محاولات أهل السنه في رد حديث الطير

 

 

 - حديث الطير - السيد علي الميلاني ص 41 :

الجهة الثالثة : محاولات القوم في رد حديث الطير


فننتقل الآن إلى محاولات القوم في رد هذا الحديث وإبطاله ، وفي المنع عن نقله وانتشاره وما صنعوا . تتلخص محاولاتهم في وجوه :


 الأول : المناقشة في سند الحديث فإذا راجعتم كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لأبي الفرج ابن الجوزي ، تجدونه يذكر هذا الحديث بسند أو ببعض أسانيده ويضعفه ويسكت عن بعض الأسانيد الأخرى ( 1 ) .

لكن ابن الجوزي أبا الفرج الحنبلي المتوفى سنة 597 ه‍
 

 

 * هامش *
( 1 ) العلل المتناهية 1 / 228 من رقم 360 - 377 . ( * )

 

 

- ص 42 -

معروف بالتسرع بالحكم ، لا بالتضعيف فقط بل حتى الحكم بالوضع ، ولربما ضعف أو كذب في كتبه أحاديث موجودة في الصحاح ، وهذا ما دعا كبار المحدثين من المحققين من أهل السنة إلى التحذير من الاعتماد على حكم ابن الجوزي ، في أي حديث من الأحاديث ، وأنه لا بد من التثبت .


والعجيب أنهم ربما ينسبون إلى ابن الجوزي أنه أدرج حديث الطير في كتاب الموضوعات ، راجعوا كتاب المرقاة في شرح المشكاة للقاري ( 1 ) وبعض الكتب الأخرى ، ينسب إلى ابن الجوزي أنه حكم على هذا الحديث بالوضع وأدرجه في كتاب الموضوعات .


والحال أنه غير موجود في كتاب الموضوعات ، نعم ، موجود في كتاب العلل المتناهية ، لكنه ببعض أسناده ، وإنما يتكلم على بعض رجال هذا الحديث في بعض الأسانيد - ونحن لا ندعي أن كل أسانيده صحيحة - ويسكت عن البعض الآخر .

ويأتي من بعده ابن كثير ، فيذكر في تاريخه ( 2 ) حديث الطير ، ويرويه عن عدة من الأئمة الأعلام ، يرويه عن الترمذي ، وعن أبي يعلى ،

 

 * هامش *
( 1 ) مرقاة المفاتيح 10 / 465 رقم 6094 - دار الفكر - بيروت - 1414 ه‍ .
( 2 ) البداية والنهاية المجلد الرابع الجزء السابع : 350 - دار الفكر - بيروت . ( * )

 

 

- ص 43 -

وعن الحاكم ، وعن الخطيب البغدادي ، وعن ابن عساكر ، وعن الذهبي ، وعن غيرهم ، إلى أن قال : وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة منهم : أبو بكر ابن مردويه ، والحافظ أبو طاهر محمد بن أحمد بن حمدان فيما رواه شيخنا

أبو عبد الله الذهبي يقول : ورأيت مجلدا في جمع طرقه وألفاظه لأبي جعفر ابن جرير الطبري المفسر صاحب التاريخ ، ثم وقفت على مجلد كبير في رده وتضعيفه سندا ومتنا للقاضي أبي بكر الباقلاني المتكلم .

ثم يذكر ابن كثير رأيه في هذا الحديث قائلا : وبالجملة ، ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه .


أقول : فدليل ابن كثير على ضعف هذا الحديث أن قلبه لا يساعد ، قلب ابن كثير لا يساعد على قبول هذا الحديث ، كما أن قلب أبي جهل لم يساعد على قبول القرآن والإسلام ، فليكن ، وأي مانع ؟ قلبه لا يساعد ، لا يقول : إنه موضوع ، لا يقول :

إنه حديث مكذوب ، لا يقول : في سنده كذا وكذا ، لا يقول : الراوي ضعيف لقول فلان ، لنص فلان على ضعفه ، وأمثال ذلك ، فإنها مناقشات علمية تسمع ، إنها مناقشات علمية قابلة للبحث ، قابلة للنظر ، وأي مانع ! يقول : وبالجملة ، ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه .
 

- ص 44 -

الرجوع إلى القلب من جملة أساليبهم في رد بعض الأحاديث ، أذكر لكم شاهدا واحدا فقط ، وإلا لطال بنا المجلس . عندما يريدون أن يردوا حديثا وقد أعيتهم السبل ، فلم يمكنهم المناقشة في سنده بشكل من الأشكال ، يلجأون إلى القسم أحيانا ،

كقولهم : والله إنه موضوع ، وأي دليل أقوى من هذا ؟ ! أو يلتجئون إلى قلوبهم : والقلب يشهد بأن هذا الحديث موضوع ، أذكر لكم شاهدا واحدا فقط .



في مستدرك الحاكم حديث عن علي ( عليه السلام ) : أخبرني رسول الله : إن أول من يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين ، قلت : يا رسول الله فمحبونا ؟ قال : من ورائكم . يقول الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ( 1 ) .


هذا حديث الحاكم ، وما ذنبنا إن كان الحاكم كاذبا بنقل هذا الحديث وفي حكمه بصحته ، نحن المحبون لأهل البيت ندخل الجنة وراء أهل البيت ، هم يدخلون ونحن وراءهم ، لأننا نحب أهل البيت ، وهذا لا يمكن لأحد إنكاره .
 

 

 * هامش *
( 1 ) مستدرك الحاكم 3 / 151 وذيل الصفحة . ( * )

 

 

- ص 45 -

فيقول الذهبي في تلخيصه للمستدرك في ذيل هذا الحديث : الحديث منكر من القول يشهد القلب بوضعه ( 1 ) .

ليته ناقش في سند الحديث ، بضعف راو من رواته ، يشهد القلب بوضعه ! ! ولماذا يشهد قلب الذهبي بوضع هذا الحديث ؟ الحديث يقول : إن أول من يدخل الجنة رسول الله وعلي وفاطمة والحسن ومحبوهم من وراءهم ، أي مانع من هذا ؟

وأي ضير على الذهبي حتى يشهد قلبه بأن هذا الحديث موضوع ؟ ولماذا ؟ هل حب أهل البيت مانع من دخول الجنة فيكون قلبه يشهد بوضع هذا الحديث ؟ أو يشك في أن رسول الله وعليا وفاطمة والحسنين أول من يدخل الجنة ؟ أيشك في هذا ؟ لماذا قلبه يشهد بوضعه ؟ فتأملوا في هذا .


إذن ، كانت المحاولة الأولى ، المناقشة في سند الحديث والحكم بضعف الحديث ، لكن الحديث في الصحاح كما ذكرنا ، وله أسانيد صحيحة ، وقسم كبير من أسانيده أنا بنفسي صححتها على ضوء كلمات كبار علماء الحديث وأئمة الجرح والتعديل وهي في خارج الصحاح .
 

 

 * هامش *
 ( 1 ) مستدرك الحاكم 3 / 151 وذيل الصفحة . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب