7 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

خطورة مسألة التكفير في الإسلام

لا نريد أخي القارئ هنا الاستعجال في مناقشة الخلل في تحديد الضوابط التي حددت من قبل المشرع للدخول في الإسلام ، ولكن نعرض لك الروح التي تعكسها النصوص المروية عن رسول الله (ص) في ذلك وقارنها بالروح الوهابية في التكفير والتشريك .

فتأكيد الإسلام على خطورة التكفير أمر جلي في النصوص في مقابل مثل هذه الآراء التي قامت على التساهل في تكفير المسلم ، وتنطلق الرؤية الإسلامية السليمة من قوله تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ) النساء / 94 فقد نهت الآية عن تكفير من يلقي إلينا السلام ، فكيف بمن يصرح بكلمة التوحيد التي تعصم الإنسان كما سيتضح من كثير من الأحاديث المروية في الصحاح .

فقد روى مسلم في صحيحه كتاب الإيمان ، باب ( الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة ) عن عثمان قال : قال رسول الله (ص) : " من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة " (1) .

بل رووا أن الإيمان ينفع العبد وإن زنى وإن سرق ، وهذا يعني أن الأمر القلبي من الاعتقاد بالتوحيد ينفع وإن كان عمله بمستوى الزنا والسرقة ، ففي صحيح البخاري في كتاب اللباس ، باب ( الثياب البيض ) عن أبي ذر قال : " أتيت النبي (ص) وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال : ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟! قال وإن زنى وإن سرق " (2) ، فيلاحظ أن صدر الحديث ينبئ عن مجرد القول القلبي الصادق ، وأما ذيله " وإن زنى وإن سرق " فيتحدث عن الأعمال وفعل الجوارح .

 

(1) صحيح مسلم ج1 ص55 .

(2) صحيح البخاري ج7 ص192 .  
 

8 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقد حدد رسول الله (ص) لوفد عبد القيس شرائع الدين بأنها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله مع إضافة الأحكام الضرورية التي بني عليها الإسلام ، فقد روى مسلم في كتاب الإيمان ، باب ( الأمر بالإيمان بالله ) أنهم قالوا : " يا رسول الله إنا نأتيك من شقة بعيدة ، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر ، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام ، فمرنا بأمر فصل نخبر به من ورائنا ندخل به الجنة ، قال : فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع ، قال : أمرهم بالإيمان بالله وحده ، وقال : هل تدرون ما الإيمان بالله ؟ ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم … " (1) .

فقد فسر رسول الله (ص) في هذه الرواية أن الإيمان هو مجرد الإقرار بالشهادتين وما بني عليه الإسلام من أصول أحكام ، فأين هذا من تصويرهم للتوحيد والشرك والكفر والإسلام !

ورواية البخاري التالية هي أكثر تفصيلا وتوضيحا في تحديد من يحكم بإسلامه وحصانة دمه وعرضه فقد روى في كتاب الصلاة باب فضل استقبال القبلة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله (ص) من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته (2) .

وفي خبر آخر لمسلم في صحيحه عن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله (ص) يقول : " من قال لا إله إلا الله ، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله " ، وفي خبر آخر " من وحد الله " بدل " من قال : لا إله إلا الله " (3) .

 

(1) صحيح مسلم ج1 ص47 .

(2) صحيح البخاري ج1 ص108 . (3) صحيح مسلم ج1 ص53 .  
 

9 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

والمهم أن الأخبار صريحة في استبدال قول لا إله إلا الله بعبارة توحيد الله فأحدهما تحل محل الأخرى ، فمن يقول لا إله إلا الله يخرج عن عنوان الشرك ، ولا يؤخذ بغير هذا الظاهر .

وكذلك روي في الصحاح اعتراض عمر على أبي بكر وقوله : " كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله (ص) : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله (ص) لقاتلتهم على منعه ، فقال عمر : فو الله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق " (1) .

وما رواه عمر عن رسول الله (ص) في الخبر السابق يؤكد أن مجرد قول لا إله إلا الله يدخل الإنسان في التوحيد ويخرجه عن الشرك ، فلم يقاتلهم أبو بكر لأنهم مشركون ، نعم هو يصرح بأنهم منعوا حقا من حقوق الله فلذا يجب قتالهم ، وصريح كلمات العلماء أن الخارجين على أبي بكر لم يكونوا كلهم مرتدين ، فالمسلم يمكن أن يستحق القتل لأسباب أحدها الارتداد ، كإنكار أصل التوحيد أو النبوة بل لو أنكر ضروريا من ضروريات الدين مثل الصلاة أو الزكاة مع انتفاء الشبهة في حقه .

وقد يكون مرجع ذلك عنوان خروجهم على الإمام الذي يدير أمور المسلمين ، وعُلل قتال أبي بكر لمانعي الزكاة بذلك فاعتبروا بغاة خارجين ، وهذا ما حدث بالنسبة لأمير المؤمنين (ع) حينما قاتل الخوارج ، فقد كانوا بغاة أمر الله بقتالهم كما قال عز وجل ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) الحجرات / 9 .

بل صرح الخطابي بذلك بالنسبة لأبي بكر على ما نقله عنه النووي في شرحه قال بعد أن قسم العرب الذين قاتلهم أبو بكر زمن الردة إلى صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر : " والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة

 

(1) صحيح مسلم ج1ص 51 .

 
 

10 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

والزكاة ... وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي ... ، وقد كان ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا إن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع ، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر ( رض ) فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر ( رض ) فراجع أبا بكر ... " (1) .

وقد صرح القاضي عياض في ( إكمال المعلم ) بأن تارك الزكاة يقتل حداً لا كفراً قال : " واختلف العلماء في قتل تارك غير الشهادتين فأكثرهم على أن ذلك حد لا كفر وهو الصحيح " (2) .

فمن الواضح أن الحديث هنا عن المسلم المقر بالتوحيد الذي يعصم دمه بمجرد إقراره بالتوحيد أي قول لا إله إلا الله ، وما تأذى رسول الله (ص) بعمل مثل تأذيه من فعل أسامة حينما قتل المشرك الذي أعلن كلمة التوحيد ، فقد روى مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد قال : " بعثنا رسول الله (ص) إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم فهزمناهم ، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم ، فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته ، قال : فلما قدما بلغ ذلك النبي (ص) ، فقال لي : يا أسامة أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله ؟ قال قلت : يا رسول الله إنما كان متعوذا ، قال : فقال : أقتلته بعد ما قال : لا إله إلا الله ؟ قال : فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم " (3) .

وفي خبر آخر قال أسامة : " قلت : يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح ، قال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا " (4) .

 

(1) شرح النووي على صحيح مسلم ج1 ص 202 ، ولكن الحق أن مالكا لم ينكر أمر الزكاة ، بل لم يعتقد بالخليفة .

 
(2) إكمال المعلم ج1 ص 243 . (3) صحيح مسلم ج1 ص 97 . (4) المصدر السابق ج1 ص 96 .
 

11 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ولذا من الواضح أنها مسألة قلبية ينطق بها الإنسان قد يكون عن إيمان أو عن نفاق فليس لنا أن نتجاوز ظاهر الناس كما قال (ص) في خبر عمر الذي مر ذكره " وحسابه على الله " .

وأكد رسول الله (ص) على تلك الحقيقة فيما رواه مسلم في باب ( تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ) عن المقداد بن الأسود ... أنه قال : يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة ، فقال : أسلمت لله ، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله (ص) : لا تقتله ، قال : فقلت : يا رسول الله إنه قد قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟ قال رسول الله (ص) : لا تقتله ، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال " (1) .

 

(1) صحيح مسلم ج1 ص95 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب