94 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الباب الثاني
مناقشة الآيات المستدل بها على توحيد المشركين في الربوبية

من ذهب إلى أن المشركين وحدوا الله في الربوبية اعتمد على الآيات التي رآها صريحة في ذلك ، وهي مجموعة من الآيات التي تصرح بإقرار مشركي العرب بخالقيته ورازقيته وتدبيره لشئون الكون وهي متعددة ، نذكر منها ثلاثا تتحدث عن مطلق تدبيره عز وجل لشئون الكون لا مجرد الخلق وهي الأهم :
1) قال تعالى ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) يونس / 31 – 34 .

2) وقال تعالى ( قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) المؤمنون / 84 - 92 .

3) وقال تعالى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ

95 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) العنكبوت / 61 - 63 .

وتقرير استدلالهم بتلك الآيات أنها صريحة في أن المشركين يقرون بأن الله هو الخالق وهو المدبر ، وظاهره إقرار نفي هذه الأفعال عن آلهتهم ، فلذا هم يوحدون الله في هذه الأمور ، فلا يبقى سبب لاعتبارهم مشركين إلا شركهم في العبادة ، فهم مشركون لأنهم يعبدون موجودات أخرى إضافة إلى عبادتهم لله لا لأنهم يرون أنها تخلق وتدبر شئون الكون ، خاصة إن ضم إلى ذلك قوله تعالى ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) الزمر / 3 التي ظاهرها أن عبادتهم للآلهة تهدف للقرب من الله من دون أن يرون لها قيمة وراء ذلك ، وسنبحث مدى علاقة الآيات التي يقر بها المشركون بخالقية الله وآية الزلفى هذه .

نعم هناك آيات أخرى تتحدث عن اعترافهم بخالقية الله دون الحديث عن مطلق التدبير ، ولكن لا يكتفى بها باعتبار إمكان التفريق بين صفة الخالقية والتدبير وتسيير أمور الكون ، فيكون القائلون موحدون في خالقية الله للكون ولكنهم يرون أن المدبر لشئون الكون آلهة متعددون ، والآيات التي تصرح بإقرارهم بخالقيته عز وجل للموجودات متعددة منها :
قوله تعالى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) لقمان / 25- 26 .

وقوله تعالى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) الزمر / 38 .

96 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقوله تعالى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) الزخرف / 9 – 10 .

وقوله عز وجل ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) الزخرف / 87 .
ومهمتنا في هذا الفصل التدقيق في هذا الرأي الذي اعتبروه من واضحات القرآن أي القول بأن المشركين كانوا يوحدون الله في الربوبية .

ذهاب بعض قدماء العلماء والمفسرين إلى هذا الرأي
نريد أن نقر هنا بأن هذا الرأي الذي تبناه الوهابيون والذي نناقشه في هذا الفصل التمهيدي رأي ذهب إليه عدد من السابقين ، فكل من قال من المفسرين بأن المشركين أقروا بخالقية الله ورازقيته ولكنهم أشركوا مع عبادة لله عبادة الأوثان يكون كلامه ظاهرا فيما يقوله الوهابيون أن المشركين موحدون في الربوبية ، وهذا الرأي لا يعني أن القائل به يوافق الرؤية الوهابية للتوحيد والشرك ، لأن ما يميز الرؤية الوهابية هي النكات التي سنذكرها في الفصل الثاني والجوهري من هذا الكتاب ، فهناك الفراق بينهم وبين الرؤية الإسلامية التي اجتمعت عليها الأمة قبل نشوء الرؤية الوهابية .

وأما هذا الرأي أي القول بأن المشركين أشركوا في العبادة وآمنوا بأن الله وحده الخالق المدبر فقد قال به عدد من كبار علماء الإسلام السنة بل الشيعة أيضا ولا يلزم منه القول الوهابي بأن الاستشفاع أو دعاء الميت موجب للوقوع في الشرك الأكبر ، ومن هؤلاء ابن جرير الطبري في تفسيره حيث اعترض على تخصيص مجاهد لقوله تعالى ( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة /22 بأهل التوراة والإنجيل قائلا :
" وأحسب أن الذي دعا مجاهدا إلى هذا التأويل وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم الظن منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها

97 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ورازقها بجحودها وحدانية ربها وإشراكها معه في العبادة غيره ، وإن ذلك لقول ، ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها أنها كانت تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها فقال جل ثناؤه ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ... ، فالذي أولى بتأويل قوله ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله وإنه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم ... أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة من أنه يعني بذلك كل مكلف عالم بوحدانية الله وأنه لا شريك له في خلقه يشرك معه في عبادته غيره " (1) .

وقال في تفسير قوله تعالى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) العنكبوت / 61 : " ولئن سألتهم يا محمد هؤلاء المشركين بالله من خلق السماوات والأرض فسواهن وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح خلق الله ، ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله ( فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) يقول جل ثناؤه : فأنى يصرفون عمن صنع ذلك فيعدلون عن إخلاص العبادة له " (2) .

ويظهر من الشيخ الطوسي تأييد ذلك إذ قال في تفسير ( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً ) :
" قال ابن عباس : إنه خاطب بقوله ( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) جميع الكفار من عباد الأصنام وأهل الكتابين لأن معنى قوله ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وأن ما تعبدون لا يضر ولا ينفع ، وروي عن مجاهد أنه عنى بذلك أهل الكتابين ، لأنهم الذين كانوا يعلمون أنه لا خالق لهم غيره ولا منعم عليهم سواه ، والعرب ما كانت تعتقد وحدانيته تعالى ، والأول أقوى لأن الله تعالى قد أخبر أن العرب قد كانت تعتقد وحدانيته تعالى ، فقال تعالى حكاية عنهم ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) " (3) .

 

(1) تفسير الطبري ، المجلد الأول ، ج1 ص 238 .
(2) المصدر السابق ، المجلد الحادي عشر ، ج21 ص 15 .

(3) التبيان في تفسير القرآن ج1 ص 102 .  
 

98 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

لكن ، هل هذا الرأي هو الصحيح والراجح في تفسير الآيات السابقة ؟ هذا الفصل معقود لبيان عدم صحة هذا الرأي والصحيح أن مشركي العرب أشركوا في الربوبية والألوهية ، وهذا ما سنتعرضه فيما يلي .

آراء أخرى في تفسير ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ )
باعتبار أن آية سورة البقرة أي قوله تعالى ( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة / 22 أول الآيات المرتبطة بالبحث والتي تواجه المفسر ، لذا وجب أن نقف عندها ، وقد نقلنا قول الطبري فيها ، ولنتابع أقوال المفسرين الآخرين .

فقد روى ابن أبي حاتم خبرا آخر عن ابن عباس طبق الآية على الشرك الأصغر أو الشرك الخفي قال : " الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل ، وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلانة وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص ... " (1) .

كما أن الواضح من كلام الطبري أن مجاهد ذهب إلى أنهم مشركون في الربوبية لذا خص الآية بالنصارى ، فقد روى ابن أبي حاتم قوله : " تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل " (2) .

وقال الماوردي : " ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : وأنتم تعلمون أن الله خلقكم ، وهذا قول ابن عباس وقتادة .
والثاني : معناه وأنتم تعلمون أنه لا ند له ولا ضد ، وهذا قول مجاهد .
والثالث : معناه وأنتم تعقلون فعبر عن العقل بالعلم " (3) .

 

(1) تفسير ابن أبي حاتم ج1 ص 62 .

(2) المصدر السابق ، الصفحة نفسها . (3) النكت والعيون ج1 ص 84 .  
 

99 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وعدد ابن الجوزي ستة أقوال في ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) قال : " فيه ستة أقوال :
أحدها : وأنتم تعلمون أنه خلق السماء وأنزل الماء وفعل ما شرحه في هذه الآيات ، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة ومقاتل .
والثاني : وأنتم تعلمون أنه ليس ذلك في كتابكم التوراة والإنجيل ، روي عن ابن عباس أيضا وهو يخرج على قول من قال : الخطاب لأهل الكتاب .
والثالث : وأنتم تعلمون أنه لا ند له ، قاله مجاهد .
والرابع : أن العلم ها هنا بمعنى العقل قال ابن قتيبة .
والخامس : وأنتم تعلمون أنه لا يقدر على فعل ما ذكره أحد سواه ، ذكره شيخنا علي بن عبيدالله .
والسادس : وأنتم تعلمون أنها حجارة ، سمعته من الشيخ أبي محمد بن الخشاب " (1) .

قال الزمخشري : " ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) قلت : معناه وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال والإصابة في التدابير والدهاء والفطنة و بمنزل لا تدفعون عنه ... ومفعول تعلمون متروك كأنه قيل وأنتم من أهل العلم والمعرفة " (2) .

قال ابن عطية : " واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية ، فقالت جماعة من المفسرين : المخاطب جميع المشركين فقوله على هذا ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) يريد العلم الخاص في أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج الرزق ، ولم تنف الآية الجهالة عن الكفار ، وقيل : المراد كفار بني إسرائيل فالمعنى تعملون من الكتب التي عندكم أن الله لا ند له ، وقال ابن فورك : ... " (3) .

 

(1) زاد المسير ج1 ص 42 .

(2) الكشاف ج1 ص 47 . (3) المحرر الوجيز ج1 ص 143 .  
 

100 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

قال القرطبي : " فإن قيل : كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك من الختم والطبع والصمم والعمى ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) يريد العلم الخاص بأن الله تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق ، فيعلمون أنه المنعم عليه دون الأنداد ، الثاني : أن يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم والله أعلم ، ... وقال ابن فورك : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين ، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد " (1) ، وكما ترى ابن فورك حملها على المؤمنين وتطلب منهم ألا يرتدوا مع علمهم بوحدانية الله عز وجل .
اتضح من هذا الاستعراض أن القول بأن الآية يقصد بها وأنتم تعلمون أن الله هو الخالق الرازق الأوحد أحد الآراء ، وهناك معان أخرى ذكرت هي الأقوى والأقرب للصواب .

الآية في روايات أهل البيت (ع)
وأما في روايات أهل البيت (ع) فقد روى الصدوق بإسناده عن الإمام العسكري (ع) عن آبائه (ع) عن علي بن الحسين زين العابدين (ع): " ثم قال عز وجل ( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ) يعني مما يخرجه من الأرض لكم ( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً ) أي أشباها وأمثالا من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم تبارك وتعالى " (2) .

 

(1) الجامع لأحكام القرآن ، المجلد الأول ، ج1 ص 221 .

(2) التوحيد ص 403 .  
 

101 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

والرواية تصرح بأن علمهم هو بعجز هذه الآلهة التي اختلقوها ، فهو أمر واضح ملموس لكل ذي مسكة ، وليس الأمر أكثر من ذلك ، فليس الحديث عن علمهم بوحدانية الله ، ولا يعني علمهم ويقينهم بأن الآلهة المزعومة لا قدرة لها إقرارهم بالحق والتوحيد لمكان الجحود كما قال تعالى ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) النمل / 14 .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب