|
دلالة حديث الطير على
إمامة أمير المؤمنين |
|
|
الجهة الثانية : دلالة حديث الطير على إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام )
انتهز فرصة إهداء طير إليه ليأكله ، انتهز هذه الفرصة للإعلان عن مقام أمير المؤمنين وعن شأنه عند الله والرسول ، هذا الشأن الذي سنرى أن عائشة تمنت أن يكون لأبيها ، وحفصة تمنت لأن يكون لأبيها ، وأنس بن مالك - صاحب القصة - حال دون أن تكون هذه المرتبة وأن يكون هذا الشأن والمقام لأمير
المؤمنين ، زاعما أنه أراد أن يكون لأحد من الأنصار ، وربما سعد ابن عبادة
بالخصوص ، بل سنقرأ في بعض ألفاظ هذا الحديث أن الشيخين ، وفي سند أن عثمان
أيضا ، جاؤوا إلى الباب ولم يتشرفوا
بالدخول على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في تلك اللحظة التي كان يدعو الله أن يأتي إليه بأحب الخلق إلى الله وإلى الرسول .
إليه الطيرين ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك ، ورفع صوته ، فقال رسول الله : من هذا ؟ فقال : علي . لاحظوا نص الحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل ، وقارنوا بينه وبين رواية الآخرين . ولكم أن تقولوا : لعل الآخرين تصرفوا في لفظ الحديث بإسقاط كلمة ورفع صوته فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك ورفع صوته ، إن معنى رفع صوته أنه عندما كان يدعو كان يدعو بصوت عال ، لنفرض أن هذا معنى الحديث إلى هنا اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك ورفع صوته لكن الحقيقة إن لفظ أحمد محرف ، لأنا سنقرأ في بعض الألفاظ : إن عليا عندما جاء في المرة الأولى فأرجعه أنس ولم يأذن له بالدخول ، وفي المرة الثانية كذلك ، في المرة الثالثة لما جاء علي رفع صوته فقال رسول الله : من هذا ؟ فمن هنا يظهر معنى ورفع صوته ويتبين التحريف ، وإلا فأي علاقة بين قوله : اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلى رسولك ورفع صوته ، وقوله : فقال رسول
الله من هذا ؟ فقال : علي ، أي : قال سفينة : الذي خلف الباب هو علي ، قال :
افتح له ، ففتحت ، فأكل مع رسول الله من الطيرين حتى فنيا .
فالتصرف في لفظ الحديث عند أحمد أيضا واضح تماما ، والتلاعب في هذا اللفظ باد بكل وضوح .
فرخا مشويا ] فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلي يأكل معي من هذا الفرخ فجاء علي ودق الباب ، فقال أنس : من هذا ؟ قال : علي ، فقلت - أي أنس - يقول : النبي على حاجة ، وفي بعض الألفاظ : النبي مشغول ، أي لا مجال للدخول عليه ، والحال أن النبي كان ما زال يدعو : اللهم ائتني بأحب الخلق إليك ، قال : النبي على حاجة ، فانصرف علي . عاد رسول الله مرة أخرى يقول : اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلي يأكل معي من هذا الفرخ ، فجاء علي فدق الباب دقا شديدا ، فسمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا أنس من هذا ؟ قال : علي ، قال : أدخله ، فدخل فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لقد سألت الله ثلاثا أن
يأتيني بأحب الخلق إليه وإلي يأكل معي هذا الفرخ ، فقال علي : وأنا يا رسول الله ، لقد جئت ثلاثا كل ذلك يردني أنس ، فقال رسول الله : يا أنس ، ما حملك على ما صنعت ؟ قال : أحببت أن تدرك الدعوة رجلا من قومي ، فقال رسول الله : لا يلام الرجل على حب قومه .
عليه وسلم ) : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا
الطعام ، فقالت عائشة : اللهم اجعله أبي ، وقالت حفصة : اللهم اجعله أبي ، قال
أنس : فقلت أنا : اللهم اجعله سعد بن عبادة ، قال أنس : سمعت حركة الباب ، فإذا
علي ، فسلم ، فقلت : إن
رسول الله على حاجة ، فانصرف ، ثم سمعت حركة الباب فسلم علي ،
فسمع رسول الله صوته ، أي رفع علي صوته رسول الله فأخبرته ، فقال : ائذن له ، فأذنت له ، فدخل ، فقال رسول الله : اللهم وإلي اللهم وإلي . هذا لفظ أبي يعلى . ولاحظوا الفوارق بين هذا اللفظ ولفظ الهيثمي ، ثم لفظ الترمذي ، ولفظ أحمد بن حنبل .
إلى أن كتابه داخل في السنن الكبرى للنسائي الذي يقولون بأن
له شرطا في هذا الكتاب أشد من شرط الشيخين : عن أنس بن مالك : إن النبي ( صلى
الله عليه وسلم ) كان عنده طائر ، فقال : اللهم
ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر ، فجاء أبو بكر فرده ، ثم جاء عمر فرده ، ثم جاء علي فأذن له . وفي مسند أبي يعلى بنفس السند ، ترون مجئ الشيخين ومجئ عثمان أيضا ، قال : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير ، فجاء أبو بكر فرده ، ثم جاء عمر فرده ، ثم جاء عثمان فرده ، ثم جاء علي فأذن له ( 1 ) . لاحظوا الفوارق بين الألفاظ ، وقد تعمدت التدرج في النقل حتى تلتفتوا إلى أنهم إذا أرادوا أن ينقلوا القضية الواحدة وهي ليست في صالحهم ، كيف يتلاعبون باللفظ ، وكيف ينقصون من القصة ، وكيف يسقطون تلك النقاط الحساسة التي يحتاج إليها الباحث الحر المنصف في تحقيقه عن سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وفي فحصه عن القول الحق من بين الأقوال .
المناقشة مناقشة علمية ، على كل منصف أن يسلم ، وأي مانع لو كانت المناقشة واردة ، وحينئذ لرفعنا اليد عن هذا الحديث وتمسكنا بغيره من الألفاظ ، أو تمسكنا بغير هذا الحديث من الأحاديث ، وأي مانع ؟ لكن كيف لو كانت المناقشة ظاهرة البطلان ، واضحة التعصب ! ! يحاول بعضهم أن يناقش في وثاقة
أحد رجال هذا السند ، وهو السدي ، والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن ، ربما
يناقش فيه بعض ، لكنه من رجال مسلم ، من رجال الترمذي ، من رجال النسائي ، من
رجال أبي داود ، ومن رجال ابن ماجة . ويقول أحمد بترجمته : ثقة . ويقول غيره من كبار الرجاليين : ثقة . حتى أن ابن عدي المتشدد في الرجال يقول : هو مستقيم الحديث صدوق ، بل إنه من مشايخ شعبة .
وينقل السبكي كلامه في كتابه شفاء الأسقام ( 1 ) . فإذا كان الرجل من رجال خمسة من الصحاح الستة ، ويوثقه أحمد ، ويوثقه العجلي ، ويوثقه ابن عدي ، ويوثقه الآخرون من كبار الرجاليين ( 2 ) ، فأي مناقشة تبقى في السدي ليطعن الطاعن عن هذا الطريق في هذا الحديث الذي هو في نفس الوقت الذي يدل على فضيلة لأمير المؤمنين ، يدل على ما يقابل الفضيلة لمن يقابل أمير المؤمنين ؟ وهناك قرائن داخل الحديث وقرائن في خارج الحديث لا نحتاج إلى ذكرها كلها ، بل نكتفي بالإشارة إلى بعض القرائن الداخلية وبعض القرائن الخارجية فقط .
وفي بعض الألفاظ : اللهم أدخل علي أحب خلقك إلي من الأولين والآخرين . وربما يدل هذا الحديث بهذا اللفظ على أفضلية أمير المؤمنين
من الأولين والآخرين ، أما الآخرون فالأمر فيهم سهل . أما الأولون فإنه يشمل الأنبياء أيضا ، يشمل حتى أولي العزم منهم ، ويكون هذا الحديث بهذا اللفظ من أدلتنا على أفضلية أمير المؤمنين من جميع الأنبياء إلا النبي والرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
حديث الطير : لا يلام الرجل على حب قومه أو لست بأول رجل أحب قومه ، أعتقد أن هذه إضافة من المحدثين . لكن لو سألتم بأي دليل تعتقد ؟ ليس عندي الآن دليل ، وإنما أقول : كيف غضب رسول الله ذلك الغضب ثم زال غضبه بمجرد اعتذار أنس بهذا العذر الواهي ؟ بل يعتذر له رسول الله مرة أخرى ، ويبدي له عذرا ! ! ألم يكن يعلم رسول الله بهذا : لا يلام الرجل على حب قومه ؟ فلماذا غضب عليه إذن ؟ بل قاله له رسول الله وكأنه يلاطفه بعد ذاك الغضب الشديد ، كما في هذا الحديث : لست بأول رجل أحب قومه ، أبى الله يا أنس إلا أن يكون ابن أبي طالب . وهذه قرائن داخلية في الألفاظ ، ولو أردت أن أعيد عليكم الألفاظ بكاملها من أولها إلى آخرها لطال بنا المجلس ، لكن تلك المقاطع التي نحتاج إليها - كقرائن داخلية تؤيد ما نريد أن نستدل به من هذا الحديث - هذه القرائن انتخبتها واستخرجتها بهذا الشكل . مضافا : إلى أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) احتج بحديث
الطير في يوم الشورى . ولماذا احتج ؟ وعلى من احتج ؟ احتج على كبار الصحابة
الذين انتخبهم عمر ، لأن يستشيروا
فيما بينهم ، فيتعين الخليفة في ذلك المجلس ، هؤلاء أعلام القوم وأهل الحل والعقد . إذن ، احتج علي على هؤلاء ، ومن المحتج ؟ علي أمير المؤمنين ، وهل يحتج علي بما ليس له أصل ؟ وهل يحتج علي بما هو ضعيف سندا أو كذب أو موضوع ؟ فالمحتج علي ، والمحتج عليه أولئك الأصحاب المنتخبون من قبل عمر لأن يعين من بينهم خليفة عمر ، واحتج علي في ذلك المجلس بحديث الطير .
شاء فليراجع ( 1 ) . هذا ، والشواهد والقرائن الخارجية الدالة على أن عليا أحب الخلق إلى الله وإلى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دون غيره ، تلك القرائن كثيرة لا تحصى ، والله يشهد على ما أقول ، وأنتم أيضا تعلمون ، فلا نطيل المجلس بذكر تلك الشواهد . بل في الأحاديث التي بحثنا عنها ، والآيات التي درسناها فيما سبق ، والتي سنذكرها فيما سيأتي ، كفاية لأن تكون شواهد لهذا الحديث .
الأحب إلى الله وإلى الرسول ، أن تكون الأحبية اعتباطية ليس
لها معيار ، ليس لها ملاك ، ليس لها ضابط ، أيمكن هذا ؟ أتتصورون هذا ؟
أتحتملون هذا ؟ وأنتم بأنفسكم ، كل واحد منكم إذا أحب شيئا ، وجعله أحب الأشياء
إلى نفسه ، أو أحب شخصا واتخذه أحب
الناس إلى نفسه ، يسأل لماذا ؟ ولا بد وأن يكون له ضابط ، قطعا يكون له سبب ، فالأحبية ليست أمرا اعتباطيا ، الإنسان لا يحب كل صوت ، لا يحب كل صورة ، لا يحب كل شئ ، لا بد وأن يكون هناك ضوابط للحب فكيف الأحبية ؟ أن يكون شئ أحب الأشياء إلى الإنسان من كل الأشياء في العالم ، أن يكون شخص أحب الأشخاص إلى الإنسان من كل أفراد الإنسان وبني آدم ، ويكون هذا بلا حساب وبلا سبب من الأسباب ؟ أيمكن هذا ويعقل ؟
وجميع التصرفات التي صدرت من المحدثين والمؤلفين في هذا
الحديث ، وما سنقرأ أيضا مما يحاولونه أمام الإمامية في
استدلالهم بهذا الحديث ، كل تلك القضايا أدلة أخرى وشواهد على أن هذا الحديث يدل على مقام عظيم لأمير المؤمنين ، يدل على شأن كبير ، وإلا لما فعلوا ، ولما تصرفوا ، ولما ضربوا وكسروا المنبر ، ولما أهانوا المحدث الحافظ الشهير الكبير عندهم ، كما سنقرأ .
ذلك المعيار ، لأن نعرف ملكات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
حتى نتمكن من تعيين من هو أحب ، اللهم إلا عن طريق تلك الأحاديث الواردة عنه (
صلى الله عليه وآله وسلم ) ، عن طريق الأحاديث المتواترة القطعية ، عن طريق
الأحاديث المتفق عليها بين الطرفين .
فأحبية شخص إلى رسول الله لا يمكن أن تكون لميل نفساني ولشهوة خاصة ،
ولغرض شخصي عند رسول الله ، فيجعل الناس ، تلك
الضوابط لا بد وأن تكون هكذا ، وإلا فليس بنبي مرسل من قبل الله سبحانه وتعالى
، يفعل ويترك وما يفعل
فيشرح قائلا : محبة الله سبحانه وتعالى لعبده تمكينه من طاعته ، وعصمته ، وتوفيقه ، وتيسير ألطافه وهدايته ، وإفاضة رحمته عليه ، هذه مباديها ، وأما غايتها فكشف الحجب عن قلبه ، حتى يراه [ أي يرى لله تعالى ] ببصيرته فيكون [ هذا الشخص المحبوب لله سبحانه وتعالى ] كما قال في الحديث الصحيح : فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ( 1 ) . هذه عبارته ، وما ألطفها من عبارة . فهل من شك حينئذ في استلزام الأحبية للإمامة ؟ إن من كان محبوبا لله تعالى يكون له هذه المنزلة ، فكيف من كان أحب الخلق إليه ، عبارة النووي كانت في محبة الله لأحد ، أما كون هذا الشخص وحده هو الأحب من كل الخلائق إلى الله سبحانه وتعالى فحدث ولا حرج ، هذا الذي قلت بأن أفهامنا تقصر عن درك مثل هذه القضايا ، إلا أننا نتكلم بقدر ما نفهم .
هذا على ضوء الحديث الذي قرأناه برواته وأسانيده وألفاظه ، وبعض العبارات المتعلقة بالمطلب ذكرتها لكم .
|
|