124 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الفصل الثالث
المسلمون لم يشركوا في الألوهية
( العبادة )
------------------------ ص 125 -----------------------

توطئة للفصل

في هذا الفصل نبحث في جوهر الخلاف مع الوهابيين ، فما سبق عرضه مسألة اختلف فيها العلماء قبل نشأة الرؤية الحرانية الوهابية ومع ذلك لم يتهم أحد منهم المسلمين بالشرك ، والسبب الذي جر الوهابية لاتهام المسلمين بالوقوع في الشرك هو اختلال فهمهم لمفاهيم العبادة والشفاعة والدعاء ، وهي الأمور التي سنبحثها في هذا الفصل .

وننطلق في الباب الأول من حديث وبحث عن حقيقة الشرك في الألوهية أو الشرك في العبادة ، ويتضمن البحث في تعريف العبادة وخاصة نقاط الخلل في التعريف الوهابي .

ثم نسعى لتحديد ما هو الأمر الذي يحقق شرك العبادة عمليا ، وهو يتردد في كلمات الوهابيين بين أن يكون في اتخاذ الشفعاء أو في دعاء غير الله ، لذا عقدنا بابا لكل واحد منهما ، الباب الثاني لبحث الشفاعة والباب الثالث لبحث الدعاء .

126 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الباب الأول
الشرك في العبادة أو شرك الألوهية

قلنا إن الوهابية تؤكد على الفصل بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ومن ثم تميز بين شرك الألوهية وشرك الربوبية كمقدمة لعرض رؤيتها التي تقوم على أن الشرك الواقع بين البشر ليس في الاعتقاد بوجود شريك للباري في خلقه وتدبيره بل جل الشرك الواقع هو الشرك في الألوهية الذي يعني التعبد والتنسك لغير الله عز وجل إضافة إلى عبادة الله ، وهي نقطة مهمة وأساسية في نظرهم لأنهم بها - وفق زعمهم - ينقحون مفصل الخلل الذي جر البشر للانحراف عن التوحيد والذي واجهه رسول الله (ص) في حربه على الشرك المنتشر بين قاطني جزيرة العرب .

ولكن كما قلنا فيما سبق إن جوهر الخلل عند الوهابية يتركز في تحديد المقصود بالعبادة وتحديد مصاديقه فهو الأمر الذي جعلهم يتهمون المسلمين بالشرك وهو أمر لا يترتب على موضوع فصل توحيد الربوبية عن توحيد الألوهية ، فلا تلازم بينهما .

ولا بد في مفتتح البحث من بيان تعريفهم للعبادة وتوحيد العبادة وشرك العبادة ، ولا بد من عرض المفردة في اللغة وفي فهم غير الوهابيين من المتشرعة ، ومن ثم تحديد نقاط الخلل ومواقعه في منظومة الرؤية الوهابية قبل استخلاص الرؤية الصحيحة والفهم السليم للمفردة والآيات التي استعملت فيها المفردة بل وعموم استعمالاتها في التراث الإسلامي .

127 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الآيات التي انطلقوا منها
ونبدأ بالآيات الأساسية التي استندوا عليها في هذا المحور وهي قوله تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) يونس/18 ، وكذلك قوله عز وجل ناقلا قول المشركين ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) الزمر/3 ، ورأوها صريحة في أن المشركين الذين عبدوا الأوثان لم يعبدوها في عرض عبادة الله بل في طولها ، فكانوا يرون أن تقديس الأوثان وسيلة تقربهم إلى الله وتوجب شفاعتها عنده ، وما عدهم القرآن مشركين بالله إلا لأنهم وسّطوا الأصنام في عبادتهم لله ، وهو كما يقول أصحاب هذه الرؤية عين ما عند المسلمين الذين يلجأون لأصحاب القبور ويتخذونهم وسائط إلى الله .

فالنكتة التي يؤكدون عليها في الآيتين هي أن عبادة المشركين للأصنام لم تنطلق من الاعتقاد بوجود شركاء لله في الخلق أو التدبير بل هم أشركوا لأنهم اتخذوا الأصنام وسائط تشفع لهم عند الله و تقربهم منه ، وهذا ما يقع فيه كثير من المسلمين .

وهم وإن كانوا ينطلقون من التركيز على مفردة الشفاعة واتخاذ الوسائط باعتبارها تعني عبادة ذلك الوسيط ، ولكنهم في نهاية المطاف يتمحور حديثهم ويتركز حول الدعاء كمصداق للعبادة التي مارسها ويمارسها عباد الأوثان والقبور كما يقولون ، لذا ستجدنا تبعا لذلك نعرج إلى العنوان الثاني أي دعاء غير الله بعد أن ننهي الحديث عن عنوان الشفاعة واتخاذ الشفعاء من دون الله ، فنعتبرهما معيارين مختلفين لتحقق الشرك ترددت بينهما كلمات الوهابيين .

عموما هم يرون الآيات صريحة في وجود الشرك عند من يؤمن بأن الله هو الخالق المدبر وحده لا شريك له ، وكما قلنا نحن في هذا الفصل نريد أن نبين أن جوهر الخلل

128 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

هنا وفي هذه المرحلة يكمن في سوء فهم لكلمة العبادة في الآيتين ( وَيَعْبُدُونَ ) في سورة يونس ( مَا نَعْبُدُهُمْ ) في سورة الزمر ، وكذلك سوء تمييز لمصاديقها عن مصاديق غيرها من الأمور التي ليست عبادة ، وعليه كما قلنا ينبغي تحديد مدلول الكلمة في تعريف الوهابيبن وتعريف مخالفيهم ، وهل هناك خلاف في فهم المصطلح عليه شرعا ؟ ولابد قبلها من الانطلاق من تحديدات اللغويين للكلمة .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب