|
دراسات في الحديث والمحدثين-
هاشم معروف الحسيني ص 58 : - |
|
العدالة
لما كانت العدالة من الشروط
الأولية
للحديث الصحيح عند الفريقين السنة والشيعة ، ولما كانت
عدالة الصحابة من الأمور المتفق عليها بين محدثي السنة
، كان من المفروض ان نتعرض لهذين الموضوعين في هذه
الدراسات حول
الصحيح للبخاري ، والكافي للكليني ، ذلك
لأنهما لم يدونا في هذين الكتابين إلا ما صح عندهما من
المرويات في مختلف المواضيع ، ولان البخاري أكثر ما
يعتمد في صحيحه على مرويات الصحابة مهما كان حالهم ،
ولا يتردد في
مروياتهم ولو كانت لا تنسجم مع
أصول الإسلام ومبادئه ، أو كانت عن طريق ابي سفيان ، والحكم
بن ابى العاص وأمثالهما من أعداء الإسلام .
والمراد من
العدالة كما يظهر من موارد استعمالها عندهم ، استقامة
الراوي في أمور الدين ، وسلامته من الفسق ، ومنافيات
المروءة في جميع الحالات ونص الخطيب البغدادي في (
الكفاية ) على ان العدل من عرف بأداء الفرائض،
ولزوم
ما أمر به ، وتوقي ما نهي عنه ، وتجنب الفواحش المسقطة
، وتحرى الحق والواجب في أفعاله ومعاملاته ، والتوقي
في لفظه مما يلثم الدين والمروءة ، وأضاف إلى ذلك .
ان
من كانت هذه حاله فهو الموصوف بانه عدل في دينه ،
واستدل على ذلك بقول النبي ( ص ) . من عامل الناس فلم
يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم
يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته
، ووجبت اخوته ، وحرمت غيبته .
وأكثرهم يفرق بين تعديل
الراوي وتزكية الشاهد ، فيكتفون في تعديله بشن اهد
واحد ، ح ويشترطون التعدد في التزكية ، لأنها نوع من
الشهادة التي لا بد فيها من التعدد .
ويبدو من هذا
النص وغيره من النصوص ان العدالة من الصفات القائمة
بالنفس التي تعرف بآثارها كأداء الفرائض وتجنب
المحرمات ومنافيات المروءة وغير ذلك مما يكشف غالبا عن
وجود تلك القوة الدافعة على العمل بالواجبات
وترك
المحرمات ، وتحري الحق والواجب في جميع الأفعال
والمعاملات ، فلا بد والحالة هذه من تتبع أحوال الراوي
في أكثر حالاته ليصح الحكم عليه بالعدالة أو عدمها .
وقال الدكتور صبحي الصالح : ولا ريب ان العدالة شئ زائد
على مجرد التظاهر بالدين والورع ، لا تعرف الا بتتبع
الأفعال واختبار التصرفات لتكون صورة صادقة عن الراوي
( 1 ).
ونص في المجلد الثاني من توضيح
الأفكار على انه لا فرق بين تزكية الراوي وتزكية
الشاهد من حيث الاكتفاء بشاهد واحد ، وأيد ذلك القاضي
الباقلاني ، واحتج لذلك ، بان التعدد انما يجب
في الشهادة ، وتزكية الشاهد ليست شهادة ( 2 ) .
ونص
الشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائي احد أعلام
الإمامية في كتابه الوجيزة في دراية الحديث ، ان عدالة
الراوي وجرحه يثبتان
| |
(
1 ) انظر ص 133 من علوم الحديث .
( 2 ) الباقلاني احد الشيوخ الذين انتهت إليهم زعامة المذهب الأشعري في النصف الثاني من القرن
الرابع ، توفي سنة 403 . ( *
) |
|
|
بشهادة عدل واحد عند
الأكثر ، ولو اجتمع
الجارح والمعدل فالمشهور تقديم الجارح .
كما وان أكثر
النصوص الشيعية تؤكد ان العدالة صفة قائمة في النفس ،
وان الطريق إلى معرفتها هو فعل الواجبات وترك المحرمات
، كما نص على ذلك العلامة الحلي وأكثر من تأخر عنه ،
وأضاف بعضهم إلى ذلك ترك ما يتنافى
مع المروءة وان لم
يكن بذاته من المحرمات ، وفي مقابل ذلك نص جماعة على انها ليست شيئا آخر وراء فعل الواجبات وترك الحرام فمن
فعل الواجب وترك الحرام كان عادلا ، وان لم يكن ذلك
ناتجا عن وجود صفة في النفس
تدفعه إلى فعل الواجب وترك
الحرام ، وتشدد فريق ثالث في تحديدها ، فقالوا : بأنها
الاستقامة في أمور الدين الناتجة عن الملكة القائمة في
النفس ، وفرعوا على ذلك بان من فعل الواجبات وترك جميع
الكبائر إذا لم يكن ذلك منه بتأثير
تلك القوة الدافعة
على العمل والإطاعة لا يكون عادلا ، واحتجوا لذلك ببعض
المرويات عن الأئمة ( ع ) وقد جاء فيها ان العادل هو
المعروف بالستر والعفاف ، وكف البطن والفرج واليد
واللسان ، واجتناب الكبائر التي توعد الله
عليها
سبحانه بالنار ، وهذه الصفات لا تجتمع في شخص ما لم
يكن الخوف من الله مسيطرا عليه ومتأصلا في نفسه ،
وليست الملكة في واقعها غير الخوف والرجاء الدافعين
على الطاعة والاستقامة في أمور الدين .
ومهما كان
الحال فالظاهر ان الجميع متفقون على ان العدالة التي
هي شرط في الشاهد وإمام الجماعة والراوي وغير ذلك
تترتب آثارها إذا كان الإنسان معروفا بالستر والعفاف
وترك المعاصي ، وفعل الواجبات سواء كانت من الأمور
القائمة بالنفس وهذه الأمور كواشف عنها ، أم
كانت هي العدالة الشرعية التي اعتبرها الشارع
موضوعا للآثار المختلفة حسب المقامات ، وتفسيرها بهذا
المعنى ليس بعيدا عن ظاهر النصوص التي تعرضت لحالها ،
وقد جاء في بعضها ، من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم
فلم
يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن حرمت غيبته ،
وكملت مروءته وظهرت عدالته ، وفي بعضها إذا كان ظاهر
الإنسان مأمونا جازت شهادته ، وليس عليك ان تسال عن
باطنه إلى غير ذلك من النصوص التي تشير إلى ان العدالة
ليست شيئا آخر ورا فعل الواجبات وترك المحرمات .
وقد
تعرض الفقهاء بمناسبة حديثهم عن العدالة ومنافياتها
إلى تصنيف المعاصي إلى صغائر وكبائر ونص أكثرهم على ان
الإصرار على الصغائر وعدم التوبة عنها من نوع
الكبائر ، لان الإصرار عليها يلازم الاستخفاف بأوامر
الله
والأمن من العقوبة ، جاء عن
الإمام محمد الباقر (
ع ) ان الإصرار على الذنب امن من مكر الله ولا يأمن
مكر الله إلا القوم الخاسرون ، ونص أكثرهم على ان
الكبيرة هي ما توعد الله عليه بالعذاب في كتابه وعلى
لسان نبيه ( ص )
واعتمدوا في ذلك على رواية عبد العظيم
ابن عبد الله الحسني عن ابي جعفر الجواد ( ع ) وجاء
فيها ان عمرو بن عبيد دخل على الإمام الباقر ( ع )
وبعد إذ استقر به المجلس تلا قوله تعالى : ان تجتنبوا
كبائر الإثم والفواحش ، ثم
قال :
أحب ان اعرف الكبائر
من كتاب الله ، قال أبو جعفر ( ع ) : يا عمرو اكبر
الكبائر الإشراك بالله ، قال سبحانه : ومن يشرك بالله
فقد حرم الله عليه الجنة ، وبعده اليأس من روح الله ،
لان الله يقول : لا ييئس من روح
الله إلا القوم
الكافرون ، ومضى الإمام ( ع ) يعدد الكبائر التي نص
عليها القرآن حتى عد اثنين وعشرين نوعا منها . وجاء عن
الإمام الرضا ( ع ) انها خمس وثلاثون نوعا ، وعد منها
قتل النفس ، والزنا والسرقة ، وشرب الخمر ،
وعقوق الوالدين . والفرار من الزحف . واكل مال اليتيم
. ومعونة الظالمين والركون إليهم . والربا . وقذف
المحصنات وغير ذلك من المحرمات المنصوص عليها في
الكتاب والسنة وتقسيم المعاصي إلى الصغائر والكبائر .
هذا التقسيم يمكن ان يكون نسبيا بمعنى ان كل معصية
بالنسبة لما فوقها صغيرة ، وبالنسبة لما هو دونها
كبيرة فلو قلنا بذلك تصبح كل معصية من المعاصي صالحة
للوصفين ، ويكون الفاعل مستحقا للعقاب باعتبار كونه
عاصيا مع قطع
النظر عن نوع المعصية ووصفها ، ويدل على
ذلك قوله تعالى ! ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم
، حيث ان الآية بظاهرها تنص على ان مطلق المعصية سبب
لهذا الجزاء .
ومما لا شك فيه ان عدالة الراوي تثبت
بشاهدين عدلين بمقتضى الأدلة الدالة على حجية البينة
وقيامها مقام العلم في جميع موارد العمل بها ، اما
الشاهد الواحد ، فقد نص أكثر الفقهاء على الاكتفاء به
في تعديل الراوي ، كما نص على
ذلك الشيخ عبد الصمد في
الوجيزة ، والمامقاني في مقباس الهداية وغير هما ، وفي
مقابل ذلك لم يكتف بعض الفقهاء بالشاهد الواحد لان
عدالة الراوي كغيرها من الموضوعات التي لا بد من
إحرازها بطريق العلم أو ما يقوم مقامه ،
وليس ذلك
إلا
البينة التي تتألف من شاهدين . ورجح الشيخ الأنصاري الاكتفاء بكل ما يفيد الوثوق والاطمئنان بعدالته بما
في ذلك العدل الواحد إذا حصل من شهادته الاطمئنان بها
اعتمادا على بعض النصوص التي لم تشترط أكثر من
الوثوق
والاطمئنان كقوله ( ع ) لا تصلي إلا خلف من تثق بدينه
وورعه ، وقوله : إذا كان مأمونا جازت شهادته ، ونحو
ذلك مما يشير إلى ان المعول على الاطمئنان بالشاهد
وإمام الجماعة والراوي ، سواء حصل ذلك من استقصاء حاله
مباشرة ، أو من شهادة العدلين . أو العدل
الواحد ( 1 ) وأضاف إلى ذلك بعضهم ان الاقتصار على
البينة في هذه المسالة يؤدي إلى إلغاء كثير من
المرويات ، لعدم تيسر البينة على عدالة الراوي ، لا
سيما مع بعد المسافة بينه وبين
الشاهد ، على ان
التعديل والتجريح الموجودين في كتب الرجال مبنيان على
الحدس الذي لا يفيد الا الظن ، والاكتفاء به يرجع إلى
الاعتماد على الاطمئنان من اي طريق كان ، وشهادة العدل
الواحد لا تقصر احيانا عن افادة هذه المرتبة .
| |
(
1 ) انظر رسالة الشيخ مرتضى في العدالة
( * ) |
|
|
|