85 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ثالثا : عقيدتهم في النصوص الروائية والتاريخية

بدء الأوثان عند العرب
صريح بعض الأخبار أن الأصنام التي كانت تعبد من قبل قوم نوح هي نفسها أصبحت الأوثان التي تعبد عند العرب ، فقد روى البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) قال : " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع كانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ، ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ ، وأما يعوق فكانت لهمدان ، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع ، أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ، فلم تعبد حتى هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت " (1) .

وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن الإمام الباقر (ع) تفصيلا في ذلك في خصوص الصنم ود وقال في آخره : " فكان أول ما عبد غير الله الصنم الذي سموه ودا " (2) .

فلما بعث الله نوحا دعاهم إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له ، لذا خاطب نوح (ع) قومه قائلا ( يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) الأعراف / 59 ، بل قيل إن الله بعثه لما عبدت الأصنام والطواغيت .

ووفقا لما روي عن ابن عباس أكد المؤرخون على أن الآلهة التي كانت عند قوم نوح انتقلت عن العرب ، قال ابن هشام :

 

(1) صحيح البخاري ج6 ص199 .

(2) تفسير ابن أبي حاتم ج10 ص 3375 .  
 

86 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

" وقد كانت لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها ، قص الله - تبارك وتعالى - خبرها على رسول الله (ص) ، فقال ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ) نوح / 23 – 24 ، فكان الذي اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل وغيرهم وسموا بأسمائهم حين فارقوا دين إسماعيل " (1) .

ولكن الظاهر إن انتقالها إلى العرب لم يكن إلا بعد زمن إسماعيل (ع) ، فقد تحدث ابن هشام عن بدء عبادة الأصنام عند العرب قائلا : " قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال : حدثت أن رسول الله (ص) قال : رأيت عمرو بن لحي يجر قصبة في النار ، فسألته عمن بيني وبينه من الناس ، فقال : هلكوا (2) .

قال ابن إسحاق وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة ... سمعت رسول الله (ص) يقول لأكثم بن الجون الخزاعي : يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجز قصبه في النار ، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه ، فقال أكثم : عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله ؟ قال : لا ، إنك مؤمن وهو كافر إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي " (3) .

ثم تابع ابن هشام كلامه قائلا : "حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض بلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام ، فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له : هذه أصنام نعبدها ، فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ، فقال لهم : أفلا تعطونني منها صنما فأسير به إلى

 

(1) سيرة ابن هشام ج1 ص 96- 98 .
(2) الروض الأنف ج1 ص 164 ، قال المحقق صحيح أخرجه البخاري ( 4 / 224 ) ومسلم في الجنة ( 51 ) وأحمد ( 2 /275 ) .
(3) المصدر السابق ج1 ص165 ، قال المحقق: صحيح أخرجه الطبري في تفسيره (7 /56) والبغوي (2 /100) .

 
 

87 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أرض العرب فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له هبل ، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه .

لكن ابن هشام ينقل رأيا آخر عن ابن إسحاق قال : " قال ابن إسحاق : ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم ، فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة ، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم ، حتى خلف الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه ، فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده ، يقول الله تبارك وتعالى لمحمد (ص) ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) يوسف/ 106 ، أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شركا من خلقي " (1) .

وأضاف السهيلي قائلا : " وكان عمرو بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت ونفت جرهم عن مكة قد جعلته العرب ربا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم ، فربما نحر في الموسم عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة ، حتى قيل إنه اللات الذي يلت السويق للحجيج على صخرة معروفة تسمى : صخرة اللات ، ويقال إن الذي يلت كان من ثقيف ، فلما مات قال لهم عمرو : إنه لم يمت ولكن دخل في الصخرة ثم أمرهم بعبادتها وأن يبنوا عليه بيتا يسمى : اللات ، ويقال : دام أمره وأمر ولده على هذا بمكة ثلاثمائة سنة ، فلما هلك

 

(1) الروض الأنف ج1 ص 167 .

 
 

88 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

سميت تلك الصخرة : اللات مخففة التاء واتخذ صنما يعبد ، وقد ذكر ابن إسحاق أنه أول من أدخل الأصنام الحرم وحمل الناس على عبادتها " (1) .

وقد بين المسعودي تنوع عقائد العرب قائلا :
" كانت العرب في جاهليتها فرقا ، منهم الموحد المقر بخالقه المصدق بالبعث والنشور موقنا بأن الله يثيب المطيع ويعاقب العاصي ، وقد تقدم ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا من دعا الله عز وجل ونبه أقوامه على آياته في الفترة كقس بن ساعدة الأيادي ورئاب الشني وبحيرا الراهب وكان من عبدالقيس .

وكان من العرب من أقر بالخالق وأثبت حدوث العالم وأقر بالبعث والإعادة وأنكر الرسل وعكف على عبادة الأصنام ، وهم الذين حكى الله عز وجل قولهم ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ، وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها ، ونحروا لها البدن ونسكوا لها المناسك وأحلوا وحرموا .

ومنهم من أقر بالخالق وكذب بالرسل والبعث ، ومال إلى قول أهل الدهر وهؤلاء الذين حكى الله تعالى إلحادهم وخبر عن كفرهم بقوله تعالى ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) فرد الله عليه بقوله (مَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) .
ومنهم من مال إلى اليهودية والنصرانية .
ومنهم المار على عنجهيته الراكب لهجمته .
وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة ويزعمون أنها بنات الله فكان يعبدونها لتشفع لهم إلى الله وهم الذين أخبر الله عز وجل عنهم بقوله تعالى ( وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ) وقوله تعالى ( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) " (2) .

 

(1) الروض الأنف ج1 ص 166 - 167 .

(2) تاريخ المسعودي ج1 ص 439 .  
 

89 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

نعم يظهر من الخبر الذي رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي أنهم اعتقدوا بذكورة بعضها ، قال : " إن قريشا قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلا يأخذه ، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيدالله ، فأتاه وهو في القوم ، فقال أبو بكر : إلام تدعوني ؟ قال : ادعوك إلى عبادة اللات والعزى ، قال أبو بكر : وما اللات ؟ قال : أولاد الله ، قال : وما العزى ، قال : بنات الله ... " (1)، ويؤيد ذلك قوله تعالى ( وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) الأنعام /100 .

قال الشيخ ابن عاشور في بيان معتقدات العرب : " وقد كان دين العرب في الجاهلية خليطا من عبادة الأصنام ومن الصابئية عبادة الكواكب وعبادة الشياطين ومجوسية الفرس وأشياء من اليهودية والنصرانية ، فإن العرب لجهلهم حينئذ كانوا يتلقون من الأمم المجاورة لهم والتي يرحلون إليها عقائد شتى متقاربا بعضها ومتباعدا بعض ، فيأخذونه بدون تأمل ولا تمحيص لفقد العلم فيهم ، فإن العلم الصحيح هو الذائد عن العقول من أن تعشش فيها الأوهام والمعتقدات الباطلة ، فالعرب كان أصل دينهم في الجاهلية عبادة الأصنام وسرت إليهم معها عقائد من اعتقاد سلطة الجن والشياطين ونحو ذلك .

فكان العرب يثبتون الجن وينسبون إليهم التصرفات ، فلأجل ذلك كانوا يتقون الجن وينتسبون إليها ويتخذون له المعاذات والرقى ويستجلبون رضاها بالقرابين وترك تسمية الله على بعض الذبائح ، وكانوا يعتقدون أن الكاهن تأتيه الجن بالخبر من السماء ، وإن الشاعر له شيطان يوحي إليه الشعر ، ثم إذ أخذوا في تعليل هذه التصرفات وجمعوا بينها وبين معتقدهم في ألوهية الله تعالى تعللوا لذلك بأن للجن صلة بالله تعالى ، فلذلك قالوا : الملائكة بنات الله من أمهات سروات الجن كما أشار إليه قوله تعالى ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ) الصافات / 158 ، وقال ( فَاسْتَفْتِهِمْ

 

(1) فتح القدير ج4 ص 638 .

 
 

90 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) الصافات / 149 -152 ومن أجل ذلك جعل كثير من قبائل العرب شيئا من عبادتهم للملائكة وللجن ، قال تعالى ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ) سبأ / 40 -41 .

والذين زعموا أن الملائكة بنات الله هم قريش وجهينة وبنو سلمة وخزاعة وبنو مليح ، وكان بعض العرب مجوسا عبدوا الشيطان وزعموا أنه إله الشر وأن الله إله الخير ، وجعلوا الملائكة جند الله والجن جند الشيطان ، وزعموا أن الله خلق الشيطان من نفسه ثم فوض إليه تدبير الشر فصار إله الشر ، وهم قد انتزعوا ذلك من الديانة المزدكية القائلة بإلهين ، إله الخير وهو ( يزدان ) وإله الشر وهو ( أهرمن ) وهو الشيطان " (1) .

 

(1) التحرير والتنوير ج6 ص 243 - 244 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب