90 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

النصوص الروائية والتاريخية تدل على اعتقادهم بأن آلهتهم تضر وتنفع

الواضح في النصوص التاريخية أن عقيدتهم كانت تقوم على الاعتقاد بأنها آلهة تضر وتنفع في نفسها ، إذ أنهم ينسبون الضر والنفع إليها ، لا أنهم موحدون في الربوبية يعتقدون بأن التدبير بيد الله فقط وكل ما تستطيع الآلهة الأخرى القيام به هو مجرد الشفاعة عند الإله الأكبر ، وإليك بعض النصوص الروائية والتاريخية التي تدل على اعتقادهم بأن آلهتهم تضر وتنفع لقدراتها الذاتية :
1- روى ابن هشام في سيرته قال : " حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره ، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق ... رآهم يعبدون الأصنام ، فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟

91 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

قالوا له : هذه أصنام نعبدها ، فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ، فقال لهم : ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه ، فأعطوه صنما يقال له هبل ، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه " (1) .
قولهم : فتمطرنا وتنصرنا عبارة صريحة في أنهم ينسبون تلك الأفعال إلى آلهتهم ، وليس ذلك إلا لأنهم يعتقدون بوجود قدرة ذاتية لها على ذلك .

2- وكذلك روى الطبري في تفسير قوله تعالى ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ) الزمر/36 عن قتادة أنه قال : " بعث رسول الله (ص) خالد بن الوليد إلى شعب بسقام ليكسر العزى ، فقال سادنها وهو قيمها : يا خالد أنا أحذركها إن لها شدة لا يقوم إليها شيء ، فمشى إليها خالد بالفأس فهشم أنفها " (2) .
فصريح كلامهم أن لها شدة بنفسها لا من خلال الشفاعة .

3- وقال السهيلي عند الحديث عن مبدأ قصة الأوثان في قوم نوح ورواية البخاري لذلك : " وذكر الطبري هذا المعنى وزاد أن سواعا كان ابن شيث وأن يغوث كان ابن سواع وكذلك يعوق ونسر كلما هلك الأول صورت صورته ، وعظمت لموضعه من الدين ولما عهدوا في دعائه من الإجابة فلم يزالوا هكذا حتى خلفت الخلوف وقالوا : ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا لأنها تزرق وتنفع وتضر واتخذوها آلهة " (3) .
فهي ترزق وتنفع وتضر بنفسها ، بل صريح العبارة أنهم إنما اتخذوها آلهة لأنها ترزق وتنفع وتضر .

4- وروى ابن عبدالبر في ترجمة ضمام بن ثعلبة عن ابن عباس قال : " بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله (ص) فقدم عليه ... قال : يا ابن عبدالمطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك قال : لا أجد في

 

(1) سيرة ابن هشام ج1 ص 94 - 95 .

(2) تفسير الطبري ، المجلد 12 ، ج24 ص 9 . (3) الروض الأنف ج1 ص 168 .  
 

92 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

نفسي سل عما بدا لك ، قال : أنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك ، الله أمرك أن نعبده وحده لا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأوثان التي كان آباؤنا يعبدون معه قال : اللهم نعم ... .
قال : فأتى بعيره فأطلق عقاله ، ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه ، فكان أول ما تكلم به أن قال : بئست اللات والعزى ! قالوا : مه يا ضمام اتق البرص ، اتق الجذام ، اتق الجنون ، قال : ويلكم إنهما والله ما تضران وما تنفعان " (1) .
فقولهم : اتق ... يعنى خف منها ، فكان جوابه أنها لا تضر ولا تنفع ، مما هو صريح في اعتقادهم بأنها قادرة ، كما أن صريح رده بأنها غير قادرة على شيء .

5- وروى ابن حجر في ترجمة ( زنيرة ) عن سعد بن إبراهيم : " قال : كانت زنيرة رومية فأسلمت ، فذهب بصرها ، فقال المشركون : أعمتها اللات والزى ، فقالت : إني كفرت باللات والعزى ، فرد الله بصرها ، وأخرج محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه من رواية زياد البكائي عن حميد عن أنس قال : قالت لي أم هانئ بنت أبي طالب : أعتق أبو بكر زنيرة ، فأصيب بصرها حين أعتقها ، فقالت قريش : ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى ، فقالت : كذبوا وبيت الله ، ما يغني اللات والعزة ولا ينفعان ، فرد الله إليها بصرها " (2) .
فكما ترى نسبوا إذهاب البصر إلى آلهتهم اللات والعزى .

 

(1) الاستيعاب ج2 ص 304 - 305 .

(2) الإصابة ج 8 ص 91 .  
 

93 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

6- وقال الفيرزوآبادي : " كان غاوي بن عبد العزى سادنا لصنم لبني سليم ، فبينا هو عنده إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى تسنماه فبالا عليه ، فقال البيت ، ثم قال : يا معشر سليم لا والله لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ، فكسره ولحق بالنبي (ص) ، فقال : ما اسمك ، فقال : غاوي بن عبدالعزى ، فقال : بل أنت راشد بن عبدربه " (1) .
كلها عبارات صريحة في أنهم كانوا يرون أن آلهتهم تنفع وتضر بنفسها باعتقاد وجود قدرة ذاتية لها على ذلك .

 

(1) القاموس المحيط ج1 ص 80 ، البيت قوله : أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب