40 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أرباب من دون الله

إذا أردنا أن نستدل بالمنطلقات اللغوية للكلمة ، ينبغي أن يقال بأنه لو صحت الرؤية الوهابية بأن المشركين موحدون في الربوبية لكان القرآن مخطئا في مخاطبة المشركين بأنكم اتخذتم أربابا ، وذلك في عدة آيات ، منها قوله تعالى ( وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا

41 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ) آل عمران/ 64 ، وقوله عز وجل ( وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا ) آل عمران /80 ، وقال تعالى ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) التوبة / 31 ، وقال تعالى ( أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) يوسف / 39 .

وقد أشكل البعض عليهم بذلك ، فقال أحمد دحلان : " ألا ترى إلى قوله تعالى ( أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ) الأعراف / 172 ولم يقل ألست بإلهكم ، فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية " (1) .

والوهابية تتملص من الإشكال بأن المقصود من كلمة الأرباب في تلك الآيات آلهة ، قال السهسواني : " المراد بالرب المعبود ، قال القرطبي : الرب المعبود ، وعن عكرمة في تفسير قوله تعالى ( وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ) قال : يسجد بعضنا لبعض ، كذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره وغيره ، وقال الله تعالى في سورة التوبة ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ، فالمراد بالأرباب في تلك الآية هم المعبودون " (2) .

وسنناقش ذلك ، والمهم حينما نتبع كلمة الرب في اللغة نجدها بمعنى الخالق المدبر ومنه التدبير المرتبط بهداية المخلوق ، ويظهر ذلك من جواب موسى لفرعون في قوله تعالى ( قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) ، وكذلك في قوله تعالى ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) الأعلى / 1- 3 .

 

(1) دعاوى المناوئين ص 330 .
(2) دعاوى المناوئين ص342 ، ولكن سيأتي الكلام عن رأي ابن عبدالوهاب في هذه الآية وأن الحديث فيها عن الطاعة في تلقي الأحكام وتحليل الحرام وتحريم الحلال ، فليس الأرباب هنا هم المعبودون ؟! وسيأتي موضع كلام ابن عبدالوهاب عن الآية .

 
 

42 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

قال الخليل بن أحمد : " الربيون الذين صبروا من الأنبياء ، نسبوا إلى العبادة والتأله في معرفة الربوبية لله الواحد ربي ، ومن ملك شيئا فهو ربه لا يقال بغير الإضافة إلا لله عز وجل" (1) .

قال الأزهري : " الرب هو الله تبارك وتعالى ، هو رب كل شيء أي مالكه وله الربوبية على جميع الخلق لا شريك له ، ويقال : فلان رب هذا الشيء أي ملكه له ... ، وكل من ملك شيئا فهو ربه ، ( اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ) أي عند ملكك ، يقال هو رب الدابة ورب الدار ، وفلانة ربة البيت وهن ربات الحجال ... ، ابن الأنباري : الرب ينقسم على ثلاثة أقسام : يكون الرب المالك ، ويكون الرب السيد المطاع ، قال الله تعالى ( فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ) أي سيده ، ويكون الرب المصلح " (2) .

قال إسماعيل الجوهري : " رب كل شيء : مالكه ، والرب : اسم من أسماء الله عز وجل ولا يقال في غيره إلا بالإضافة ، وقد قالوه في الجاهلية للملك ... والرباني : المتأله العارف بالله تعالى وقال سبحانه ( كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ ) ، ورببت القوم سستهم أي كنت فوقهم ... ورب الضيعة أي أصلحا وأتمها ، ورب فلان ولده يربه ربا ورببه وترببه بمعنى أي رباه " (3) .

قال ابن فارس : " الراء والباء يدل على أصول ، فالأول : إصلاح الشيء والقيام عليه ، فالرب : المالك والخالق والصاحب ، والرب : المصلح للشيء ، يقال : رب فلان ضيعته إذا قام على إصلاحها ... والله جل ثناؤه الرب لأنه مصلح أحوال خلقه ...
والأصل الآخر : لزوم الشيء والإقامة عليه وهو مناسب للأصل الأول يقال أربت السحابة بهذه البلدة إذا دامت ...

 

(1) العين ص 329 .

(2) تهذيب اللغة ج15 ص 128 . (3) الصحاح ج1 ص 130 .  
 

43 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

والأصل الثالث : ضم الشيء للشيء وهو أيضا مناسب لما قبله ، ومتى أنعم النظر كان الباب كله قياسا واحدا يقال للخرقة التي جعل فيها القداح ربابة " (1) .

قال الراغب : " الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالا بعد حال إلى حد التمام ، ولا يقال الرب مطلقا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى ( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) وعلى هذا قوله تعالى ( وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا ) أي آلهة وتزعمون أنهم الباري مسبب الأسباب ، والمتولي لمصالح العباد ، وبالإضافة يقال له ولغيره ... قال تعالى ( أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ، ولم يكن من حق الرب أن يجمع إذ كان إطلاقه لا يتناول إلا الله تعالى لكن أتى بلفظ الجمع فيه على حسب اعتقاداتهم لا على ما عليه ذات الشيء في نفسه ، والرب لا يقال في التعارف إلا في الله " (2) .

كل كلمات اللغويين تجتمع على أن كلمة الرب تطلق في الأصل على الخالق الملك المدبر لأمور الكون باعتبار أنه هو الموجد والمصلح الذي يسبب نمو الكائنات وبلوغها غايتها في الكمال .

 

(1) مقاييس اللغة ص 378 .

(2) المفردات ص 184 .  
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب