76 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

كل ذلك الاستدلال لرد عقيدتهم بوجود الأبناء

مما يعني أنه دليل آخر على عقيدتهم بأن الآلهة الأبناء لله مستقلون في التصرف ويشاركون الرب الأب في الربوبية ، بل الآيات التي يستدل بها الخصم والتي صرحت بإقرارهم أن الله هو الخالق المدبر جاءت في سياق الحديث عن عقيدة مشركي العرب بوجود بنات لله وفي نفس السياق ذكر دليل التمانع ردا عليهم ، وإليك التفصيل :
فتجد الآيات التالية من سورة الزخرف تصرح بأن المقرين بخالقية الله هم من يقول بوجود أبناء لله ، قال تعالى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ

77 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ * وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ) الزخرف / 9 – 19 .

فمن الواضح أن من قالوا ( خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) هم الذين ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ) وهم الذين ادعوا أنه ( اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ ) ، وهم الذين أقروا بأن الله هو الخالق المدبر ولكن مع ذلك يجعلون معه آلهة أخرى يعتقدون أنها بنات الله و ( وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ) .

ويتضح ذلك في آخر السورة أيضا فمن يعتقد بوجود ولد لله تعالى عن ذلك علوا كبيرا هو من يقر بخالقية الله ويعترف بذلك ، قال تعالى ( قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ * وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) الزخرف / 81 – 87 .

78 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

فالذي أجاب على الاستفهام عمن خلقهم بقوله : الله ، هو نفسه الذي ادعى إن للرحمن ولد ، ولا نطيل هنا بإيراد أقوال مفسريهم فالأمر أوضح من الشمس ، ولا تحتاج محكمات القرآن إلى تفسير بل إلى معرفة معاني مفرداتها في اللغة العربية .

وحتى أهم الآيات التي يستدل بها أصحاب الرؤية الوهابية مثل قوله تعالى ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) تتحدث عن عقيدتهم بوجود أبناء لله إذ الآية التي بعدها هي قوله تعالى ( لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء ) الزمر / 3- 4 ، فالكلام عن قوم يعتقدون بأن هناك بنات لله تعبد معه تقربا إليه ، وهي أرباب صغيرة وآلهة صغيرة يؤمنون بوجودها مع إيمانهم بالله الإله والخالق الأعظم .

والذي نريد قوله بأن هذا الحديث المتنوع في القرآن عن عقيدة العرب هي تفاصيل لعقيدة وديانة واحدة عند العرب ، وهذا لا يعني نفي وجود خلاف بينهم في بعض التفاصيل ، والمهم هنا أن الذين يقرون بخالقية الله هم أنفسهم الذين يعتقدون بأن هناك آلهة مع الله هي أبناؤه وهم الذين استدل عليهم القرآن بدليل التمانع ، وهو مختص برد شرك الربوبية .

والآيات التالية من سورة المؤمنون تجمع الأمور الثلاثة ، ولذا هي أكبر دليل على أنهم في عقيدتهم بوجود أبناء لله كانوا يشركون بالله في الربوبية وإلا لم يرد عليهم القرآن بدليل التمانع القائم على فرضية استقلالية الأرباب المتعددين في التأثير في شئون الكون ؟
قال تعالى ( قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ

79 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) المؤمنون 84- 92 .

فالواضح من الآيات أنها في صدد تصحيح ضلالتهم العقائدية المتمثلة في ادعاء الولد لله وتخيل أن يكون هناك إله مع الله ، فتبدأ الآيات بأخذ الإقرار منهم بخالقية الله وتدبيره للكون ، ثم تذكر عقيدتهم الباطلة في اتخاذ الولد ووجود الشريك فيقول ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ) ثم يبطل قولهم بدليل التمانع ( إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ، وتؤكد خاتمة الآيات أي قوله تعالى ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) إنها بصدد رد عقيدتهم الباطلة بوجود أبناء لله أو تعدد الآلهة ، لذا قال البيضاوي : " ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) من الولد والشريك لما سبق من الدليل على فساده " (1) .

والاستدلال وإن كان ينصب على تعدد الآلهة ونفي الربين الشريكين ، لكنه دليل على نفي الولد في الوقت نفسه ، وقد صرح المفسرون بأن الاستدلال على نفي الإلهين هو نفسه دليل على نفي الابن ، قال القرطبي : " وهذا الذي يدل على نفي الشريك يدل على نفي الولد أيضا لأن الولد ينازع الأب في الملك منازعة الشريك " (2) .

وقال الشوكاني : " ( وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) أي غلب القوي على الضعيف وقهره وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم ، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها ، وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك وأنه لا يقوم به إلا واحد تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه ، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك فإنه يدل على نفي الولد " (3) .

 

(1) تفسير البيضاوي ج2 ص111 .
(2) الجامع لأحكام القرآن ، المجلد السادس ج12 ص134 – 135.

(3) فتح القدير ج3 ص 587 .  
 

80 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقال الآلوسي : " ولم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد إما لغاية ظهور فساده أو للاكتفاء بالدليل الذي أقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إله بناء على ما قيل : إن ابن الإله يلزم أن يكون إلها ، إذ الولد يكون من جنس الوالد وجوهره " (1) .

وقال الشيخ ابن عاشور : " وإنما لم يستدل على امتناع أن يتخذ الله ولدا لأن الاستدلال على ما بعده مغن عنه ، لأن ما بعده أعم منه وانتفاء الأعم يقتضي انتفاء الأخص ، لأنه لو كان لله ولد لكان الأولاد آلهة ، لأن ولد كل موجود إنما يتكون على مثل ماهية أصله كما دل عليه قوله تعالى ( قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) الزخرف / 81 أي له " (2) .

ومع ذلك انظر إلى محاولات ابن تيمية لحل المشكلة التي تواجهه في الآية وكونها صريحة في أنها استدلال على توحيد الربوبية على من ادعى وجود أبناء لله ، فبعد أن أقر بأن الآية تتحدث عن دليل التمانع القائم على فرض وجود ربين لا مجرد إلهين ، قال في تفسير الآية : " فلو كان ربان لكان مخلوق كل منهما مميزا عن خلق الآخر كما قال تعالى ( إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) فذكر سبحانه وجوب امتياز المفعولين ووجوب قهر أحدهما للآخر ... وكلاهما ممتنع فهذه الطرق وأمثالها مما تبين بها أئمة النظار توحيد الربوبية ...

والمشركون كانوا يقرون بهذا التوحيد الذي نفى خالقين لم يكن مشركو العرب تتنازع فيه ، ولهذا قال الله لهم ( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) فكانوا يعرفون أن آلهتهم لا تخلق ، ولهذا ذكر الله تعالى هذا التقرير بعد قوله ( قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ... مَا اتَّخَذَ

 

(1) روح المعاني المجلد 10 ، ج18 ص90 .

(2) التحرير والتنوير ج 18 ص 93 .  
 

81 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ... ) لم يكن إشراكهم أنهم جعلوهم خالقين بل أن جعلوهم وسائط في العبادة فاتخذوهم شفعاء ...
وهذا من جهة امتناع الربوبية لغير الله ويلزم من امتناعها امتناع الإلهية فإن ما لا يفعل شيئا لا يصلح أن يكون ربا يعبد ولم يأمر الله أن يعبد ، ولهذا بين الله امتناع الألهية لغيره تارة ببيان أنه ليس بخالق وتارة بأنه لم يأمر بذلك ... " (1) .

والذي يفهم من مجمل كلام ابن تيمية السابق أنه يقول بأنهم لم يشركوا في الربوبية ومع ذلك يقر بأن البرهان برهان على توحيد الربوبية جيء به كطريق لإثبات توحيد الألوهية لأن هناك طريقين لإثباته الأول انتفاء الخالقية عن غيره ، والثاني إن الله لم يأمر بذلك .

والسؤال الذي يتوجه له : أنهم إذا كانوا يقرون بتوحيد الربوبية فلماذا الاستدلال على أمر يقرون ويؤمنون به وما فائدة الاستدلال في هذه الحالة ؟ لم لم يكتف بإقرارهم ويقال لهم : لا يصح أن يعبد إلا من تقرون بخالقيته ؟ أو يقال لهم : ليس لكم أن تعبدوا ما تقرون بأنه لم يخلق ولا تأثير له .

بل كما قلنا الآيات صريحة في اعتقادهم لما يراد نفيه واثبات بطلانه في هذا الاستدلال ، فقوله تعالى ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) فما يصفون هي تعبير آخر عن عقيدتم الباطلة التي ذكر دليل بطلانها بقوله تعالى ( إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ) .

وصرح ابن كثير عند تفسيره للآيات بأنهم يوحدون في الربوبية ولكنهم يشركون في الألوهية ومع ذلك لم يعلل الوجه في الاستدلال لهم بما يستدل به على توحيد الربوبية ، ولا أعتقد أنه رآها مفصولة عما سبق ، لأنه قال بعدها : " ( وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) أي عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوا كبيرا " (2) .

 

(1) منهاج السنة ج2 ص 68 – 73 .

(2) تفسير ابن كثير ج3 ص264 .  
 

82 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وأما السعدي فيتجاهل استدلال الآية على توحيد الربوبية قائلا : " أي قل لهؤلاء المكذبين بالبعث والعادلين بالله غيره محتجا عليهم بما أثبتوه وأقروا به من توحيد الربوبية وانفراد الله بها على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة " (1) .

فإذا كانوا قد أقروا بذلك فما الداعي لذكر الدليل ( إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ؟! فعجبا يستدل القرآن على أمر يقرون به ويترك الاستدلال على ما ينكرون !!

آيات أخرى ذكرت دليل التمانع في سياق رد عقيدتهم بوجود أبناء لله
فبالإضافة إلى الآية السابقة تجد قوله تعالى ( أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) الأنبياء / 21- 29 .

فمن الواضح أن قوله تعالى ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) بمعنى ( إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ )، لذا قال ابن الجوزي : " قوله تعالى ( لَفَسَدَتَا ) أي لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة فلا يجري أمر العالم على النظام ، لأن كل أمر صدر عن اثنين فصاعدا لم يسلم من الخلاف " (2) ، والآية وإن

 

(1) تيسير الكريم الرحمن ج2 ص759 .

(2) زاد المسير ج5 ص 254 .  
 

83 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

بدأت بعرض أصل تعدد الآلهة في نظر مشركي قريش لكن هي موجهة لأحد أنواعها المتضمن في قولهم الذي نقل في قوله تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ) ، ولذا ختمت بقوله تعالى وهو يتحدث عمن اتخذهم آلهة أبناء لله ( وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ) ، المهم أن الآيات صريحة في أن عقيدتهم بتعدد الآلهة هي بمعنى تأثيرها في الكون بحيث يصح أن يشكل عليهم أن تعدد المؤثرين يوجب فساد السماء والأرض ، فكيف يقال إنهم موحدون في الربوبية ؟!

وهكذا الأمر في الآية الثالثة التي قلنا أن الأصح أنها تتحدث عن دليل التمانع أي قوله تعالى ( وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا * أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا * قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ) الإسراء / 39- 42 ، فمن الواضح أنها جاءت في سياق رد عقيدتهم بوجود أبناء لله تعالى عن ذلك .

وقد استظهر ابن عباس وكذلك سعيد بن جبير أن الحديث هنا عن دليل التمانع السابق قال القرطبي : " قال ابن العباس ( رض ) : لطلبوا مع الله منازعة وقتالا كما تفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض ، وقال سعيد بن جبير ( رض ) : المعنى إذاً لطلبوا طريقا إلى الوصول إليه ليزيلوا ملكه " (1) ، قال البغوي : " ( إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ ) لطلبوا يعنى الآلهة ( إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ) بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض ، وقيل : معناه لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه ... ، والأول أصح " (2) .

وقال ابن عطية : " وقال سعيد بن جبير وأبو علي الفارسي والنقاش وقاله المتكلمون أبو منصور وغيره إن معنى الكلام لابتغوا إليه سبيلا في إفساد ملكه

 

(1) الجامع لأحكام القرآن المجلد 5 ، ج10 ص 239 .

(2) تفسير البغوي ج3 ص 96 .  
 

84 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ومضاهاته في قدرته وعلى هذا التأويل تكون الآية بيانا للتمانع وجارية مع قوله ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) " (1) .

 

(1) المحرر الوجيز ج10 ص 298 -299 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب