- أجوبة مسائل جار الله- السيد شرف الدين  ص 19 : -

( المسألة الثانية )

قال : وللشيعة في تكفير الاول والثاني صراحة شديدة ومجازفات طاغية ، إلى آخر ارجافه .
 

-  ص 20 -

( المسألة الثالثة )

زعم ان لهم في لعنهما عبارات ثقيلة شنيعة ، إلى آخر عدوانه .


فاقول : ليس هذا الرجل اول من رمى الشيعة بهاتين المسألتين ، ولا نحن اول من ناقش في ذلك ، وقد اكل الدهر على هذه الامور وشرب ، فالتحريش بمثل هذه المسائل ليس الا ايقاظا

للفتنة الراقدة ، وايقادا للحرب الخامدة ، ( وتفريقا بين المؤمنين ، وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ، وليحلفن ان اردنا الا الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون )

واي فائدة للامة في هذا البوق يجأر فيه المرجف بأنكر الاصوات ؟

واي عائدة من هذا الطنبور ونغمه المزعج ، وقد تقطعت اوتاره بتقادم عهده ؟


وطول ما وقعت عليه اجيال المرجفين ، وقد كان لبني ابي سفيان وبني مروان واوليائهم قدم في هذه الدعاية وهم اهل السطوة ، واهل الحول والقوة ، واهل الطول والثروة ، واهل المكر

والنكرة ، واهل الخداع والحيلة ، وقد سخروا كل ما لديهم في تعريض هذه المسائل وتطويلها ( فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين )
 

-  ص 21 -

والشيعة كانوا حيال ذلك كالجبل الاشم لا يحفل بالعواصف، ولا يأبه بالقواصف ، هذا والعصر مظلم ، والحياة مهددة ، اما اليوم فنور وحرية يأبيان ذلك كل الاباء ، وما على الشيعة لو جابهت النواصب بالحقيقة الناصعة ، وأدلتها القاطعة ، ولعل النواصب يضطروننا إلى هذا .

رأيت الحلم دل علي قومي * وقد يتجهل الرجل الحليم
 

- استغفر الله ، ان المسلمين إلى المسالمة احوج منهم إلى الملاكمة ، وما اغنانا عن استعراض مثل هذه المسائل المثيرة عونا في المعارك الفكرية التي لا تحمد عقباها ، وقد اعذر من انذر .


على ان هاتين المسألتين - مسألتي التكفير واللعن - مما لا وزن له عند اهل السنة لو رجعوا إلى اصول مذهبهم الاشعري ، لان الايمان عندهم عقد بالقلب لا ينافيه شئ مما بلفظه اللسان ،

حتى شتم الله تعالى ورسوله ، كما نص عليه ابن حزم في ص 204 من الجزء 4 من كتابه الفصل حيث نسب إلى امام اهل السنة ابي الحسن علي بن اسماعيل الاشعري واصحابه القول : بان الايمان عقد بالقلب ، وان أعلن الفكر 

-  ص 22 -

بلسانه بلا تقية ، وعبد الاوثان ، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الاسلام ، وعبد الصليب ، واعلن التثليث في دار الاسلام ، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الايمان عند الله ولي لله من اهل الجنة ، هذا كلامه بعين لفظه ،


وقال في اول ص 206 من الجزء 4 من فصله ايضا : واما الاشعرية فقالوا : ان شتم من اظهر
( 1 ) الاسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم واعلان التكذيب بهما باللسان

بلا تقية ولا حكاية ، والاقرار بانه يدين بذلك ليس شئ من ذلك كفرا ، انتهى بعين لفظه . نقل في الصفحة نفسها عن الاشاعرة القول بان من عرف الحق من اليهود والنصارى المعاصرين

لرسول الله فاعتقد بانه رسول الله حقا ، ثم كتم ذلك وتمادى في الجحود ، واعلان الكفر ، فحارب النبي في خيبر وغيرها فهو مؤمن عند الله ، ولي لله تعالى من اهل الجنة ( 2 ) .
 

 

( 1 ) اظن الصواب في هذه العبارة ان يقال : ان شتم من ابطن الاسلام كما لا يخفي ولعل الغلط من الناسخ

( 2 ) كان احمد بن زاهر السرخسي وهو اجل اصحاب الامام الاشعري يقول - فيها نقله الشعراني عنه في اواخر المبحث 58 من يواقيته - : لما حضرت الشيخ ابا الحسن الاشعري =>

 

 

-  ص 13 -

قلت : ما عسى بعد هذا ان يقول المرجف بالشيعة مع علمه بما انعقدت عليه قلوبهم واعتقدته ضمائرهم ، ولهجت به السنتهم ونبضت به شرايينهم ، فخالط دمهم ومخهم، ونبت عليه لحمهم

واشتد عظمهم ودانت به جوارحهم من الايمان بالله وحده ، والتصديق بما جاءت به رسله ، وهبطت به ملائكته ونزلت به كتبه ، ولو فرض ان في الشيعة جماعة يكفرون أو يلعنون الذين

ذكرهم هذا المرجف فانهم انما نزلوا في ذلك على حكم الادلة الشرعية ، وهبها شبها لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه ، لانها لا تعدو الكتاب والسنة ، وقد اوجبت لهم القطع الجازم بما صاروا إليه ، فهم معذورون ومأجورون بحكم ما سمعته ( 1 ) من النص والفتوى ،


وقد قال ابن حزم - في ص 227 من الجزء الثالث من الفصل - ما هذا لفظه : واما من سب احدا من الصحابة فان كان جاهلا فمعذور ، وان
 

 

=> الوفاة بداري في بغداد امرني بجمع اصحابه فجمعتهم له فقال : اشهدوا علي اني لا اكفر احدا من اهل القبلة بذنب لاني رأيتهم كلهم يشيرون إلى معبود واحد ، والاسلام يشملهم ويعمهم ، هذا كلام امام السنيين وكفى به دحضا لارجاف المرجفين . ( 1 ) في خطبة هذه الرسالة فراجع منها الصفحة 8 والتي بعدها ( * ) 

 

 

-  ص 24 -

قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق ، وان عاند الله في ذلك ورسوله فهو كافر

( قال ) : وقد قال عمر بحضرة النبي عن حاطب ، وحاطب مهاجري بدري : دعني اضرب عنق هذا المنافق . فما كان بتكفيره حاطبا كافرا ، بل كان مخطئا متأولا .

قلت : هذا رأي من لا تزدهفه العاطفة ، ولا يستخفه في هذه المسألة غضب ، من كل عالم معتدل لا يؤثر على اتباع الادلة شيئا ، وابن حزم لم يكن من هؤلاء المنصفين ، لكن الله عزوجل غالب على امره ، والحق ينطق منصفا وعنيدا .


ان ادلة العقل والنقل ، وشواهد الطبع والوضع لتثبت معذرة المتأولين في هاتين المسألتين وامثالهما كما فصلناه في فصولنا المهمة
( 1 )
 

 

( 1 ) راجع منها الفصل 2 المعقود لبيان معنى الاسلام والايمان ، والفصل 3 المختص باحترام اهل القبلة ، والفصل 5 المختص بنجاتهم ، والفصل 6 المنعقد لبيان فتاوى علماء اهل السنة بايمان اهل القبلة كافة واحترامهم ونجاتهم جميعا

والفصل 7 المختص ببشائر السنة للشيعة ، والفصل 8 المختص بمعذرة المتأولين والفصل 9 المشتمل على الفتوى بكفر الشيعة وتفصيل ما استدل به المفتي بذلك والرد عليه بالادلة القاطعة والبراهين الساطعة فحقيق بكل بحاثة ان يقف على تلك الفصول . ( * ) 

 

 

-  ص 25 -

وهو الذي صرح به مجتهدو الامة ( 1 ) .

وقد كان الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يتنازعون ويتشاتمون فلم يؤثر عنه في حقهم شئ سوى الصلح بينهم .


وقد تشاتموا مرة امامه وتضاربوا بالجرائد والايدي والنعال ( 2 ) فاصلح صلى الله عليه وآله بينهم ، وتقاتل الاوس والخزرج على عهده صلى الله عليه وآله واخذوا السلاح واصطفوا للقتال ( 3 ) فلم يرو عنه صلى الله عليه وآله الا اصلاح ذات بينهم .


وتشاتم عمار بن ياسر وخالد بن الوليد بين يديه صلى الله عليه وآله فأغلظ عمار لخالد فغضب خالد وقال : يا رسول الله اتدع هذا العبد يشتمني ؟ فوالله لولا انت ما شتمني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا خالد كف عن عمار ، فانه من يسب
 

 

( 1 ) كما بيناه في الدليل الخامس من الادلة على عدم كفر المتأولين في السب والتكفير ص 148 من الطبعة الثانية من فصولنا المهمة في تأليف الامة .

( 2 ) هذا ثابت في الصحيحين فراجعه في اوائل كتاب الصلح من صحيح البخاري ص 74 من جزئه الثاني ، وفي أواخر باب دعاء النبي إلى الله من كتاب الجهاد من صحيح مسلم

( 3 ) رواه جميع اهل الاخبار وحسبك ما في آخر ص 107 من الجزء الثاني من السيرة الحلبية . ( * ) 

 

 

-  ص 26 -

عمارا يسبه الله ، ومن يبغض عمارا يبغضه الله ، الحديث ( 1 )


وشتم رجل أبا بكر ، والنبي جالس فجعل النبي صلى الله عليه وآله يعجب ويبتسم ، فلما اكثر الشتم رد عليه أبو بكر بعض قوله فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقام منصرفا من

المجلس ، فلحقه أبو بكر فقال : يا رسول الله كان يشتمني وانت جالس ؟ فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت ، الحديث ( 2 ) وليس فيه ان النبي صلى الله عليه وآله فعل مع ذلك الرجل أو قال له شيئا اصلا .


وتسور على مقام ابي بكر ايام خلافته بالشتم رجل
 

 

( 1 ) اخرجه المحدثون وذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى من سورة المائدة : يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ، واورده الامام الواحدي في تفسير هذه الآية ص 118 من كتابه اسباب النزول .

( 2 ) اخرجه الامام احمد من حديث ابي هريرة ص 436 من الجزء الثاني من مسنده - ورواه الشيخ نصر السمرقندي في باب كظم الغيظ من كتابه - تنبيه الغافلين باحاديث خاتم النبيين - ص 71 . ( * ) 

 

 

-  ص 27 -

آخر فقال أبو برزة الاسلمي ( 1 ) : يا خليفة رسول الله دعني اضرب عنقه ، فقال : اجلس ليس ذلك لاحد الا لرسول الله صلى الله عليه وآله هذا حكم ابي بكر فيمن واجهه بالسب وتسور

على مقامه بالشتم ، فمن اين نحكم بعده بالتكفير ، أو نفتي بالتعزيز ؟ ؟ واقتدى به في ذلك عمر بن عبد العزيز إذ كتب إليه عامله بالكوفة يستفتيه في قتل رجل سب عمر بن الخطاب ، فكتب إليه ( 2 ) : لا يحل قتل امرء مسلم بسب احد من الناس ، الا رجلا
 

 

( 1 ) كما اورده القاضي عياض في الباب الاول من القسم الرابع من كتابه - الشفا - واخرج نحوه الامام احمد من حديث ابي بكر في ص 9 من الجزء الاول من مسنده . وكذا الحاكم في ص 355 وفي ص 354 من الجزء الرابع من المستدرك بالسند الصحيح على شرط الشيخين واورده الذهبي في التلخيص معترفا بصحته على شرطهما .


( 2 ) كما في الباب الاول من القسم الرابع من كتاب - الشفا - واخرج محمد بن سعد في احوال عمر بن عبد العزيز ص 279 من الجزء الخامس من طبقاته بسنده إلى سهيل بن ابي صالح قال : ان عمر بن عبد العزيز قال : لا يقتل احد في سب احد الا في سب نبي ا ه‍ . ( * ) 

 

 

-  ص 28 -

سب رسول الله فمن سبه صلى الله عليه وآله حل دمه .


وانت إذا نظرت في احوال الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وجدت حروبا تشب ، وغارات تشن ، وحرمات مهتوكة ودماء مسفوكة ، وشتما وضربا ، وهضما وسلبا ، وحسبك:

اقتلوا نعثلا فقد كفر ، فحوصر وقتل ، ثم كانت وقعة الجمل الاصغر فوقعة الجمل الاكبر فصفين ، ثم كان من معاوية وأوليائه ما كان مما طار في الاجواء ، وطبق الارض والسماء ،

فلينظر ناظر بعقله هل كان بين هؤلاء وبين الله عزوجل قرابة فيحابيهم بها ؟ كلا ما كان الله ليثيب قوما بأمر يعاقب عليه آخرين ، ان حكمه في الاولين والآخرين لواحد ، وما بينه

عزوجل وبين احد من خلقه هوادة في اباحة حمى حرمه على العالمين ، فإذا كان التأول عذرا للاولين فهو عذر للآخرين ( ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) .

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب