112 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

التفسير الثاني لحقيقية الإقرار

هناك احتمال آخر لا يقل قوة عما سبق بل هو أقوى بل لا يتنافى مع كثير من كلمات المفسرين السابقة ، حصيلته أن الآيات فيها إقرار حقيقي بخالقية الله وتدبيره للكون ولكنه إقرار بخالقية الله وتدبيره لا بتوحيده في ذلك ، فكأن الآيات تنص على إقرارهم بخالقية الله وتدبيره للكون ، فتقول لهم : إذا كان الأمر كما في إقراركم بأن الله هو الإله الأكبر والأعظم فلم تعتقدون بوجود آلهة صغيرة تشارك الله في تدبير شئون الكون ؟!

فالمشركون يقرون بأن الله هو الخالق والمدبر لكن لا على أنه الأوحد في ذلك بل هو الخالق والمدبر الأكبر باعتبار أن الله كبير الآلهة في عقيدتهم ، ولكن معه آلهة آخرون لها دخل في بعض شئون الخلق والتدبير ، وكثيرا ما يعترض القرآن عليهم - بعد تنبيههم

113 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

على مقتضى الفطرة الدالة على الله وخالقيته - فيقول لهم إذا كانت الفطرة السليمة تصرخ بخالقية الله وتدبيره فما الحاجة لاختلاق أرباب آخرين كما هي عقيدتكم ؟!

فالقول بأن المشركين يقرون حقيقة بأن الله هو الخالق الأوحد وهو المدبر الأوحد فيكونون موحدين في الربوبية ولا يرون أن هناك آلهة أخرى بيدها تدبير بعض الأمور قول غير صحيح ، فهم حينما ينحرفون عن الفطرة السليمة ويجحدون الحق يقولون : نعم الله الخالق والله هو المدبر ، ولكن معه آلهة أخرى صغيرة تدبر بعض شئون الكون وتشارك الرب الأعلى في ذلك ولها استقلاليتها ، بل هذا هو معنى الشرك ، أي آلهة تشارك الإله الأكبر في تدبير أمور الكون .

وهذا ما قرره السيد الطباطبائي عليه الرحمة في تفسيره للآية 31 - 36 من سورة يونس حينما اعتبر إقرارهم بأن الله المدبر حقيقيا باعتبار عدم تنافيه في نظرهم مع تدبير الآلهة الصغيرة لبعض شئون الكون ، قال : " الحجة الأولى تسلك من الطريق الذي يعتبره الوثنيون وعبدة الأصنام فإنهم إنما يعبدون أرباب الأصنام بأصنامهم من جهة تدبيرهم للكون .. فالله سبحانه يلقن نبيه (ص) الحجة على توحيده بالربوبية ، فأمر بقوله (قُلْ) أن يقول لهم في سياق الاستفهام ( مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ) ... ( وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) في جميع الخليقة ( فَسَيَقُولُونَ اللّهُ ) اعترافا بأنه الذي ينتهي إليه جميع هذه التدبيرات في الإنسان وغيره لأن الوثنيين يعتقدون ذلك " (1) .

وقد يكون هو ما قصده عكرمة حينما قال في تفسير قوله تعالى ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) يوسف / 106 : " هو قول الله ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ، فإذا سئلوا عن الله وعن صفته ، وصفوه بغير صفته ، وجعلوا له ولدا ، وأشركوا به ... " (2) ، فقوله : وصفوه بغير صفته ... إلخ ، يدل

 

(1) الميزان ج10 ص 51 - 53 .

(2) تفسير الطبري ، المجلد الثامن ، ج 13 ص 101 .  
 

114 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

على أن الحديث ليس عن أن شركهم في العبادة فقط ، بل هو ظاهر كثير من المفسرين الذين قالوا : " لا مندوحة لهم عن ذلك ولا تمكنهم المباهتة بسواه " ، أو قالوا : " إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه " يقصدون مجرد خالقية الله وتدبيره لشئون الكون باعتباره الإله الأكبر ، فهي الحقيقة التي لا يمكنهم إنكارها لا توحيده في الخلق والتدبير .

ولو أردنا أن نمثل- ويتعالى الله عز وجل عن مثل هذا التمثيل - فهو مثل قولنا لشخص اعتبر بعض خدمة المنزل أربابا للمنزل مستقلين في تدبيره كما يعتبر في الوقت نفسه صاحب المنزل ربه الرئيسي ، فيقال له : أليس هو مالك المنزل وربه ؟! فيقول : نعم ، فنقول له : فما الذي يجرك لأن تعتبر خدمة المنزل أربابا معه ؟

وبتمثيل آخر نقول هو كتمكين مسئول البنك شخصا ما من سحب أموال من حساب أحد التجار بادعاء أنه ابنه وله ما للأب من حق ، لذا حينما يحاسب المسئول يقال : من مالك الحساب والمتصرف في الحساب ؟ يقول : فلان ، فيقال له : فلم أعطيت هذا الحق للغير وسمحت له بالتصرف ؟! لكن لا بمعنى أنه أقر بنفي هذا الوصف عمّن ادعى أنه ابنه وفق زعم المسئول .

وليس بالضرورة أن نصف الشركاء بأنهم مدبرون ، إذ إنهم يعتقدون بوجود موجودات مع الله لها قدرة ذاتية - لأنها آلهة أبناء لله من جنسه وفق زعمهم الباطل - على النصرة أو الضر والنفع من خلال اختراق نظام تدبير الله للكون على نحو مستقل عن الله وبلا إذن من الله .

فليس المانع من تحقق شرك الربوبية أن يقال أن المسيح ليس خالقا وليس مدبرا للكون ، بل مجرد القول أنه يستطيع أن يخرق نظام التدبير ويفعل ما يريد لأنه ابن محقق لذلك الشرك كما هو رأي بعض النصارى الذين رد عليهم القرآن ، بل لم يقيد قوله تعالى ( وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْموْتَى بِإِذْنِ اللهِ ) آل عمران / 49 - والمصرح فيه بقدرة المسيح على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بقيد - ( بِإِذْنِ

115 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

اللهِ ) إلا ردا على عقيدة مثل هؤلاء النصارى ، وقد شبه القرآن عقيدتهم تلك بعقيدة المشركين في قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ) التوبة / 30 .

الرؤية المختارة للإقرار في الآيات تتردد بين احتمالين
نقول لا شك بأن المشركين كانوا يشركون في الربوبية ويعتقدون بأن الآلهة تؤثر مع الله بنحو مستقل في شئون الكون وهو ما فصلنا به في الباب الأول ، ولذا يتردد إقرارهم في الآيات - مع التسليم بأن الحديث عن نوع واحد من المشركين - بين احتمالين :
1) إن الظاهر أن الآيات تتحدث عن لسان الفطرة التي تدرك وحدانية الله في خالقيته وتدبيره للكون ، فلذا لا يتنافى مع شركهم الواضح في ادعاء الأولاد والبنات لله تعالى عن ذلك .

2) إن الآيات ليست إقرارا بالوحدانية وإنما هي مجرد إقرار بخالقية الله ورازقيته باعتبار أنه الأكبر وعلى نحو لا يريدون نفي وجود ضار نافع آخر بقدرات ذاتية وهو إله ولكنه إله صغير ، وهذا أوضح وأقرب للآيات ولا يتنافى مع كثير من كلمات من قال بأن الفطرة والبداهة تقتضي الإقرار بالله فالمقصود بالإقرار المذكور في الآيات الإقرار بأنه الخالق والمدبر الأكبر لا الإقرار بالتوحيد ونفي الآلهة الأخرى التي آمنوا بها .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب