67 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ثانيا : العرض القرآني لعقيدة المشركين

عقيدة المشركين محورها الشركي الاعتقاد بوجود أبناء لله
الطامة في عقيدة المشركين تتمثل في ادعاء وجود أبناء وبنات لله تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، فهل يعقل مع هذا أنهم كانوا يرون أن الأبناء أو البنات غير مستقلين في الضر والنفع أم هم نظروا إلى الأبناء المزعومين كنظرهم إلى أبناء الملوك ، فإن الابن له النفوذ المستقل والإمكانية المستقلة التي تمكنه من خلافة الأب في كثير من أمور المملكة ؟

وهذه المقالة أقبح أقوال العرب وهو أقبح من فعالهم ، والقرآن ذكر هذه العقيدة في القرآن مبينا أنها أقبح مقالات مشركي العرب عندما قال عز وجل ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن

68 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) مريم / 88 - 93 ، ولذا كان الأمر الوحيد الذي لا يمكن أن يغفر لهم لقوله تعالى ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) النساء / 48 .

قال ابن كثير : " قال ابن جرير ... عن ابن عباس في قوله ( ... أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) قال إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول منه لعظمة الله " (1) .
وتعددت الآيات التي تتحدث عن اعتقادهم الباطل بوجود أبناء لله تجدها في عدة مواضع :
منها قوله تعالى ( وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) البقرة / 116 ، وقوله عز وجل ( قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ ) يونس / 68 ، وقال عز وجل ( وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ) الكهف / 4 .

وقد حدد آيات سورة النجم أسماء آلهتهم التي اعتقدوا أنها بنات الله ، قال تعالى ( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) النجم / 19 – 23 .

قال الطبري في تفسيرها : " يقول تعالى ذكره أفرأيتم أيها المشركون اللات وهي من الله ألحقت فيه التاء فأنثت كما قيل عمرو للذكر وعمرة للأنثى وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى وزعموا أنهن بنات الله تعالى الله عما يقولون وافتروا " (2) .

 

(1) تفسير ابن كثير ج3 ص 146 .

(2) تفسير الطبري ج26 ص 77 .  
 

69 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

قال ابن كثير : " يقول تعالى مقرعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن (ع) ... قال ابن جرير وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله فقالوا اللات بتشديد التاء ... ثم قال تعالى ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ) أي أتجعلون له ولدا وتجعلون ولده أنثى وتختارون لأنفسكم الذكور... ( إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى ) يقول تعالى منكرا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى وجعلهم لها أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك " (1) .

قال ابن تيمية وهو يتحدث عن الآيات السابقة : " وهذه الثلاثة المذكورة في هذه السورة هي الأوثان العظام الكبار التي كان المشركون ينتابونها من أمصارهم ، فاللات كانت حذو قديد بالساحل لأهل المدينة ، والعزى كانت قريبة من عرفات لأهل مكة ، ومناة كانت بالطائف بثقيف وهذه الثلاث هي أمصار أرض الحجاز " (2) .
وقال الشوكاني في ( فتح القدير ) :
" ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ) أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور يل وذلك قولهم إن الملائكة بنات الله وقيل : المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء لله ومن شأنهم أن يحتقروا البنات " (3) .

نعم يظهر من قوله تعالى ( وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ

 

(1) تفسير ابن كثير ج4 ص 271 .

(2) مجموعة الفتاوى ج2 ص 159 . (3) فتح القدير ج5 ص 131 .  
 

70 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) الأنعام /100- 102 أن بعضهم جعل أبناء ذكورا لله كما جعل له الإناث .

وتجد التصريح بعقيدتهم أن الملائكة بنات الله في قوله تعالى ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) الأنبياء / 26- 29 .
المهم لا شك بأنها عقيدة أساسية عند مشركي العرب تحدث عنها القرآن بشكل واسع .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب