دراسات في الحديث والمحدثين- هاشم معروف الحسيني  ص 65 : -

الفصل الثالث في الصحابة

الصحابي في اللغة مشتق من الصحبة ، ويوصف بها كل من صحب غيره طالت المدة أو قصرت . وعند المحدثين ، هو كل مسلم رأى رسول الله ( ص ) قال البخاري في صحيحه : من صحب رسول الله ( ص ) أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه . وجاء عن احمد بن حنبل انه قال : أفضل الناس بعد صحابة الرسول من البدريين كل من صحبه سنة أو شهرا ، أو يوما ، أو رآه ، وله من الصحبة على قدر ما صحبه ( 1 ) .


ونص بعضهم على ان أصحاب الحديث يعطون الصحبة لكل من روى عن النبي حديثا أو كلمة أو رآه ، وممن صرح بذلك ابن حجر في المجلد الأول من الإصابة : وأضاف إلى ذلك مؤمنا به ، ثم قال : ويدخل في قولنا مؤمنا به ، كل مكلف من الجن والإنس ونص غيره على دخول الجن الذين آمنوا به في الصحابة أيضا ( 2 ) ، وفي مقابل ذلك يشترط بعضهم

  ( 1 ) انظر الكفاية ص 51 ، وتلقيح فهوم أهل الآثار ص 27 .
( 2 ) انظر المجلد الأول من الإصابة ص 10 و 11 ( * ) .
 

 

ص 68 :

في اعطاء المسلم وصف الصحبة ، ان يقيم معه سنة أو سنتين ، ويغزو معه غزوة أو غزوتين ، كما جاء عن سعيد بن المسيب . ونص القاضي أبو بكر الباقلاني ، على ان الصحبة لا يوصف بها الا من كثرت صحبته ، واتصل لقاؤه ، ولا يجري هذا الوصف على من لقي النبي ساعة ومشى معه خطا ، أو سمع منه حديثا ( 1 )


والرأي الشائع الذي يؤيده أكثرهم هو اعطاء هذا الوصف لكل من رأى النبي ( ص ) أو ولد في حياته ، وعدوا محمد بن أبي بكر من الصحابة ، مع انه ولد في حجة الوداع اخر ذي القعدة قبل وصول النبي ( ص ) إلى مكة في السنة

العاشرة من الهجرة وقبل وفاته بثلاثة أشهر ، وتتفاوت درجات الصحابة عندهم فقد نص بعضهم انهم اثنا عشر طبقة أعلاها السابقون إلى الإسلام من الطبقة الأولى ، وأدناها الذين أدركوه في حجة الوداع لا غير ، وقد اجمعوا على ان

أفضلهم أبو بكر وعمر ، ويأتي من بعدهما عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ( ع ) ومن بعدهما الباقون من العشرة المبشرين بالجنة ، ثم تتسلسل درجاتهم وطبقاتهم حسب تقدم إسلامهم ، ومواقفهم من الجهاد والخدمات التي قدموها إلى

الإسلام والرسول ( ص ) وتثبت الصحبة بالأمور التالية . التواتر ، والشهرة ، والشياع الذي لم يبلغ حد التواتر ، وبخبر الصحابي الواحد وخبر التابعي ، ولو كان واحدا بناء على الرأي الراجح من كفاية الواحد في التزكية ، ( 2 ) . ومهما كان الحال في تحديد المقصود من الصحابي حسب اصطلاحهم فلقد توسع المؤلفون .
 

 

( 1 ) الكفاية ص 51 .                     ( 2 ) السنة قبل التدوين ص 4 39 والإصابة ج / 1 ص 13 و 14 ( * ) .

 

 

ص 69 :

في علمي الحديث والرجال في البحث عن الحديث وأقسامه والرواة وأحوالهم ، درسوا أحوال الرجال جيلا بعد جيل ، حتى إذا تحققوا من أحوال الراوي ، وانه كان نقي السيرة صادق الإيمان ضابطا متقنا أمينا ، وصفوه بالوثاقة ،

ووصفوا مروياته بالصحة ، وإذا وجدوا فيه ما يشعر بعدم الأمانة في الحديث ، أو عدم الاستقامة في الدين ، وصفوه بما يتناسب مع حاله ، وتركوا جميع مروياته ، الا إذا اقترنت ببعض القرائن التي تؤكد صدورها عن النبي ( ص ) أو عن صحابته ، ولو وجدوا له قادحا ومادحا وجارحا ومعدلا اخذ وا بالجارح وتركوا المادح والمعدل .

وبهذه المناسبة يقول ابن الصلاح : إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل ، فالجرح مقدم لانه يخبر عما ظهر من حاله ، والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل ، فإذا كان عدد المعدلين اكر من عدد الجارحين ، قبل تعين الأخذ بالتعديل

، والصحيح الذي عليه الجمهور ان الجرح أولى بالرعاية والاعتبار ، ومع انهم احتاطوا في الأخذ بالحديث إلى هذا الحد ، وضعوا الأصول والقواعد للتأكد من أحوال الراوي وسلامة الحديث مما يوجب عدم الاطمئنان بصحته ،

وطبقوا أصول علمي الدراية والرجال على جميع الرواة مهما بلغوا من العظمة والعلم والدين ، مع انهم وقعوا الجميع على اختلاف طبقاتهم ومكانتهم في قفص الاتهام ، وبحثوا عن أحوالهم بتحفظ ودقة ، وقفوا من الصحابة مكتوفي

الأيدي واعتبروهم من العدول الذين لا يجوز عليهم نقد أو تجريح وقالوا : ( ان بساطهم قد طوي ) على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم ، وأضافوا إلى لك ان جميع ما صدر عنهم من الغلط والانحراف والشذوذ لا يسلبهم صفة العدالة

لان صحبتهم للنبي ( ص ) تكفر عنهم ما تقدم من وذنوبهم وما تأخر ، مهما بلغ شانها وتعاظم خطرها على حد تعبير الجمهور الأعظم من محدثي السنة ومؤلفيهم في هذه المواضيع ، والذين خرجوا على هذا الرأي ولم يفرقوا بين الصحابة 

ص 70 :

وغيرهم لا يمثلون رأي السنة في هذه المسالة ، بل تعرضوا لأعنف الهجمات وأسوأ الاتهامات المعادية من الجمهور الأعظم ، الذين يقدسون كل من رأى النبي ، أو سمع حديثه ولو كان طفلا صغيرا ، ولعلنا بهذه الوقفة القصيرة مع

الجمهور القائلين بان الصحابة لا يخضعون للنقد والتجريح وان جميع الشروط التي ينص عليها علم الدراية يجب ان تطبق على الراوي والرواية ما لم يكن الراوي لها صحابيا .


لعلنا بهذه الوقفة معهم نستطيع ان نكشف عما يكمن وراء هذا الإفراط في الغلو بجميع من أسموهم بالصحابة من الأخطار التي تسئ إلى السنة النبوية والى الإسلام نفسه الذي ألغى بجميع الامتيازات والاعتبارات التي لا تعكس

جهات الخير والكرامة في الإنسان واعتبر العمل الصالح هو الفائز بين الطيب ، والخبيث والصالح والفاسد مع العلم بان الكثير منهم قد أسرفوا في ارتكاب المعاصي والمنكرات وخالفوا الضرورات من دين الإسلام

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب