70 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ضرورة التجانس بين الابن والأب دليل على شركهم في الربوبية

فالأمر الأول الذي يبرز اعتقادهم بأن للأبناء المزعومين قدرات ذاتية خارقة ضرورة وجود تجانس في ماهية الأب والابن وإلا لم يكن ابنا ، ويمكن أن نقول بأن منطلق تصورهم الباطل مذكور في قوله تعالى ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) الصافات / 158 ، فعن مجاهد قال : " قال كفار قريش : الملائكة بنات الله ، فسأل أبو بكر من أمهاتهم ؟ فقالوا : بنات سروات الجن ، يحسبون أنهم خلقوا مما خلق منه إبليس ، وعن قتادة : " قالت اليهود : إن الله تبارك وتعالى تزوج إلى الجن فخرج منهما الملائكة " (1) .

وقال القرطبي : " القائل ذلك كنانة وخزاعة ، قالوا : إن الله خطب إلى سادات الجن فزوجوه من سروات بناتهم ، فالملائكة بنات الله من سروات الجن " (2) .

 

(1) تفسير الطبري ، المجلد الثاني عشر ، ج22 ص 129 .

(2) الجامع لأحكام القرآن ، المجلد الثامن ، ج15 ص 121 .  
 

71 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وظاهر قوله تعالى ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ) أنهم يريدون بعقيدتهم تلك أن يقولوا بأن الملائكة متجانسة مع الله ، فيردهم القرآن بقوله ( بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ) ، ويؤيده ما في قوله تعالى ( وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) ، فكل الموجودات عبيد لا أكثر ، فهي مخلوقات لله ولا ترتقي إلى صفة الألوهية ولا تجانس الله ولا تشارك الله في شيء من ذلك ، وهكذا تجد إشارة إلى ذلك في قوله تعالى ( لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) النساء / 172 ، فالآيات تريد أن تبين أن الملائكة ليست آلهة أبناء لله وفوق جنس العبيد المخلوقين لله بل هم كغيرهم من العبيد الذين يجب أن يعبدوا الله عز وجل .

لذا هناك عبارة للقرطبي ينبغي الوقوف عندها ، قال : " ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات الله فقد جعل الملائكة شبها لله لأن الولد من جنس الوالد وشبهه " (1) ، ومثلها عبارة النسفي في تفسيره حيث قال : " ثم أكد كذبهم بقوله ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ ) لأنه منزه عن النوع والجنس وولد الرجل من جنسه ( وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ) وليس معه شريك في الألوهية ، ( إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ) لانفرد كل واحد من الآلهة بالذي خلقه " (2) .

وأشار إلى ذلك الآلوسي بقوله : " ولم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد إما لغاية ظهور فساده أو للاكتفاء بالدليل الذي أقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إله بناء على ما قيل : إن ابن الإله يلزم أن يكون إلها ، إذ الولد يكون من جنس الوالد وجوهره " (3) .

مثل هذه العبارات تظهر لك بأنه لا معنى للاعتقاد بوجود أبناء لله إلا أن يحمل على وجود موجود آخر هو من جنس الله تعالى عن ذلك ، فيرون أن الأبناء مثل أبيهم ، ولا

 

(1) المصدر السابق ، المجلد الثامن ، ج16 ص 66 .
(2) تفسير النسفي ج2 ص 142 .

(3) روح المعاني ، المجلد العاشر ، ج 18 ص 90.  
 

72 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

معنى للمثلية إلا أن لها أثر في الخلق والتدبير ، فلا معنى لأن يقال إنها بنات الله ولكن لا حول ولا قوة لها إلا التشفع بها ، فهي آلهة عبدت واستغيث بها لأنها أرباب لها قدراتها الخارقة ومستقلة عن الإله الأكبر ، ولولا أنهم يريدون التجانس بين الأب وأبنائه في ماهية الرب أي وحدة الجنس والجوهر لاكتفوا باعتبارها ملائكة ولم تكن هناك حاجة لادعاء بنوتها .

والغريب أن ابن تيمية يصرح بكلمة الشبه بين الابن والأب وهي عبارة أخرى عن التجانس الذي تحدثنا عنه قبل قليل ، وذلك في تفسير قوله تعالى ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) الزخرف / 15- 20.

قال : " قال بعض المفسرين : ( جُزْءًا ) أي نصيبا وبعضا ، وقال بعضهم : جعلوا لله نصيبا من الولد وعن قتادة ومقاتل : عدلا ، وكلا القولين صحيح فإنهم يجعلون لله نصيبا من الولد والولد يشبه أباه ، ولهذا قال ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) ، أي البنات كما قال في الآية الأخرى ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ) ، فقد جعلوها للرحمن مثلا وجعلوا له من عباده جزءا ، فإن الولد جزء من الوالد ، كما قال (ص) : ( فاطمة بضعة مـني ) " (1) ، فهل هناك معنى للجزئية والتشابه إلا التجانس الذي يعني التشابه في القدرات ووجود النظير والند ، فكيف لا يكون لها شأن في الربوبية ؟

 

(1) مجموعة الفتاوى ج17 ص 150 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب