موقعة صفين وتمرد معاوية

 

 

حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 69

سابعا : موقعة صفين وتمرد معاوية :


بعد أن تم لعلي عليه السلام النصر في موقعة الجمل ، توجه بجيشه لتصفية المعارضة التي يقودها معاوية بن أبي سفيان في الشام ، وتلاقى الجيشان عند الفرات ، وقد حاول الإمام إصلاح الموقف بالوسائل السلمية ، إلا أن رد معاوية على الوفد الذي بعثه إليه الإمام كان : " انصرفوا عني فليس عندي إلا السيف "
( 1 ) .
 


وهكذا التحم الجيشان ، وعندما لاحت تباشير النصر لصالح جيش الإمام عليه السلام ، دبر معاوية " خدعة المصاحف " ، فأمر جنوده برفع المصاحف على رؤوس الرماح والسيوف ، ومع أن الإمام تصدى لكشف هذه المؤامرة التي يراد بها عرقلة النصر الذي كان وشيكا لصالح جيش الإمام علي عليه السلام ،

 

إلا أن المطالبين بإيقاف القتال في جيشه لم يستجيبوا لنداءاته المتكررة واضطروه إلى قبول التحكيم ، ورغم معارضة الإمام الشديدة لاختيار أبو موسى الأشعري كطرفا ممثلا عن جيشه في التحكيم لضعفه ووهن رأيه ، حيث قال لهم الإمام عليه السلام : " لا أرى أن تولوا أبا موسى الحكومة ، فإنه ضعيف عن عمرو ومكائده " ( 2 ) ، وكان علي قد عزل أبا موسى عن ولاية الكوفة أيضا .



وقد كان هناك تخطيط مسبق لرفع المصاحف والتنسيق لذلك مع حركة موالية لمعاوية مندسة في جيش الإمام والتي عملت على المطالبة بقبول التحكيم واختيار الأشعري ممثلا في التحكيم ، وقد جاءت نتائج التحكيم - كما توقع الإمام - لصالح معاوية حيث بدأ الأمر يستتب

 

 

* ( هامش ) *
( 1 )
الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 83 ، ط دار الأضواء .

( 2 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 79 . ( * )

 


 

حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 70

له شيئا فشيئا بعد هذا التمرد الكبير والخروج عن طاعة خليفة المسلمين بغيا منه وطمعا في النعيم الدنيوي الذي طالما حلم به.


وقد كنت في الماضي استغرب كثيرا لهذه الواقعة التي قتل فيها ما يزيد على التسعين ألفا من الجانبين ، وكانت الإجابة كالمعتاد فيقولون : ( إنها كانت مجرد فتنة حصلت بين صحابيين جليلين ، وقد اجتهدا ، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد ، ولا ينبغي التفكير في ذلك ، فتلك أمة قد خلت ، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ) وغير ذلك مما يسدون به أي باب من شأنه أن يكشف النقاب عن هذه ( الفتنة ) كما يسمونها .



وهكذا تبقى هذه المسألة بنظر أهل السنة معلقة وكأنها لغزا غامضا ليس له حل ، مما فتح الباب على مصراعيه للمستشرقين ليدلوا بدلوهم في ديننا ، حتى أن بعضهم قال بأنه يوجد في الإسلام تناقض ، مشبرا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله : " إذا تلاقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار "



والذي يتعارض مع قول أهل السنة بأن الفريقين في موقعة صفين كانا مسلمان وقائداهما صحابيان جليلان ! ! فلماذا هذا الإصرار على عدم تمييز الحق من الباطل ؟ فلماذا لا تقال الحقيقة إذن ؟ وهل هي فعلا غامضة ؟



وعلى كل حال ، فإن الذي قد التبس عليه معرفة حقيقة معاوية ، فليتمعن بما يلي من دلائل ، وليكن للقارئ حكمه بعد ذلك : فقد أخرج مسلم في صحيحه قول علي عليه السلام : " والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ( ص ) أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق "
( 1 )


فما بالك بالذي يسير الجيوش لقتاله ؟ وما هو حكم أهل السنة بمن يخرج عن طاعة إمام المسلمين الواجب الطاعة ؟


وفي صحيح البخاري ما يشير إلى بغي معاوية . فعن أبي سعيد
 

 

* ( هامش ) *
( 1 )
صحيح مسلم كتاب الإيمان باب حب علي كرم الله وجهه من الإيمان ج 1 ص 262 ط دار الشعب . ( * )

 

 

حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 71

الخدري قال : " كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فمر به النبي ( ص ) ومسح على رأسه الغبار وقال : ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية ، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار " ( 1 ) وقد تحققت نبوءة الرسول ( ص ) هذه عندما استشهد عمار وهو يقاتل تحت راية الإمام علي عليه السلام في صفين .



وفي مستدرك الصحيحين بالسند عن خالد العربي قال : ( دخلت أنا وأبو سعيد الخدري على حذيفة فقلنا : يا أبا عبد الله ، حدثنا ما سمعت من رسول الله ( ص ) في الفتنة ؟ قال حذيفة : قال رسول الله ( ص ) دوروا مع الكتاب حيث ما دار .

فقلنا : فإذا اختلف الناس فمع من نكون ؟ فقال : انظروا الفئة التي فيها ابن سمية ، فالزموها ، فإنه يدور مع كتاب الله ، سمعت رسول الله ( ص ) يقول لعمار : يا أبا اليقظان لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية عن الطريق ) ( 2 ) .



وقد كان بغي معاوية وتمرده متوقعا ، فمنذ أن تسلم ولاية الشام في عهد الخليفة عمر ، والنعيم والجاه والقصور التي بناها ، وتوسعه بكل ذلك زمن الخليفة عثمان ، لم يكن من السهل على رجل مثله أن يتخلى عنها ، وكان يعلم يقينا أن الإمام علي عليه السلام إن لم يعزله من الولاية ، فإنه على الأقل سيجرده من جميع ما تملكه على حساب بيت مال المسلمين ، وإنه سيساويه مع غيره من المسلمين .



وحادثته مع الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري في عهد الخليفة عثمان لتدل أيضا على ما نقول به من تكالبه على الدنيا وتبذيره لأموال الدولة العامة ، وقد أدى اعتراض أبي ذر على معاوية بأن أمر الخليفة عثمان بنفيه إلى الربذة بعد أن استدعاه إلى المدينة .

فعن زيد بن وهب قال : ( مررت على أبي ذر
 

 

* ( هامش ) *
( 1 )
صحيح البخاري ج 4 ص 52 كتاب الجهاد باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله .

( 2 ) مستدرك الصحيحين ج 2 ص 148 ، ط دار الكتاب العربي . ( * )

 

 

حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 72

بالربذة فقلت : ما أنزلك بهذه الأرض ؟ قال : كنا بالشام فقرأت ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) قال معاوية : ما هذه فينا ، ما هذه إلا في أهل الكتاب . قال : قلت : إنها لفينا وفيهم " ( 1 ) ،



وهكذا فقد عوقب أبو ذر بالنفي بالرغم من شهادة الرسول صلى الله عليه وآله له بالصدق عندما قال : " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر "
( 2 ) . ويظهر من هذه الحادثة كيف تلاعب معاوية بتفسير القرآن من أجل التغطية على تبذيره لأموال الأمة التي ليس له أي حق فيها .



والمصيبة أن البخاري قد أخرج في صحيحة بما يجعل من معاوية فقيها ، فعن ابن أبي مليكة قال : " أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس ، فأتى ابن عباس ، فقال : دعه فإنه قد صحب رسول الله ( ص ) "
( 3 ) وفي رواية أخرى : قال إنه " فقيه " ( 4 ) !



وإذا علمت أن معاوية أمضى عشرين عاما كخليفة للمسلمين ، وقبلها كواليا على الشام ، فللقارئ أن يتصور عندئذ المدى الذي تمكن فيه معاوية التأثير في وضع ونقل أحاديث تنسب إلى رسول الله ( ص ) لتبرير أفعاله والتي بالرغم من كل الجهود التي بذلت للتغطية عليها ،
 


بقيت واضحة في كتب الحديث والتاريخ بصورة لا تبقي أي التباس في معرفة حقيقة هذا الخليفة والذين اعتبروه أيضا أميرا للمؤمنين ! ! وخلق معاوية في الولاية والحكم له جذوره في عائلته السفيانية حيث قال أبيه لعثمان بعد عقد البيعة له : " يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم " ( 5 ) وفي رواية أخرى بزيادة : " . . . فما هناك جنة ولا نار " . وفي ذلك ما يشير
 

 

* ( هامش ) *
( 1 )
صحيح البخاري ج 6 ص 146 كتاب التفسير باب قوله والذين يكنزون الذهب .

( 2 ) صحيح الترمذي ج 13 ص 210 مناقب أبي ذر ( رض ) ، مسند أحمد ج 2 ص 175 .

( 3 ) صحيح البخاري ج 5 ص 73 كتاب فضائل الصحابة باب ذكر معاوية .

( 4 ) صحيح البخاري ج 5 ص 74 كتاب فضائل الصحابة باب ذكر معاوية .

( 5 ) تاريخ الطبري ( * )

 

 

حقيقة الشيعة الاثني عشرية - أسعد وحيد القاسم ص 73

إلى حقيقة الهدف الذي دخلت فيه هذه العائلة في الإسلام من أجله بعد فتح مكة حيث دخل في الإسلام جميع أهلها ، وانظر في الرواية التالية لتعلم أي نوع من الإسلام هذا الذي دخلوه وهم له كارهون ،


فعن عبد الله بن عباس قال : " قال أبو سفيان : والله ما زلت ذليلا مستيقنا بأن أمره سيظهر ، حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره "
( 1 ) ، فإذا كان لسان أبي سفيان قد تحدث بذلك ، فما بالك لو قدر لقلبه أن يتكلم عما بداخله ؟ ؟



ومن أقوال الرسول ( ص ) في معاوية
 


ما أخرجه مسلم في صحيحه : ( بعث النبي ( ص ) إليه ذات يوم ابن عباس يدعوه ليكتب له ، فوجده ابن عباس يأكل ، فأعاده النبي ( ص ) إليه يطلبه ، فوجده يأكل إلى ثلاث مرات ، فقال النبي ( ص ) : لا أشبع الله بطنه ) ( 2 ) ،


وفي صحيح مسلم أيضا ، قال الرسول ( ص ) : " . . . أما معاوية فصعلوك لا مال له ) ( 3 ) .


وفي مسند أحمد ، قال الرسول ( ص ) في معاوية وعمرو بن العاص : " اللهم اركسهما في الفتنة ركسا ، ودعهما إلى النار دعا " ( 4 ) .



وغير ذلك الكثير من الروايات التي تبين حقيقة أمير المؤمنين معاوية ابن آكلة الأكباد والذي ختم أعماله في هذه الدنيا بتنصيبه لابنه يزيد السكير الفاسق خليفة على المسلمين من بعده ،


وليس عنده من العمر ما يزيد على عشرين عاما مخالفا بذلك ليس فقط معاهدة الصلح التي عقدها مع الإمام الحسن عليه السلام بل يكون قد خالف الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين وكل السنن الأخرى التي يتحدث عنها أهل السنة .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 )
صحيح البخاري ج 4 ص 122 كتاب الجهاد .

( 2 ) صحيح مسلم ج 5 ص 462 كتاب البر والصدقة والآداب باب من لعنه النبي ط دار الشعب بشرح النووي .

( 3 ) صحيح مسلم ج 3 ص 693 كتاب الطلاق باب المطلقة البائن لا نفقة لها ط دار الشعب .

( 4 ) مسند أحمد ج 4 ص 421 ، ط دار إحياء التراث العربي . ( * )

 


 
 

الصفحة الرئيسية

 

الكتب الإسلامية

 

فهرس الكتاب