142 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

المعنى الأول للعبادة

تحدث الكل عن قصد خضوعي محدد ، وكلهم يريد أن يقول إن هذا الخضوع الخاص لا يكون إلا لله وبذلك تتحقق عبادة الله وتوحيده ، وأما إذا جعلته لغير الله فقد تحققت عبادة الغير والشرك بالله .

فتلك الحالة القلبية والقصدية التي لا شك أنها تتجسد وتظهر في ممارسات وأعمال معينة هي حقيقة العبادة عندهم ، والعمل الذي يظهر التعبد يسمى عبادة أيضا ، ولكن لا يشكل حقيقة العبادة بالمعنى الأول ولا جزءا من تعريفه ، فالنية الخاصة والقصد الخاص هو الذي فرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم (ع) أو سجود يعقوب (ع) لله وسجوده ليوسف (ع) ، فكان عبادة في الأول دون الثاني .

143 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

المعنى الآخر للعبادة
فالعمل يسمى عبادة أيضا ولكنه معنى آخر للعبادة ، فالأفعال المخصوصة التي يتعبد بها يطلق عليها كلمة عبادة فنقول الصلاة عبادة ، ولكن عندما يكون الحديث عن العقيدة وعن المفردة في القرآن فإننا بصدد الحديث عن العبادة بالمعنى الأول أي بمعنى التعبد لا العبادة بمعنى العمل المتعبد به ، بل رأيت في كلمة الشيخ الطبرسي أن مجرد النظر إلى العمل يوجب إشكالا في التمييز بين مطلق الطاعة والعبادة ، وهكذا تجد ذلك في الإشكال على القولين المنقولين في كلمة الزركشي الأخيرة ، ولذا جعل القصد هو المقوم فقالوا ليست العبادة مطلق الطاعة بل العبادة هي طاعة مخصوصة تتقوم بأنها أعلى درجات الخضوع المقرون بالتفات العابد إلى أنها لمن نبعت منه أصول النعم .

هل الربوبية قيد في تعريف المعبود ؟
كل الكلمات السابقة للغويين والعلماء تركز على أن حقيقة العبادة نوع من الخضوع الخاص يترافق مع قصد قلبي عند العابد ، ولا نظر في كلماتهم للعمل الخارجي الذي يتعبد به الإنسان في تحديد حقيقة العبادة كما قلنا .
نعم هم لم يستطيعوا أن يقولوا أكثر من أنه خضوع مميز ليس من قبيل مطلق الطاعة بل ليس هو مطلق الخضوع ، لذا الشيخ البلاغي يصرح بأنه معنى متميز في نفسه يدركه الجميع فقال : " لا يزال العوام والخواص يستعملون لفظ العبادة على رسلهم ومجرى مرتكزاتهم على طرز واحد كما يفهمون ذلك المعنى بالتبادر " ،

144 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وحينما أرادوا توضيح الأمر أكثر قال البعض منهم كالرازي : " العبادة عبارة عن نهاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام " ، والبعض صرح بأنه أمر لا يستحقه إلا الله ، فقد قال الواحدي : " العبادة وهي الطاعة مع الخضوع ، ولا يستحقها إلا الله عز وجل وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه " ، وقال البيضاوي : " والعبادة : أقصى غاية الخضوع والتذلل ... ولذلك لا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى " ، وكذلك نقل الآلوسي عن البعض قوله إنها لا تستخدم إلا في الخضوع لله قال : " والعبادة أعلى مراتب الخضوع ... ، وقيل : لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه وما ورد من نحو قوله تعالى ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) أراد على زعمهم تعريضا لهم ونداء على غباوتهم " .

وما نريد التنبيه عليه أن كل هؤلاء العلماء ذكروا أن حقيقته الخضوع الخاص ، ثم صرحوا بأن هذا الخضوع الخاص لا يكون إلا لمن منه أصول النعم ، وبعضهم قال لا يكون إلا لله ، فهم بعد أن بينوا حقيقتها قالوا إنها حقيقة لا تكون إلا لله أو ما يفيد ذلك ولم يقصدوا بالكلام الأخير جعله جزءا من التعريف ، بل هي مجرد حالة قصدية عند الإنسان ، ولكن يجب أن تكون لله فقط ولا تصح لغيره ، ولم يقولوا ذلك إلا لأنهم يفترضون إمكان إقامتها لغير الله و قصد غيره من الموجودات التي لا تستحقها ، ومن فعل ذلك فقد أشرك بالله في العبادة .

وما نريد التأكيد عليه أن تقييد البعض بأنها لا تكون إلا لله لا يمكن أن يكون جزءا من التعريف وإلا فقدنا تلك الحقيقة أي حقيقة العبادة إذا أقيمت لغير الله كما هو فعل المشركين الذين يشركون في العبادة ، وبعبارة أخرى هم حينما يوضحون الأمر بقولهم إنها لا تكون إلا لمن منه أصول النعم أو لله يريدون أن يشيروا إلى أن مشركي البشر جعلوا هذا الأمر الذي لا يكون إلا لله لغيره من الشركاء الذين ابتدعوهم ،

145 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وبذلك يتبين خطأ ما نقله الآلوسي من قول البعض إنها لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه وإن إطلاقه على عبادة المشركين لآلهتهم نوع من الاستهزاء بهم .

الموحد لله في الخالقية يمكن أن يمارس الخضوع العبادي لغيره
فوجود شرك في العبادة بمعنى إمكان أن يقيم إنسان طقوسه لا لله بل لموجود آخر فيصلي لغير الله وإن كان يعتقد بخالقية الله وتدبيره لشئون الكون هو مطلب تسالمت عليه أجيال علماء الإسلام بصورته الكلية والنظرية ويتفق عليه جميع المسلمين ، بمعنى أنه مع التحقق والتيقن بأن فعلا ما قصد به غير الله وخضع به لغير الله - وبنفس المعنى الذي يخضع فيه لله - لا شك أنه سيكون عبادة لذلك الغير وشركا بالله ، إذ لا شك بلزوم توحيد الله في العبادة بمعنى عدم جواز قصد غير الله بالخضوع الخاص الذي يحقق عنوان العبادة .

وتجد ذلك واضحا فيما رواه الصدوق عن عباس بن يزيد عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال : " قلت : إن هؤلاء العوام يزعمون إن الشرك أخفى من دبيب النمل في الليلة الظلماء على المسح الأسود ، فقال : لا يكون العبد مشركا حتى يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله أو يدعو لغير الله عز وجل " (1) .

ويصلي لغير الله ويذبح لغير الله واضح ، وأما يدعو لغير الله ، فلا ينبغي أن يتخيل أنه بمعنى يدعو غير الله ، بل الواضح أن المقصود به يدعو لإله غير الله أي بالمعنى الذي استخدمت كلمة تدعونني في قوله تعالى ( لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ) غافر/ 43 ، وبمعناه الإيجابي في قوله تعالى ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله

 

(1) الخصال ص 136 - 137 ، ويزيد بن إسحاق شعر لا توثيق صريح له ، ولكن العلامة المجلسي قال في ( الوجيزة ) ص 342 : " يزيد بن إسحاق شعر فيه مدح عظيم ، وحكم العلامة بصحة الحديث ، والشهيد الثاني بتوثيقه " ، ولكن يبقى إشكال في عباس بن يزيد فالنجاشي وثق شخصا بهذا الاسم ، ولكنه اسم مشترك بين شخصين أحدهما يروي عن الكاظم (ع) بواسطة أبيه ، والآخر المذكور هنا ويروي عن الصادق (ع) ، وظاهر توثيق النجاشي يتعلق بالأول .

 
 

146 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وعمل صالحا ) فصلت/33 ، وبعبارة أخرى الحديث عن الدعوة إلى معبود ما ، وقد يكون معبودا بحق وقد يكون بباطل .

فلا ينبغي أن نختلف مع أصحاب هذه الرؤية في هذه النقطة ، فمثلا لو صلى أحد وقصد أن تكون صلاته لصاحب القبر بحيث جعله قبلة ومقصودا بالصلاة يركع له ويسجد له يكون مشركا بلا شك ، وشركه ثابت وإن قصد بالعمل السابق التقرب إلى الله ، نعم قد لا يحكم بالكفر إذا احتمل في حقه أنه غير ملتفت إلى التلازم بين عنوان الصلاة وعنوان العبادة إلا بعد إقامة الحجة عليه .

وكذلك يكون مشركا من ذبح ولم يذكر اسم الله بل باسم فلان صاحب القبر وقربة لصاحب القبر كما نذبح نحن لله لا لمجرد التبرك بذكر اسمه ، وأما لو نذر ذبيحة لله وقصد أن يكون ثوابها لوالده أو لأحد الصالحين وذكر اسم الله على الذبيحة وقصد القربة إلى الله ، فهذا ليس من الذبح لغير الله كما قد تجده في كلمات الوهابية .

وتحقق هذا الشرك في خصوص العبادة بمعنى جعل غير الله مقصودا في الخضوع الخاص هو واضح في كلمات كل من ذهب إلى أن مشركي العرب كانوا يوحدون الله في الخالقية والتدبير ، فليست هذه النكتة من اكتشافات ابن تيمية ، فقد ذهب إلى ذلك عدد من العلماء قبل ابن تيمية ، وصرحوا باختصاص شركهم بشرك العبادة مع إيمانهم بأن الله هو الخالق المدبر ، ومن هؤلاء ابن جرير الطبري في تفسيره حيث اعترض على تخصيص مجاهد لقوله تعالى ( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة / 22 بأهل التوراة والإنجيل قائلا :
" وأحسب أن الذي دعا مجاهدا إلى هذا التأويل وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم الظن منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها وإشراكها معه في العبادة غيره ، وإن ذلك لقول ، ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها أنها كانت تقر بوحدانيته غير أنها كانت تشرك في

147 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

عبادته ما كانت تشرك فيها فقال جل ثناؤه ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ... فالذي أولى بتأويل قوله ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله وإنه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم ... أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة من أنه يعني بذلك كل مكلف عالم بوحدانية الله وأنه لا شريك له في خلقه يشرك معه في عبادته غيره " (1) .

فكما ترى هناك من القدماء من يعتقد بأن مشركي قريش كانوا موحدين في الربوبية كما تقول الوهابية ، ويظهر تأييد ذلك من الشيخ الطوسي إذ قال في تفسير الآية السابقة :
" قال ابن عباس : إنه خاطب بقوله ( فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) جميع الكفار من عباد الأصنام وأهل الكتابين لأن معنى قوله ( وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وإنما تعبدون ما لا يضر ولا ينفع ، وروي عن مجاهد أنه عنى بذلك أهل الكتابين لأنهم الذين كانوا يعلمون أنه لا خالق لهم غيره ولا منعم عليهم سواه والعرب ما كانت تعتقد وحدانيته تعالى ، والأول أقوى ، لأن الله تعالى قد أخبر أن العرب قد كانت تعتقد وحدانيته تعالى ، فقال تعالى حكاية عنهم ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) " (2) .

خلافنا معهم هنا سيصبح خلافا في تحديد الواقع عند المسلمين
نعم هنا سنختلف مع الوهابية في تحديد ما يحدث بين المسلمين في الخارج هل هي أعمال وعبادات يقصد بها الله - وقد يكون بعمل ثابت في السنة وقد يكون بدعة - أم هؤلاء يقصدون صاحب القبر فيصلون له ويذبحون له لا لله ، فالخطأ الوهابي سيكون

 

(1) تفسير الطبري ، المجلد الأول ، ج1 ص 238 .

(2) التبيان في تفسير القرآن ج1 ص 102 ، ولكنه رأي غير صحيح كما مر .  
 

148 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

خطأ منطلقا من المعلومات الخاطئة المتوافرة لديهم عما يجري عند قبور الأولياء والصالحين .

والآيات التي يستندون عليها في هذا المحور صريحة في أن المشركين كانوا يعبدون الأوثان بهذا المعنى أي يصلون لها ويذبحون لها ويدعون لها كما يدعون لله ، وهذا لا يعني أن عبادتهم لها كانت في عرض عبادة الله بل كانت في طولها ، فكانوا يرون أن عبادة الأوثان - أي توجيه الخضوع الخاص للأوثان – تقربهم من الله وتوجب شفاعتها لهم عنده ، فلذا عدهم القرآن مشركين لله في العبادة كما هو ظاهر قوله تعالى ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) يونس/18 وقوله عز وجل ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) الزمر/ 3 .

ونعم ما قرره في هذا الصدد العلامة الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء في رسالته للأمير عبدالعزيز بن سعود قائلا : " لا يشك أحد من المسلمين في أن من ذبح لغير الله ذبح العبادة كما يذبح أهل الأصنام لأصنامهم حتى يذكروا على الذبايح أسماءهم ويهلون بها لغير الله خارج عن ربقة المسلمين سواء اعتقدوا آلهيتهم أو قصدوا أن يقربوهم زلفى لأن ذلك عبادة لغير الله .

وأما من ذبح عن الأنبياء والأوصياء والمؤمنين ليصل الثواب إليهم كما نقرأ القرآن ونهدي إليهم ونصلي لهم وندعو لهم ونفعل جميع الخيرات عنهم ، ففي ذلك أجر عظيم وليس قصد أحد من الذابحين لأنبياء أو لغير الله سوى ذلك ... ، وإني والذي نفسي بيده منذ عرفت نفسي إلى يومي هذا ما رأيت ولا سمعت أحدا من المسلمين ذبح أو نحر ذاكرا لاسم نبي أو وصي أو عبد صالح ، وإنما يقصدون إهداء الثواب إليهم ، فإن كان في أطرافكم قبل تسلطكم مثل ذلك فصاحب الدار أدرى بالذي فيها " (1) .

 

(1) منهج الرشاد لمن أراد السداد ، ص 92 - 94 .

 
 

149 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقد فصل في ذلك الشيخ محمد أمين زين الدين وهو من كبار علماء الشيعة المعاصرين قائلا : " لا يجوز النذر لغير الله سبحانه من رسول أو نبي أو ولي أو ملك أو عبد صالح ولا يجوز للكعبة والمشاهد والمساجد والمعابد ... والنذر نحو من أنحاء العبادة ، ومن أجل ذلك فلا بد فيه من القربة ... ولذلك كله فلا يجوز النذر لغير الله تعالى .

والأنبياء والأولياء ... والمساجد ... إنما هي وجوه من القربات التي يتقرب بتكريمها إلى الله فيصح للعبد أن ينذر شيئا لله ... على أن يصرف المنذور في بعض هذه الوجوه المقربة .

والفارق كبير وواضح جدا بين أن ينذر الإنسان لله وحده متقربا إليه ويعين في نذره صرف ما نذره لله في بعض هذه الوجوه المقربة إلى الله ... - وهذا هو ما يفعله خاصة الشيعة وعامتهم حتى الجهلة منهم بالأحكام ، وهذا ما يقصدونه في نذرهم حتى من يغلط منهم في التعبير- وبين أن ينذرها للنبي أو الولي أو المعبد أو المشهد أنفسها ، فلا ينعقد النذر ولا يجوز لأنه لغير الله ، وهذا ما تصرح كتب علماء الشيعة بعدم جوازه "(1).

عموما ما نريد قوله هنا إن هذا الخلل الوهابي إن وقف عند هذا الحد فهو ليس في الفكرة أو الرؤية إنما في المعلومات الخاطئة عند الوهابيين عن واقع ما يفعله المسلم الذي لم يتوجه بالعبادة - أي الخضوع الخاص الذي لا يكون إلا لله - لصاحب القبر ولا لأي موجود آخر غير الله عز وجل لا في الصلاة ولا في الذبح ولا في النذر .

 

(1) كلمة التقوى ج6 ص 422 - 423 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب