( المسألة الثالثة عشرة )

تتعلق في البداء والمتعة والبراءة والمسح على الخفين فهنا اربعة مباحث


" المبحث الاول " في البداء


وقد زعم النواصب انا نقول : بان الله عزوجل قد يعتقد شيئا ثم يظهر له ان الامر بخلاف ما اعتقد ، وهذا افك منهم وبهتان ، وظلم لآل محمد وعدوان ، 
 

-  ص 100 -

وحاشا اهل البيت وأولياءهم ان يقولوا بهذا الضلال المبين المستحيل على الله عزوجل ، فان علم الله تعالى عين ذاته عندهم ، فكيف يمكن دخول التغيير والتبديل فيه لو كان النواصب

ينصفون ؟ وحاصل ما تقوله الشيعة هنا : ان الله عزوجل قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه ، وكذا الاجل والصحة والمرض والسعادة والشقاء ، والمحن والمصائب والايمان والكفر وسائر الاشياء كما يقتضيه قوله تعالى ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ) .


وهذا مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود
( 1 ) وابي وائل وقتادة ( 2 ) وقد رواه جابر عن رسول الله وكان كثير من السلف الصالح يدعون ويتضرعون إلى الله تعالى ان يجعلهم سعداء لا أشقياء ، وقد تواتر ذلك عن أئمتنا
 

 

( 1 ) نقله عنهما فخر الدين الرازي في تفسير هذه الآية من سورة الرعد ص 210 من الجزء الخامس من تفسيره الكبير ، ونقل ثمة حديث جابر الذي اشرنا إليه .

( 2 ) نقله عنهما وعن عمر وابن مسعود امام المفسرين في معنى الآية من مجمع البيان ص 298 من مجلده الثالث طبع العرفان ( * ) 

 

 

-  ص 101 -

في أدعيتهم المأثورة ، وورد في السنن الكثيرة ان الصدقة على وجهها ، وبر الوالدين ، واصطناع المعروف ، يحول الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ( 1 ) وصح عن ابن عباس انه قال : لا ينفع الحذر من القدر ، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر ( 2 ) .
 

هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة تجوزوا في اطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة ، لان الله عزوجل اجرى كثيرا من الاشياء التي ذكرناها على خلاف ما كان يظنه الناس فأوقعها مخالفة

لما تقتضيه الامارات والدلائل ، وكان مآل الامور فيها مناقضا لاوائلها ، والله عزوجل هو العالم بمصيرها ومصير الاشياء كلها ، وعلمه بهذا كله قديم أزلي ، لكن لما كان
 

 

( 1 ) اخرجه ابن ابي شيبة من حديث علي كما في ص 251 من الجزء الاول من كنز العمال ، واخرجه ايضا ابن مردويه كما في آخر الصفحة المذكورة من الكنز .

( 2 ) اخرجه الحاكم في تفسير سورة الرعد من المستدرك في اول ص 350 من جزئه الثاني ، واخرجه الذهبي في تلخيصه مصرحين بصحته ( * ) 

 

 

-  ص 102 -

تقديره لمصير الامور فيها يخالف تقديره لاوائلها ، كان تقدير المصير أمرا يشبه البداء ، فاستعار له بعض سلفنا الصالح هذا اللفظ مجازا ، وكأن الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوز

وبهذا رد بعض أئمتنا قول اليهود : ان الله قدر في الازل مقتضيات الاشياء ، وفرغ الله من كل عمل إذ جرت الاشياء على مقتضياته ، قال عليه السلام : بان لله عزوجل في كل يوم قضاء مجددا بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهرا لهم ، وما بدا لله في شئ الا كان في علمه الازلي .


فالنزاع في هذه المسألة بيننا وبين اهل السنة لفظي ، لان ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على الله عزوجل تبرأ الشيعة منه ، وممن يقول به براءتها من الشرك بالله ومن المشركين ،

وما يقوله الشيعة من البداء بالمعنى الذي ذكرناه يقول به عامة المسلمين ، وهو مذهب عمر بن الخطاب وغيره كما سمعت ، وبه جاء التنزيل ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب )

( يسأله من في السماوات والارض كل يوم هو في شأن ) اي كل وقت وحين يحدث امورا ويجدد احوالا من اهلاك وانجاء وحرمان واعطاء ، وغير ذلك كما روي عن 
 

-  ص 103 -

رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قيل له : ما ذلك الشان ؟ فقال : من شأنه سبحانه وتعالى ان يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين .

هذا هو الذي تقول به الشيعة وتسميه بداء ، وغير الشيعة يقولون به ، لكنهم لا يسمونه بداء ، فالنزاع في الحقيقة انما هو في تسميته بهذا الاسم وعدم تسميته به .


ولو عرف غير الشيعة ان الشيعة انما تطلق عليه هذا الاسم مجازا لا حقيقة لتبين حينئذ لهم ان لا نزاع بيننا وبينهم حتى في اللفظ لان باب المجاز واسع عند العرب إلى الغاية ، ومع هذا

كله فان أصر غيرنا على هذا النزاع اللفظي وأبى التجوز باطلاق البداء على ما قلناه ، فنحن نازلون على حكمه فليبدل لفظ البداء بما يشاء ( وليتق الله ربه ) في اخيه المؤمن " ولا يبخس

منه شيئا " " ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين " .


 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب