49 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

شركاء من دون الله

تقوم الرؤية الوهابية على أن الشرك عند جل الأمم يختص باتخاذ معبود آخر مع الله من دون أن يعتقد المشركون بوجود تأثير مستقل للشريك في الخلق وتدبير مملكة الله ، ولكني أعتقد أن من الإشكالات الأساسية التي عليهم مواجهتها تقييد الشريك المزعوم لله في القرآن بأنه شريك في الملك كما في قوله تعالى ( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) الإسراء / 111 فهذا التقييد يتنافي مع رؤيتهم تلك .

فالآية تعرض أنواعا من الخلل في التوحيد عندهم ، أحدها اتخاذ الولد وهو نوع من الشرك واقع عند العرب ، فلا بد أن يكون هو شرك من قبيل ما في قوله تعالى ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) وهو تخيل وجود شريك لله في الملك ، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة ، فلا أعتقد بأنه يصح أن يطلق عبارة ( شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) على الإله المعبود فقط الذي ليس له من أمر الملك شيئا كما هو التصوير

50 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الوهابي للشريك ، كما أن الآية تعرض أمرا ثالثا في قوله تعالى ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ ) كنوع من الشرك .
قال الماوردي : " ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) ، لأنه واحد لا شريك له في ملك ولا عبـادة " (1) وكذلك قال الشوكاني : " ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) أي مشارك له في ملكه وربوبيته كما تزعمه الثنوية ونحوهم من الفرق القائلين بتعدد الآلهة " (2) .

وقال الآلوسي : " ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) ظاهره أنه رد على الثنوية وهم المشركون في الربوبية ، ويجوز أن يكون كناية عن نفي الشركة في الألوهية فيكون ردا على الوثنية " (3) ، عموما هو يقر إن قوله الثاني خلاف الظاهر .

وعموما كأن الآية في صدد بيان أنواع من المعتقدات الضالة الشركية ، أولها الاعتقاد بوجود ولد لله والثاني الاعتقاد بوجود شريك لله في الملك والثالث الاعتقاد بوجود الولي والنصير الذي يستعين به في إدارة مملكته ، والثاني والثالث صريحان في وجود قدرة لمن اعتقدوا بأنه شريك أو ولي فكيف لا يكون الولد الذي اعتقدوا به قادرا ؟

وهناك آيات أخرى يقيد فيها الشريك بأنه شريك في السماوات والأرض وليست إلا عبارة أخرى عن الملك كما في قوله تعالى ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ) سبأ / 22 ، وتجد في قوله تعالى ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ) فاطر / 40 (4) .

تقييدا واضحا بأن الشراكة إنما تكون في السماوات والأرض ، فهل هذه الشركة إلا شركة في تدبير السماوات والأرض ؟!

 

(1) النكت والعيون ج3 ص 282 ، ومثله القرطبي في الجامع لحكام القرآن ، المجلد الخامس ، ج10 ص 309 .
(2) فتح القدير ج3 ص 315 .
(3) روح المعاني ، المجلد التاسع ، ج15 ص 281 .
(4) ومثله قوله تعالى ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ) الأحقاف / 4

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب