60 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

شفعاء من دون الله

إذ يتكرر في القرآن إطلاق عبارة الشفعاء على الآلهة ، وذلك في عدة آيات منها ( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء ) الأنعام/94 ، ( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ ) الزخرف/86 ، ( إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ) يس/ 23 ، ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) يونس / 18 .

ومن الواضح أن الاعتقاد بالشفيع في نفسه لا يمكن أن يكون موجبا للوقوع في الشرك نظرا لإقرار القرآن بوجود شفعاء غير الله للبشر لكن بعد إذنه قال تعالى ( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) طه / 109 ، ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) الأنبياء / 28 .

قال الراغب : " الشفع ضم الشيء إلى مثله ويقال للمشفوع شفع ... والشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى ، ومنه الشفاعة يوم القيامة ( لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) ... وقوله ( مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) أي يدبر

61 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الأمر وحده لا ثاني له في فصل الأمر إلا أن يأذن للمدبرات والمقسمات من الملائكة فيفعلون ما يفعلونه بعد إذنه " (1) .

أين موجب الشرك في الشفعاء الذين اتخذوا من دون الله ؟!
فيبقى سؤال مهم هو : ما علاقة مفردة الشفاعة بالتوحيد ؟ وكيف يعد اتخاذ الشفيع من دون الله شركا ؟ إن التوحيد هو الاعتقاد بأن الخالق المدبر والضار النافع هو الله وحده لا شريك له ولازم ذلك أن لا تكون العبادة إلا له أي لا يقصد الإنسان غيره في النسك والعبادات .

وهنا لا يمكن أن نقول كما قلنا في الولي بأنه ينقسم إلى ولي مستقل في النصرة فيكون شركا وولي غير مستقل فلا يكون شركا ، إذ الشفاعة حقيقتها عدم الاستقلال لأنها تعني طلب الشفيع من المستشفع إليه وعدم استقلالية الشفيع في شيء ، نعم يمكن أن يقال شفاعة أذن الله فيها وشفاعة لم يأذن بها ، وتعبير لم يأذن الله يتكرر في القرآن بهذا اللحاظ ، والمهم ما دامت الشفاعة في نفسها لا يمكن أن تكون موجبا للشرك ينبغي تبرير ورود مثل عبارة شفعاء من دون الله في القرآن .

الاحتمال الأول أن تختلف عبارة شفعاء من دون الله عن الباقي أي عن شركاء من دون الله وآلهة من دون الله وأولياء من دون الله ، فشفعاء من دون معناها من دون إذن الله فقط ، وأما في الموارد السابقة فالمقصود شركاء مع الله وآلهة مع الله وأولياء مع الله ، إذ لا يصح أن نقول شفعاء مع الله لأن الله نفسه ليس شفيعا بل مستشفع إليه ، نعم هم شفعاء من دون إذن الله ، ويمكن أن يكون هناك سبب آخر لمثل عبارة شفعاء من دن الله هو ما نعرضه فيما يلي .

 

(1) المفردات ص 263 .

 
 

62 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

تعليل آخر لعبارة شفعاء من دون الله
قلنا إن المشركين اعتقدوا بأن آلهتهم تضر وتنفع بنفسها ، ولكن فيما تقدر عليه بسبب تقسيم صلاحيات العالم على كل واحد من الآلهة الصغيرة ، ولذا سميت بآلهة لمجرد قدرتها على النفع والضر الذاتي ، فهي آلهة قبل أن تعبد ، هي آلهة بمجرد اعتقادهم أنها بنات لله لها ضر ونفع ذاتيان مستقلان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ويترتب على ذلك كما قلنا أن يطلب منها الحاجات وتعبد ، ولكن هناك حاجات أخرى لا يقدر عليها إلا الإله الأكبر وهنا لا يمكن الاستفادة من النصرة المباشرة للآلهة ، فيجب الانتقال إلى النوع الآخر ، وهو شفاعتها عند الإله الأكبر كي يقضي الحاجات غير الخاضعة في سلطة الآلهة الصغيرة .

ومقدمة يجب التأكيد على حقيقة أن اعتقادهم بألوهية آلهتهم لا علاقة له بالاعتقاد بشفاعتها فهي آلهة وشركاء لله في عقيدتهم قبل أن يعتقدوا بأنها تشفع أيضا ، قال تعالى ( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء ) الأنعام / 94 ، فالآية تتحدث عن شركاء وصفوا بأنهم شفعاء ، فذكرت الوصف والموصوف ، مع ملاحظة أن حقيقة الشرك متحققة قبل صفة الشفاعة ، فصفة الشفاعة زائدة على حقيقة الشرك ، وهذا كما مر دليل على أن الشرك والشفاعة حقيقتان مختلفتان لا أن محقق الشرك هو الاستشفاع وأن الشفاعة والعبادة والشرك عبارات مختلفة عن حقيقة واحدة ، فضلا عن أن عبارة ( فِيكُمْ شُرَكَاء ) ظاهرة في الشركة في التدبير ، واستهجان أن يكون المقصود بها شركاء في قصدها بالعبادة .

وعليه فإن وصفها الآلهة بأنها شفعاء من دون الله - مع ملاحظة أن عنوان الشفاعة في نفسه لا يوجب الشرك - ينطلق من كونها في الأصل وصفا لآلهتهم ، فهي آلهة شفعاء ، قال تعالى ( أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ) يس / 23 ، فربوبيتها وألوهيتها شيء وشفاعتها شيء آخر ، فهي رب لأنها تعز وتنصر بنفسها ولذا تستحق العبادة ، نعم أصبح القرآن يستخدم هذا

63 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الوصف أي شفعاء بدل الاسم أي آلهة ، وأصبحت عبارة شفعاء من دون الله تحل محل عبارة آلهة من دون الله ، وكأنها حذف للموصوف وإحلال للصفة محلها نظير حذف المضاف في قوله تعالى ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) وإحلال المضاف إليه محلها ، فهي في الأصل اسأل أهل القرية .

هذا الاحتمال الآخر الذي يمكن أن يقال في تبرير استعمال عبارة شفعاء من دون الله ، كل ذلك ليقيننا بأن الشفاعة في حد ذاتها لا توجب ذلك ، وعليه تقدير الكلام في هذه الآيات الآلهة الشفعاء ، فالموجب للوقوع في الشرك الاعتقاد بربوبية وألوهية الموصوف بأنه شفيع ، وتلك الألوهية تنطلق من الاعتقاد بأن لها قدرة ذاتية على النفع والضر ، وهي تقتضي عبادتها مع عبادة الله .

ولا يضر هذا التصوير الحصر الموجود في آية الزلفى ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) الزمر/ 3 لأنه حصر إضافي ، فتحصر سبب عبادة الآلهة الصغيرة بالتقرب من الله ، من دون أن تحصر قيمة الآلهة في ذلك بل هناك أدوار أخرى للآلهة الصغيرة غير العبادة بقصد التقرب إلى الله ، أهمها طلب النصرة الذاتية فيما أوكل لها من شئون الكون ، والطلب بمجرده ليس عبادة .

لذا قال ابن عاشور في تفسيره : " فالقصر لا ينافي أنهم أعدوهم لأشياء أخر إذا عدوهم شفعاء واستجدوهم في النوائب واستقسموا بأزلامهم للنجاح كما هو ثابت في الواقع " (1) .

ويحتمل أن يكونوا كاذبين في ادعائهم ذلك كما يظهر من ختم الآية بقوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) ، علق ابن عاشور على هذا المقطع من الآية بقوله : " يجوز أن يكون خبرا ثانيا عن قوله ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاء )

 

(1) التحرير والتنوير ج24 ص 14 .

 
 

64 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وهو كناية عن كونهم كاذبين في قولهم ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ ) " (1) ، وسيأتي بحث مفصل حول الآية في بحثنا عن خللهم في معرفة توحيد العبادة .

ومثل عبارة من دون الله شفعاء ما في قوله تعالى ( فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ) الأحقاف/ 28 فالمعنى من دون الله آلهة يتقرب بها إلى الله ، وكما قلنا في الشفعاء فإنه لا يمكن أن يقال إن مجرد اتخاذ وسيلة للتقرب إلى الله موجب للوقوع في الشرك ، كيف والقرآن يصرح بأن إراقة الدم من وسائل التقرب لله ، ويتقبل أحد قرباني ابني آدم ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ) المائدة / 27 ، فلا شك أن الشرك ليس في مجرد اتخاذ الوسائل المقربة بل الشرك في ألوهية من تقرب به ، فمن الواضح أن تقدير الكلام : اتخذوا من دون الله آلهة موصوفة بأنها اتخذت مقربة إلى الله ، ولكن هنا ذكر الوصف والموصوف مع القلب ، ولكن غالبا في الآيات التي فيها كلمة الشفعاء يذكر الوصف ويترك الموصوف كما في قوله تعالى ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء ) الزمر/ 43 .

ويدل على ذلك استخدام عبارة شهداء من دون الله في قوله تعالى ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) البقرة/ 23 فلم يقل أحد من المسلمين بأن اتخاذ الشهداء في الحياة من موجبات الشرك ، ولذا لا بد أن تكون عبارة شهداء من دون الله بمعنى آلهة من دون الله ، والمقصود حقيقة آلهة شهداء من دون وحذفت كلمة آلهة وحل محلها كلمة شهداء .
قال البغوي في تفسيره : " ( وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم ) أي واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها ( مِّن دُونِ اللّهِ ) " (2) .

 

(1) المصدر السابق ج24 ص 15 .

(2) تفسير البغوي ج1 ص 27 .  
 

65 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

قال ابن الجوزي : " وفي شهدائهم ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم آلهتهم قاله ابن عباس والسدي ومقاتل والفراء ، قال ابن قتيبة : وسموا شهداء لأنهم يشهدونهم ويحضرونهم ، وقال غيره : لأنهم عبدوهم ليشهدوا لهم عند الله " (1) ، وكما تلاحظ كل الحيثيات التي ذكرت ليست موجبة للشرك في نفسها .

هذا ما ينبغي أن يقال بناء على أن ألوهيتها تنطلق عند المشركين من أنها تضر وتنفع في ذاتها مستقلا عن الله في خصوص ما تقدر عليه بنفسها لذا هي ولية ناصرة ، وهي بلحاظ آخر شافعة في الحاجات التي لا تقدر عليها بنفسها بل هي بيد الله الإله الأكبر ، وهذه الشفاعة هي الذريعة التي تمسكوا بها لتبرير عبادتها عندما أشكل عليهم بأن عبادتها لا وجه لها مع إقراركم بالله الإله الأكبر .

وعلى ضوء ذلك لا يمكن أن تكون كلمتا الولي والشفيع اللتان تتكرران معا في عدة آيات بمعنى واحد ، قال تعالى ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )الأعراف/51 ، بل هما بمعنيين مختلفين أحدهما تعني القدرة المباشرة والثاني القدرة غير المباشرة النابعة من التوسط عند الإله الأكبر .

تكرر نفي الولي والشفيع معا دليل على أنهما نوعان من التأثير
ويبتني على النقطة السابقة أن الآيات التي تنفي وجود ولي أو شفيع يوم القيامة كقوله تعالى ( أَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ) الأنعام / 51 تشكل دليلا على أن هناك نوعين من النفع والضر المتخيل عند المشركين ، فوصف الولي ليس مرادفا لوصف الشفيع ، إذ لو كانت الطريقة الوحيدة التي تستطيع الآلهة النفع والضر من خلالها هي الشفاعة عند الإله الأكبر لما كان وجه

 

(1) زاد المسير ج1 ص 43 .

 
 

66 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

لوصفها بأنها ولية ناصرة إضافة إلى كونها شافعة ؟! لا بد أن هناك شيئا زائدا في نظر المشركين وهو قدرتها الذاتية على نصرة من اتخذها وليا ، فكلتا المفردتين استعملت في معنى غير المعنى التي استعملت بها الأخرى ، فالولي ينصر بنفسه والشفيع بالتوسيط عند الغير ، وقد بينا فيما سبق معنى اتخاذ الأولياء من دون الله في القرآن الكريم .

تنبيه مهم :
أغلب موارد الحديث عن شرك المشركين في القرآن التي فيها عبارة ( مِن دُونِ اللّهِ ) كما في قوله تعالى ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ) غافر/ 74 ، والمقصود بمن دون الله أي مع الله ، لأن المشركين اعتقدوا بالله لكن كإله أكبر معه آلهة صغيرة ، وكأن مرجع هذا الاستعمال من دون وحدانية الله أو من دون الله الواحد ، لكن منشأه اللغوي يقوم عل أساس إشراك من هو دون الله مرتبة .

قال البيضاوي : " ومعنى ( دُونِ ) أدنى مكان من الشيء ومنه تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من بعض ، ودونك هذا أي : خذه من أدنى مكان منك ، ثم استعير للرتب ، فقيل : زيد دون عمرو أي في الشرف ومنه الشيء الدون ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطي أمر إلى آخر ، قال تعالى ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين ، قال أمية : يا نفس مالك دون الله من واق ... ... ، أي إذا تجاوزت وقاية الله فلا يقيك غيره " (1) .

 

(1) تفسير البيضاوي ج1 ص 39 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب