73 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الاستدلال على بطلان شرك الربوبية دليل على وجوده عند العرب

فكما نجد آيات عديدة ظاهرة في رد شرك العبادة وتصحيح هذا الخلل عند المشركين ، وذلك ببيان أن العبادة لا تكون إلا للخالق المدبر الضار النافع ولا يوجد من يتصف بذلك إلا الله ، لكن في الوقت نفسه هناك آيات أخرى صريحة في مواجهة منحرفين عن توحيد الربوبية ، ولا يمكن أن تحمل على الاستدلال لتوحيد الألوهية ، فليس الحديث عن الإله بمعنى المعبود بل هي تتحدث عن الإله بمعنى الموجود الذي يعتقد المشركون بأن له تأثيرا مستقلا في بعض شئون الكون أو على الأقل ضارا نافعا وعلى نحو ذاتي مستقل ، والآيات في ذلك متعددة :
1) قال تعالى ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) المؤمنون / 91 .

فهل يعقل أن تكون الآيات بمعنى ما كان معه معبود إذا لذهب كل معبود بما خلق ، كيف تكون الآية دليلا على وحدانية الإله إذا كان الإله فيها بمعنى المعبود لا الموجود الذي له تأثير ذاتي في إدارة بعض شئون الكون ، وهل يبقى قيمة للاستدلال لو كان تأثير أحدهما غير مستقل بل خاضع للإله الآخر الأكبر ؟

قال الطبري : " ( إِذًا لَّذَهَبَ ) يقول : إذن لاعتزل كل إله منهم ( بِمَا خَلَقَ ) من شيء فانفرد به ولتغالبوا فلعلا بعضهم على بعض ، وغلب القوي منهم الضعيف لأن القوي لا يرضى أن يعلوه ضعيف والضعيف لا يصلح أن يكون إلها فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر " (1) .

قال البغوي : " ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ) أي من شريك ( إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ) أي تفرد بما خلقه فلم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ، ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ( وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ )

 

(1) تفسير الطبري ، المجلد العاشر ، ج 18 ص 64 .

 
 

74 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أي طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم ثم نزه نفسه فقال ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) " (1) .

قال ابن كثير : " ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة فقال تعالى ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) أي لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق فما كان ينتظم الوجود ، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ( مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ ) ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلو بعضهم على بعض والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع " (2) .

2) قوله تعالى ( أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) الأنبياء / 21- 22 .

قال البغوي : " ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا ) يعني في السماء والأرض ( آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ ) يعني غير الله ( لَفَسَدَتَا ) لخربتا وهلك من فيهما بوجود التمانع بين الآلهة لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام " (3) .

قال ابن الجوزي : " قوله تعالى ( لَفَسَدَتَا ) أي لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة فلا يجري أمر العالم على النظام لأن كل أمر صدر عن اثنين فصاعدا لم يسلم من الخلاف " (4) .

 

(1) تفسير البغوي ج3 ص 267 ، ومثله ابن الجوزي في زاد المسير ج5 ص 354 .

 
(2) تفسير ابن كثير ج 3 ص264 . (3) تفسير البغوي ج3 ص203 . (4) زاد المسير ج5 ص 254 .
 

75 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

قال ابن كثير : " ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السماوات والأرض فقال ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ ) أي في السماوات والأرض ( لَفَسَدَتَا ) " (1).

3) قوله تعالى ( قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ) الإسراء / 42- 43 .

أما هذه الآية فبناء على التفسير الأصح لها ، قال البغوي : " ( إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ ) لطلبوا يعني الآلهة ( إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ) بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض ، وقيل : معناه لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه ... ، والأول أصح " (2) .

فالآيتان الأولى والثانية صريحتان في أن الحديث عن شرك الربوبية كما أن الثالثة ظاهرة في ذلك ، ولم تصغ تلك الآيات إلا لمواجهة مشركين اعتقدوا بأن هناك من يؤثر في الكون إضافة إلى تأثير الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، نعم يترتب على ثبوت وحدانية الله في الخلق والتدبير ثبوت ضرورة توحيده في العبادة وعدم الإشراك في ذلك .

4) قوله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) الروم / 27 - 28 .

فمقتضى التشبيه أن المشركين كانوا يرون أن شركاء الله ينافسون الله بحيث يخاف تصرفاتهم في مملكته لأنهم يملكون نفس الاستقلالية في التصرف ، ولذا شبه القرآن خلل اعتقادهم هذا بخلل الاعتقاد بوجود إنسان حر يملك مملوكا ، لكن مملوكه له حق

 

(1) تفسير ابن كثير ج3 ص 184 .

(2) تفسير البغوي ج3 ص 96 .  
 

76 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

التصرف بأمواله يستطيع بنفس مقدار من الحق الذي للمالك الحر ، فهو مملوكه وهو شريكه في نفس الوقت كيف يتخيل ذلك ، ألا يعني ذلك أنهم كانوا يرون أن هؤلاء المشركين كانوا يعتقدون بأن للشريك استقلالية في التصرف !

قال ابن الجوزي : " قوله تعالى ( ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا ) سبب نزولها أن أهل الجاهلية كانوا يلبون فيقولون : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، فنزلت هذه الآية ، قاله سعيد بن جبير " (1) .

قال ابن عطية : " ثم بين تعالى أمر الأصنام وفساد معتقد من يشركها بالله بضربه هذا المثل ، ومعناه أنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد تملكوهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومهم أموركم ولا في شيء على جهة استواء المنزلة وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم أو يقاسموكم إياها في حياتكم كما يفعل بعضكم ببعض ، فإذا كان هذا فيكم ، فكيف تقولون إن من عبيده وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته وتثبتون في جانبه ما لا يليق بكم عندكم بجوانبكم ؟! هذا تفسير ابن عباس والجماعة " (2) .

 

(1) زاد المسير ج6 ص 156 .

(2) المحرر الوجيز ج12 ص 256 - 257 .  
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب