة أبي بكر لم يحتجوا على احد بورود هذه الأسماء في القرآن الكريم ولو كان له ولأبنائه ذكر صريح في كتاب الله ، لكان احتجاجهم بذلك أجدى وانفع من جميع الحجج التي استدلوا بها على استخلافه بعد النبي ( ص ) كما ذكرنا سابقا .
 

ومهما كان الحال فروايات التحريف رواها بعض محدثي الشيعة كالكليني وغيره ، ورواها أهل السنة في صحاحهم كالبخاري ومسلم وغيرهما وهي عند السنة أكثر منها عند الشيعة وبشكل أبشع وأسوأ أثرا مما رواه محدثوا الشيعة ، والذين آمنوا بها من السنة لا يقلون عمن آمن بها من الشيعة ، وان كانوا لا يمثلون رأي الجمهور في ذلك ، لان أكثرهم من المنكرين لها ، كما هو الحال بالنسبة إلى الشيعة أيضا .
 

ولو ان الذين كتبوا من السنة وقفوا عند عرض وجهة نظر الفريقين واقتصروا على تفنيد هذا الرأي أيا كان قائله ، لكان ذلك اقرب إلى منطق الدين والعقل ، وابعد عن التحيز والتعصب الذي يثير الشحناء والبغضاء ولا يخدم إلا العدو الذي يستغل هذه المهاترات لأغراضه ومصالحه .

ولكنهم بدلا من ذلك ، ومع وجود تلك المرويات في صحاحهم ومجاميعهم وقفوا موقف المهاجم العنيد والخصم الحاقد على الشيعة ليقذفوا بمفترياتهم تلك الحصون المنيعة التي بنيت بتعاليم علي وأهل بيته الطيبين المستوحاة من الرسول الأعظم والكتاب الكريم ونسي هؤلاء ان 

ص 354 :

حصونهم وبيوتهم من الزجاج الذي لا يصمد لهبات النسيم فضلا عن العواصف والأحجار .
 

لقد تعرض لمسألة التحريف من المتأخرين الشيخ أبو زهرة في كتابيه ( الإمام الصادق ، والإمام زيد بن علي ) ووصف فيهما الكليني بالنفاق والخروج عن مخطط الإسلام ، ودعا إلى التشكيك بجميع مروياته في الكافي وفي نفس الوقت تعرض للسيوطي في الاتقان وغيره ممن روى هذه المرويات وانتهى إلى النتيجة التالية .
 

ان ما نقله السيوطي وأشباهه لا يجعل مساغا للتشكيك في دينهم ، وان كنا لا نوافق على سرد الأقوال ذلك السرد الذي سلكه السيوطي في كتابه من غير تمحيص لها ( 1 ) .
 

وإذا كان السيوطي مع انه دون هذه الأحاديث في كتابه من غير تمحيص لها لا يصح التشكيك في دينه كما يدعي أبو زهرة ، فبماذا يعتذر حضرته عن البخاري الذي اختار جامعه من ستمائة ألف حديث ولا بد وان يكون قد محصها

تمحيصا دقيقا حتى انتهى إلى العدد المختار في صحيحه الذي بلغ نحوا من سبعة آلاف وستمائة حديث تقريبا ، ومع هذا التمحيص فقد روى أحاديث النقص وما يشبهها غرابة واستهجانا كحديث سحر النبي ، ووضع الرب رجله في

جهنم ، وحديث موسى مع الحجر ونحو ذلك من الأحاديث التي عرضنا قسما منها ، وكتابه اصح كتب الحديث بل اصح كتاب بعد كتاب الله على حد تعبيرهم ، وإذا أخذنا بمقاييس أبي زهرة يجب التشكيك بدينه والنقد الواعي لجميع مروياته أو طرحها ، ولكنه لم يطبق هذا المبدأ إلا على الكليني وحده .

 فقد قال عندما تحدث عن البخاري محاولا تبرير موقفه من وجود مرويات غير مرضية في صحيحه ، قال : والبخاري ذاته هو اصح الكتب

 

( 1 ) انظر ص 326 من " كتابه الإمام الصادق " . ( * ) 

 

 

ص 355 :

إسنادا قد أخذت عليه أحاديث : وما كان ذلك مسوغا لتكذيب البخاري ولا كان ذلك مسوغا لنقض الصحيح الذي رواه.

ونحن لا ننكر عليه ان وجود بعض المرويات المكذوبة في أي كتاب كان لا يوجب الطعن والتفسيق لصاحب الكتاب ، ولا سقوط جميع مروياته ، والذي أنكرناه انه كان من المفروض عليه وهو يدعى التجرد والإخلاص للحق ان لا يفرق بين الكليني والبخاري ، وان يحكم عليهما بحكم واحد ، لان كلا منهما قد روى أحاديث النقص والتحريف .
 

وأخذت عليه أحاديث لا يمكن الالتزام بها والاطمئنان إليها ، فلماذا وهو الباحث المجرد على حد زعمه ، كانت تلك المرويات المكذوبة في الكافي موجبة للطعن في دينه والتشكيك بجميع مروياته والمرويات المكذوبة في البخاري لا توجب شيئا من ذلك .
 

وانني أعود فاكرر ما ذكرته سابقا من اني لم أتحيز في هذه الدراسات إلى فريق معين ، ولكنها الحقيقة تفرض نفسها أحيانا على الكاتب ، فيضطر إلى ابرازها مهما كلفه ذلك من ثمن ، وأنا واثق باني سأتعرض بسبب هذه الدراسات إلى النقد والهجوم من مقلدة الشيعة وحشوية العامة الذين احتضنوا كتب الحديث وغالوا في تقديسها على ما فيها من العلل والعيوب ، من غير تفكير بالأخطار الناجمة عن وجود تلك المرويات المنتشرة هنا وهناك بين السنة المحمدية والتي تمكن أعداء الإسلام وأعداء أهل البيت ( ع ) من التشنيع عليها وتشويه معالمها النيرة الساطعة .
 

وأرجو ان تكون هذه الدراسات المختصرة تمهيدا لدراسات واسعة تشمل جميع كتب الحديث وتصفيتها من الموضوعات التي تسئ إلى السنة الكريمة ومنه سبحانه نستمد العون ، والإخلاص في العمل والتوفيق لخدمة الدين والمذهب انه قريب مجيب

ص 356 :

مصادر الكتاب

القران الكريم
مجمع البيان للطبرسي
آيات الأحكام للجزائري
أحكام القرآن للجصاص
مقدمة البيان في التفسير للسيد الخوئي
الكافي للكيني
الصحيح للبخاري
فوائد الوسائل للحر العاملي
مستدرك الوسائل للمرزا حسين النوري
روضات الجنات للخونساري
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر
هدى الساري لابن حجر
انساب الأشراف للبلاذري
تهذيب التهذيب
تاريخ اليعقوبي
المعارف لابن قتيبة
الإصابة لابن حجر
الاستيعاب لابن عبد البر
الباعث الحثيث في شرح علوم الحديث لابن كثير
شذرات الذهب لابن العماد الحنبلى
 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب