52 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أولياء من دون الله

وقد استعملت كلمة الولي للتعبير عن الآلهة في عدة آيات منها ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) الزمر/ 3 ، وقال تعالى ( قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا ) الرعد/ 16 ، وقال تعالى

53 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ ) العنكبوت/ 41 ، وعن المؤمنين الموحدين يقول عز وجل ( قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ) الفرقان / 18 .

قال الأزهري : " قال الزجاج : يقرأ : وَلايتهم ووِلايتهم بفتح الواو وكسرها فمن فتح جعلها من النصرة والنسب ... منها المولى في الدين وهو الولي وذلك قول الله تعالى ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ) ... وأما قوله تعالى ( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ ) معناه : من يتبعهم وينصرهم " (1) .

قال ابن الأثير : " في أسماء الله تعالى ( الولي ) هو الناصر ، وقيل : المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها ... وقد تكرر ذكر ( المولى ) في الحديث وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر ... " (2) .

قال الراغب : " الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما ، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد ، والولاية النصرة ، والولاية تولي الأمر ... والوالي الذي في قوله ( وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ) بمعنى الولي ... وقوله ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ ) فيه نفي الولي بقوله عز وجل (مِّنَ الذُّلَّ ) إذ كان صالحو عباده هم أولياء الله كما تقدم ولكن موالاتهم ليستولي هو تعالى بهم وقوله ( وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) " (3) .

والحق أنها حينما تطلق في القرآن ويوصف بها الله وتنفى عن الآلهة الأخرى تستعمل بمعنى الولي الذي ينصر مستقلا عن الله ، قال تعالى ( وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ ) الشورى / 46 ، وهو واضح من مقابلة ولاية الله بنفي

 

(1) تهذيب اللغة ج15 ص 322- 325 .
(2) النهاية في غريب الحديث والأثر ج 5 ص 197 - 198 .

(3) المفردات ص 533 - 535 .  
 

54 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

النصرة عن الآلهة التي تدعى من دونه في قوله تعالى ( إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) الأعراف /196- 197 ، ويدل على ذلك مقارنته بالنصرة في عدة آيات كقوله تعالى ( مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) البقرة /120 وهكذا تترافق الكلمتان في عدة آيات كقوله عز وجل (وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرً) النساء/45 ، وحينما تنفى عن الآلهة الأخرى يقول ( مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ) النساء / 123 .

وهكذا تحصر الولاية بالله بعد الحديث عن وجود الناصر في قوله تعالى ( وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ) الكهف / 43- 44 .

ويدل على ذلك أيضا تشبيه من اتخذ وليا غير الله بمثل العنكبوت ، قال تعالى ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ) العنكبوت / 41 - 42 .

قال ابن كثير : " هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ورزقهم ويتمسكون به في الشدائد فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه فليس في أيدي هؤلاء المشركين من آلههتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت ، فإنه لا يجدي عنه شيئا ، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء " (1) .

وفي قوله تعالى ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) الشورى / 9 تخصيص للولاية بالله دون غيره من الموجودات ،

 

(1) تفسير ابن كثير ج3 ص 424 .

 
 

55 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وكذلك الحال في قوله تعالى ( قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) الأعراف /195- 197 ، وهكذا قوله تعالى ( وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) يونس/ 30 ، فما يفترون من الآلهة والشركاء .

والحصيلة أن الآيات تبين أن المقصود بالناصر والولي المستقل في النصرة شيء واحد ، واتخاذ أي ناصر آخر وولي آخر تعتقدون باستقلاله في النصرة والولاية من دون الله هو الشرك والكفر بعينه .

فالولاية الخاصة بالله التي إذا أعطيت لغير الله تعد شركا هي التي تقيد بالاستقلال عن الله ، وذلك لوضوح أن ولاية غير الله جائزة في بعض الحالات وليست من الشرك في شيء كما قال عز وجل ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ) الممتحنة / 8 - 9 ، فالآية لا تنهى عن ولاية من لا يقاتل ، فإذا كان الولي في الحالتين بمعنى الناصر ، فلا بد أن نقول أن المنهي عنه وما يعد شركا هو أن يتخذ إلها آخر ناصرا يعتقد أنه ينصره مستقلا عن الله ، وأما أن يتخذ إنسانا آخر كناصر ومعين وولي في النوائب والملمات من دون الاعتقاد بأنه مستقل عن الله فلا يعد هذا شركا أبدا ، بل هذا ما يدعو إليه في مثل قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) النساء / 144 ، فهناك أولياء حث القرآن على ولايتهم فقال تعالى ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) التوبة / 71 .

56 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وما نريد قوله إن الشرك لا يمكن أن يصدق على مجرد اتخاذ الناصر فهذا لا ينافي التوحيد نظرا لأمر الله باتخاذ الأولياء والناصرين من المؤمنين ، بل سمي الأنصار في القرآن بالأنصار لأنهم نصروا إخوانهم المهاجرين ، إنما الشرك في اتخاذ الناصر الذي يعتقد الإنسان استقلاله عن الله ، وهذا يعني اتخاذه إلها من دون الله .

ولذا تجد في قوله تعالى ( قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ ) الأنعام /14 حديثا عن أن اتخاذ الولي من دون الله هو موجب الشرك ثم تنتهي بقوله تعالى ( وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ ) الأنعام / 17 فقوله لا كاشف للضر غير الله لا يمكن أن يكون إلا خطابا لمن اعتقد بوجود من يكشف الضر غير الله ومستقلا عن الله وإلا إذا كان يعتقد بأن الله هو كاشف الضر وأن الآلهة تشفع لما صح أن يرد بهذا الكلام لأنه سيقول أنا أعلم أنه لا يكشف الضر إلا الله ، وليست الآلهة الأخرى إلا شفيعة إليك يا رب كي تكشف الضر .

ولا أجد وجها يمكن للوهابية أن تدفع به هذا الاستدلال بمفردة ( الولاية ) القائم على اعتبار الاستقلال عن الله في النصرة حيثية داخلة في حقيقة الولي المتخذ من دون الله ، فلا ينفعهم دعوى أن الولاية هنا بمعنى الشفاعة وأن نصرتهم ليست من خلال قدرة مستقلة بل من خلال التوسط والشفاعة عند الإله الأكبر ، لأن النصرة غير المستقلة جائزة وغير مرفوضة في القرآن ولا تعد شركا كما بينا ، فضلا عن استهجان جعل كلمة الأولياء مرادفة لكلمة الشفعاء ، وعليه سيكون المعنى في آية الزلفى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) الزمر / 3 ، والذين اتخذوا من دونه آلهة لتنصرهم معتقدين بأنها تنصرهم بقدرتها الذاتية مستقلة عن قدرة الله وهيمنته على الكون يقولون : إنما عبدناها كي تقربنا إلى الله .

57 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وخلاصة اتخاذ الناصر الذي هو غير مستقل عن الله في عقيدة المتخذ ليس من الشرك في شيء ، إذ كيف يمكن أن يعد مجرد ذلك موجبا للشرك وقد حث عليه القرآن في موارد عدة ؟ فلا بد من التقييد باعتقاد استقلاله عن الله في النصرة والتأييد .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب