|
|
- حديث الطير - السيد علي الميلاني ص 51 : |
الرابع : المعارضة
المعارضة لها وجه علمي ، نحن نوافق على هذا ، لأن المعارضة هي الإتيان
بحديث معتبر ليعارض به حديث معتبر آخر
في مدلوله ، فتلاحظ بينهما قواعد الجرح والتعديل لتقديم البعض على البعض الآخر
، تلك القواعد المقررة في كتب السنة ،
فهذا أسلوب علمي للبحث والمناظرة ، وأي مانع من هذا ،
المعارضة وإلقاء التعارض بين الحديثين ، ثم دراسة الحديثين بالسند والدلالة
وإلى آخره عمل جميل وعلى القاعدة ، وله وجهة علمية ، ونحن مستعدون لدراسة ما
يذكرونه معارضا
لحديث الطير بلا أي تعصب ، لكن أي شئ ذكروا ليعارضوا به حديث
الطير ؟ في كتاب التحفة الاثنا عشرية استند إلى حديث : إقتدوا باللذين من بعدي
أبي بكر وعمر في مقابلة حديث الطير .
فوالله لو تم هذا الحديث سندا ودلالة ، حتى لو ثبت اعتباره عندهم واتفقوا على
صحته ، فنحن نغض النظر عن انفراد القوم به ، وقد قلنا منذ الأول أن الحديث الذي
يريد كل طرف من الطرفين أن يستند إليه لا بد وأن يكون مقبولا عند الجانبين ،
نحن نغض النظر
عن هذه الناحية ، وندرس الحديث على ضوء كتبهم وأقوال علمائهم هم فقط
، ولو تم لوافقنا ولرفعنا اليد عن حديث الطير المقبول بين الطرفين بواسطة حديث
: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر . ولكن ماذا نفعل وهم لا يقبلون بحديث
الاقتداء بالشيخين ، وسنقرأ ما يقولونه حول هذا الحديث بالتفصيل في موضعه إن
شاء الله تعالى .
الخامس :
بعد أن أعيتهم السبل العلمية في الظاهر وهي
المناقشات في السند أو الدلالة ، يلجأون إلى طريقة أخرى ، وماذا نسمي هذه
الطريقة ؟ لا أدري الآن ، لأقرأ لكم ما وجدته تحت هذا العنوان الذي عنونته أنا
، فأنتم سموا ما فعلوا بأي تسمية تريدون ! ! أذكر لكم قضية الحافظ ابن السقا
الواسطي المتوفى سنة 373 ه : يقول الذهبي في كتاب سير أعلام النبلاء
( 1 ) بعد أن يصف ابن
| |
* هامش *
( 1 )
سير أعلام النبلاء 16 / 351 - 352 - مؤسسة
الرسالة - بيروت - 1404 ه . ( * ) |
|
السقا بما يلي : الحافظ الإمام محدث واسط ، بعد أن يلقبه بهذه
الألقاب ينقل عن الحافظ السلفي يقول : سألت الحافظ خميسا الجوزي عن ابن السقا ؟
فقال : هو من مزينة مضر ولم يكن سقاء بل لقب له ، من وجوه الواسطيين وذي الثروة
والحفظ ،
رحل به أبوه فأسمعه من أبي خليفة وأبي يعلى وفلان وفلان وبارك
الله في سنه وعلمه ، واتفق أنه أملى حديث الطائر فلم تحتمله نفوسهم ، فوثبوا
عليه فأقاموه وغسلوا موضعه ، فمضى ولزم بيته لا يحدث أحدا من الواسطيين ، فلهذا
قل حديثه عندهم .
أقول : ولم يذكر الراوي كل ما وقع على هذا المحدث من ضرب وشتم وإهانة وغير ذلك
، يكتفي بهذه العبارة : وثبوا عليه فأقاموه عن مجلسه وغسلوا موضعه ، كأن الموضع
الذي كان جالسا فيه تنجس لأملائه طرق حديث الطير ، وغسلوا موضعه ، فمضى ولزم
بيته ولم يخرج . فماذا تسمون هذه الطريقة ؟ لا أدري . هذا ما ذكره الذهبي في
ترجمة هذا الرجل في سير أعلام
النبلاء ، وفي كتاب تذكرة الحفاظ ( 1 ) .
أما الحاكم النيسابوري ،
فقد كان مصرا على صحة حديث الطير ، وعلى تصحيح حديث الطير . يقول في كتابه علوم
الحديث ( 2 ) : حديث الطير من مشهورات الأحاديث ،
وكان على أصحاب الصحاح أن يخرجوه في الصحاح ويقول : ذاكرت به كثيرا من المحدثين
. ويقول : كتبت فيه كتابا ، أي كتب في جمع طرقه كتابا .
ثم إنه في المستدرك ( 3 ) يروي هذا الحديث ويقول
: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه
زيادة على ثلاثين نفسا .
وقد قلت لكم أن الرواة عن أنس هم أكثر من ثمانين شخصا لا ثلاثين شخصا . يقول :
ثم صحت الرواية عن علي وأبي سعيد الخدري وسفينة . واضطرب القوم تجاه تصحيح
الحاكم ، وإخراج الحاكم هذا
| |
* هامش *
( 1 )
تذكرة الحفاظ 3 / 966 - دار إحياء التراث
العربي - بيروت .
( 2 ) معرفة علوم الحديث : 93 - دار
الكتب العلمية - بيروت - 1397 .
( 3 ) مستدرك الحاكم 3 / 131 . ( * ) |
|
الحديث في مستدركه ، وإصراره على صحة هذا الحديث ، وأصبحت قضية حديث
الطير والحاكم قضية تذكر في أكثر الكتب المتعلقة بالحاكم وبحديث الطير ، أي
حدثت هناك ضجة من فعل الحاكم هذا ، وقام القوم عليه وقامت قيامتهم ، ولأجل هذا
الحديث رماه بعضهم بالرفض فقال : الحاكم رافضي .
لكن الذهبي وابن حجر العسقلاني
يقولان : الله يحب الإنصاف ، ما الرجل برافضي . فراجعوا لسان الميزان ، وراجعوا
سير أعلام النبلاء ، وغير هذين الكتابين ( 1 ) .
ثم جاء بعضهم وجعل يرمي كتاب
المستدرك بأن هذا الكتاب ليس فيه ولا حديث واحد على شرط الشيخين . وحينئذ يقول
الذهبي : هذه مكابرة وغلو ( 2 ) .
ثم نسبوا إلى الدارقطني أنه لما بلغه أن الحاكم قد أخرج حديث الطير في المستدرك
انتقد فعل الحاكم هذا . لكن الذهبي يقول : إن الحاكم إنما ألف المستدرك بعد
وفاة
| |
* هامش *
( 1 )
سير أعلام النبلاء 17 / 174 ، وفيه : قلت :
كلا ليس هو رافضيا ، بل يتشيع .
لسان الميزان 6 / 251
وفيه : قلت : إن الله يحب الإنصاف ، ما الرجل برافضي بل شيعي فقط .
( 2 ) سير أعلام النبلاء 17 / 175 . (
* ) |
|
الدارقطني بمدة ( 1 ) . وحينئذ ، إذا راجعتم كتاب
طبقات الشافعية
للسبكي ( 2 ) رأيتموه ينقل عن الذهبي إن الحاكم
سئل عن حديث الطير فقال : لا يصح ولو صح لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول الله
. ثم قال شيخنا : وهذه الحكاية سندها صحيح ، فما باله أخرج حديث الطير في
المستدرك .
يعني : إذا كان الحاكم يعتقد بأن الشيخين أفضل من علي ، فلماذا أخرج الحديث في
المستدرك ؟ ولماذا صححه حينئذ يقول السبكي : قد جوزت أن يكون زيد في كتابه .
يعني : حديث الطير زيد في كتاب المستدرك ! ! لاحظوا إلى أي حد يحاولون إسقاط
حديث من الأحاديث ، قد جوزت أن يكون زيد في كتابه ، أن لا يكون من روايات
الحاكم .
يقول السبكي : وبحثت عن نسخ قديمة من المستدرك فلم أجد ما ينشرح الصدر بعدمه [
أي وجدت الحديث في كل النسخ ] وتذكرت الدارقطني إنه يستدرك حديث الطير ، فغلب
على ظني إنه لم يوضع عليه [ أي إن الحديث لم يوضع على الحاكم ، ولم يزده أحد في
المستدرك ] ثم تأملت قول من قال : إنه [ أي الحاكم ]
| |
* هامش *
( 1 ) نفس المصدر
17 / 176 .
( 2 ) طبقات الشافعية 4 / 168 - 169 -
دار إحياء الكتب العربية - القاهرة - 1418 ه . ( * ) |
|
أخرجه من الكتاب ، فإن ثبت هذا صحت الحكايات ، ويكون خرجه في
الكتاب قبل أن يظهر له بطلانه ، ثم أخرجه منه لاعتقاده عدم صحته كما في هذه
الحكاية التي صحح الذهبي سندها ، ولكنه بقي [ أي الحديث ] في بعض النسخ ، إما
لانتشار
النسخ بالكتاب ، أو لإدخال بعض الطاعنين في الشيخين إياه [ أي
الحديث ] فيه [ أي في المستدرك ] فكل هذا جائز ، والعلم عند الله تعالى . هذا
نص عبارة السبكي .
أقول : هذه نماذج من محاولات القوم لإسقاط الحديث ، ولإثبات أن الحاكم لم يروه
في مستدركه ، وذلك يكشف عن اضطراب القوم أمام تصحيح الحاكم وإخراجه هذا الحديث
في كتابه .
وهل اكتفوا بهذا ؟ لا ، وهل استفادوا من هذه الأساليب شيئا ؟ لا . فما كان
عليهم إلا أن يهجموا على الحاكم داره فيضربوه ويكسروا منبره الذي كان يجلس عليه
ويحدث ، ويمنعوه من الخروج من داره .
وهلا فعلوا هذا من أول يوم ، وقبل أن يتعبوا أنفسهم في التحقيق عن كتاب
المستدرك باحتمال أن يكون هذا الحديث قد
أدرجه بعض الطاعنين ، فما أحسن هذا الطريق لإثبات الخلافة
لأسيادهم ! ! وهكذا فعلوا مع غير الحاكم ، مع كثير من أئمتهم ! ! أما فعلوا مع
النسائي في دمشق ؟ أما بقروا بطن الحافظ الكنجي في داخل المسجد لأنه كان يملي
فضائل علي ؟
وأما فعلوا ؟ وأما فعلوا ؟ أما بعلماء الطائفة الشيعية ،
وبالأئمة الاثني عشر ، فأي شئ فعلوا ؟ وكيف عاملوا ؟ وهكذا ثبتت الإمامة
والخلافة للشيخين وللمشايخ .
فأي داع لكل ما قاموا به من المناقشة في السند ، من المناقشة في الدلالة ، من
المعارضة ، من تحريف اللفظ ؟ من ضرب وهتك لابن السقا والحاكم ؟
لماذا لا يقلدون إمامهم وشيخ إسلامهم الذي قال : حديث الطير
من الموضوعات المكذوبات ( 1 ) . فأراح نفسه من كل
هذا التعب ؟ وهذه فتوى ابن تيمية ، وتلك فتوى ابن كثير ، وتلك أفعالهم وأعمالهم
مع أئمتهم كالحاكم وغيره ، وتلك تحريفاتهم لألفاظ الحديث النبوي ، وتلك
خياناتهم تبعا لخيانة صاحبهم أنس بن مالك ،
| |
* هامش *
( 1 )
منهاج السنة 7 / 371 . ( * ) |
|
وتلك إمامة مشايخهم التي يريدون أن يثبتوها بهذه السبل ! !
وعلى كل منصف ، كل محقق ، وكل حر أن يستمع القول فيتبع
أحسنه ، والله على ما نقول شهيد ، ونعم الحكم الله ، والخصيم محمد ، وصلى الله
على محمد وآله الطاهرين .
|