57 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ضر ونفع الآلهة هو نفسه نصرة الأولياء

إن ظاهر قوله تعالى وهو يذكر خطاب المشركين لنبي الله هود عليه السلام ( إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ ) هود / 54 نسبة الضر إلى نفس الآلهة ، بل هو ظاهر مثل قوله تعالى ( وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) مريم / 81 ، أي تحدث العز والنصر بنفسها وذلك لما تملك من قدرات خارقة - في عقيدتهم الباطلة - والتي بسببها عدت من الآلهة .

والذي يدل على اعتقادهم بأن الآلهة ترزق وفق قدراتها الذاتية كما هي قدرة الله في الرزق قوله تعالى ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ ) العنكبوت / 17 ، فلا أعتقد أن من يؤمن بأن الرزق بيد الله والآلهة ليست إلا وسيط في رزق الله يقال له ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا ) فجوابهم سيكون واضحا : نحن نقول إنها لا ترزق والذي يرزق هو الله ، ولكن نطلب منها أن تتوسط عند الله كي يرزقنا .

ومن الآيات التي تتحدث عن هذا الأمر قوله تعالى ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ

58 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) الزمر / 36 – 38 .

ووجه الاستدلال بالآية أنها تصرح بأن المشركين يخوفون الرسول (ص) بآلهتهم فقد قال البغوي في تفسير الآية : " ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ) وذلك أنهم خوفوا النبي (ص) معرة معاداة الأوثان ، وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون " (1) ، فكلامهم ظاهر بنسبة الإضرار إلى آلهتهم .

والذي يؤيد ذلك أن السورة تتحدث وبعد أربع آيات عن الشفاعة وبصيغة يظهر أنها حديث عن موضوع آخر غير موضوع الضر والنفع الذي تم الحديث عنه ، قال عز وجل في الآيات بعدها ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) الزمر/43 -44 .
فكأن سياق الاستدلال في الآيات مر بمرحلتين وتفرع عن الثانية نتيجتان :
فبدأت أولا بأخذ الإقرار منهم بخالقية الله وعدم قدرة آلهتهم على الخلق - وسنبحث حقيقة هذا الإقرار مفصلا - ثم الانتقال في المرحلة الثانية إلى موضوعين لا يقرون بهما :
أولهما عدم قدرة الآلهة على الضر والنفع الذاتيين في الآية 38 .
والثاني عدم قدرة الآلهة على الشفاعة في الآية 43 ، وهو ضر ونفع غير ذاتيين ، فبين القرآن أنه ليس في مقدور آلهتهم لا الضر والنفع الذاتيان ولا الشفاعة .

 

(1) تفسير البغوي ج4 ص 69 .

 
 

59 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

التأكيد على قيد ( بِإِذْنِ اللّهِ ) دليل على اعتقادهم استقلالية الآلهة
فهذا الإقرار دليل على أن المواجهة ليست لمجرد الاعتقاد بأنها تضر وتنفع ، بل هي مواجهة لاعتقاد أنها تضر وتنفع في قبال الله ومستقلا عنه ، فالقرآن يتحدث عن تمكين الله للمسيح في الخلق وإبراء الأكمه والأبرص وذلك بإذن الله وهي أهم مصاديق الضر والنفع التي يريدها الناس من الآلهة ، قال تعالى ( قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) آل عمران / 49 ويجب على كل مسلم أن يعتقد بذلك ، لكن لا يمكن أن يعد هذا شركا ما دام يؤمن بأنه بإذن الله وبتمكينه لا أن المسيح مستقل في تلك القدرة أو هو قادر على ذلك لأنه ابن الله الذي هو من جنس الله وقدراته من قبيل قدرات الله فهو إله صغير كما هي عقيدة النصارى في المسيح وعقيدة المشركين في أصنامهم .

وكذلك الحال بالنسبة إلى الذي آتاه الله علما من الكتاب ، إذ لا شك بأن القدرة على الإتيان بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف ليست في مقدور البشر ، وهي قدرة خاصة بالله ، لكن منحها بعض عبيده كما في قوله تعالى ( قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ) النمل / 38 – 40 .

أبعد هذا يمكن أن يقال إن القرآن يرى أن الشرك يتحقق بمجرد الاعتقاد بضر كائن ونفعه - في الأمور التي ليست إلا بمقدور الله - ولو كانت تلك القدرة بتمكين الله وإذنه ؟ قطعا لا ، وإنما الشرك في الاعتقاد بأن هذا الموجود يضر وينفع لقدراته الذاتية باعتبار أنه إله مستقل عن الله في قدراته ويمكن الرجوع إليه من دون الحاجة لله نظرا لتلك القدرات الذاتية ، ومن ثم صح الاستدلال بالتضارب الذي سيحدث بين القوى

60 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

المستقلة ومن ثم فساد الكون كما في قوله تعالى ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) كما أسلفا .

وعليه الآيات التي على نحو قوله تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ) يونس / 18 وقوله تعالى ( يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ) يقصد بها ما لا يضرهم ولا ينفعهم ضرا ونفعا ذاتيين كما هي عقيدة مشركي قريش الباطلة ، وأما من يعرف بأن ضر ونفع بعض الأنبياء والأولياء بتمكين من الله لا يمكن أن يعبدهم بل يعبد الله لا يشرك به شيئا .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب