" الامر الرابع "
فيما زعموه من نسخها ، وقد
امعنا النظر في الاحاديث التي تشبثوا بها ، فإذا هي احاديث ملفقة وضعها
المتأخرون عن زمن الصحابة تصحيحا لرأي من حرمها ، وقد استقصيناها في
رسالتنا الموسومة بالنجعة في احكام المتعة ، فأثبتنا من
طريق خصومنا تضعيف تلك الاحاديث ، وان اخرجها البخاري ومسلم ، ونقلنا كلمات
البعض من أئمتهم في الجرح والتعديل الدالة
على ذلك ، على ان تلك الاحاديث الملفقة تناقض صحاحنا
المتواترة من طريق العترة الطاهرة ، بل تناقض ما سمعته وما ستسمعه من صحاحهم
الدالة على عدم نسخها ، بل تناقض نفسها
بنفسها كما فصلناه في النجعة تفصيلا ، وقد سمعت نص جابر
على ان التحريم والنهي انما كان من عمر في بادرة ابن حريث ، وستسمع كلام عمران
بن حصين ، وعبد الله بن مسعود
وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وامير المؤمنين
، فتراه صريحا بان التحريم لم يكن بناسخ شرعي ، وانما كان بنهي عمر ، ومحال ان
يكون هناك ناسخ يجهلونه ، وهم من
علمت منزلتهم من رسول الله ، وملازمتهم اياه ، وحرصهم
على اخذ العلم منه ، على انه لو كان ثمة ناسخ لنبههم إليه بعض
المطلعين عليه ، وحيث لم يعارضهم احد فيما كانوا ينسبونه
من التحريم إلى عمر علمنا انهم اجمع معترفون بذلك مقرون بان لا ناسخ من الله
تعالى ، ولا من رسوله على ان عمر نفسه
لم يدع النسخ كما ستسمعه من كلامه الصريح في اسناد
التحريم والنهي إلى نفسه ، ولو كان هناك ناسخ من الله أو من رسوله لاسند
التحريم إلى الله تعالى أو إلى الرسول فان ذلك ابلغ في الزجر ، وأولى بالذكر .
( فصل )
ومن غريب الامور دعوى بعضهم النسخ بقوله تعالى (
والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم ) بزعم
انها ليست بزوجة ولا ملك يمين ، قالوا اما كونها ليست بملك يمين فمسلم ، واما
كونها ليست بزوجة فلانها لا نفقة لها ولا ارث ولا ليلة .
والجواب : انها زوجة شرعية
بعقد نكاح شرعي ، اما عدم النفقة والارث والليلة فانما هو لادلة خاصة تخصص
العمومات الواردة في احكام الزوجات كما بيناه في الامر الاول ، على
ان هذه الآية مكية نزلت قبل الهجرة بالاتفاق ، فلا يمكن ان تكون ناسخة لاباحة
المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة بالاجماع .
ومن عجيب امر هؤلاء المتكلفين ان يقولوا بان آية
المؤمنون ناسخة لمتعة النساء إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين ، فإذا قلنا لهم ولم
لا تكون ناسخة لنكاح الاماء المملوكات لغير الناكح ،
وهن لسن بزوجات للنكاح ولا بملك له ، قالوا حينئذ ان آية المؤمنون مكية ، ونكاح
الاماء المذكورات انما شرع بقوله تعالى - في سورة النساء وهي مدنية - (
فمن لم يستطع منكم
طولا ان ينكح المحصنات فمن ما ملكت ايمانكم )
الآية، والمكي لا يكون ناسخا للمدني لوجوب تقدم المنسوخ على الناسخ ، يقولون
هذا القول وينسون ان المتعة انما شرعت في المدينة ،
وان آيتها في سورة النساء أيضا ، وهي قوله عز من قائل : (
فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) وقد منينا
بقوم لا يتدبرون ، فانا لله وانا إليه راجعون .