150 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

العبادة والشرك في كلمات الفقهاء

إن كلمات الفقهاء والمفسرين منذ القرون الأولى صريحة بتحقق الشرك في العبادة بمجرد نية الخضوع الخاص لغير الله بأعمال متعبد بها ومن الواضح أن كلماتهم تشمل من يعتقد بأن الله هو الخالق المدبر لا شريك له في ذلك ، بل يعد مشركا لو قصد أن يخضع لغير الله بالخضوع العبادي الخاص في عمل مبتدع من عنده ، فكما قلنا إن المحقق للشرك هو القصد الخاص ، فالعمل في حد ذاته ليس له دخل في تحقق الشرك ما لم يكن عنوانا ملازما لعنوان العبادة ولا ينفك عنه ، وإليك بيان أكثر لذلك .

الأفعال المتمحضة في العبادية وغير المتمحضة فيها
أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها الرؤية الوهابية هو القول بتحقق الشرك بمجرد قصد غير الله بعمل ما ، وهو كلام صحيح إذا كان العبادية لازم ذاتي للعمل بحيث لا يمكن التفكيك بين العمل والتعبد وبمعنى آخر لا يقع هذا العمل إلا على نحو التعبد ولا يمكن أن يقع على نحو آخر ، وتوضيح ذلك أنه لا شك أنه لو قال أحد : أنا أعبد هذا الموجود بقصد عبادة الله يكون قد وقع في شرك ، ويشمل الأمر كل مرادف للعبادة مثل التنسك ، بل حتى كلمة الصلاة وكلمة الدعاء إذا استعملت على أنها مرادافات للعبادة والتنسك ، فمن صلى لغير الله بمعنى عبده أو دعاه بمعنى عبده سنقول إنه أشرك في العبادة ، فكلمة الصلاة يقصد بها هنا العبادة لا العبادة المخصوصة المتكونة من ركوع وسجود ، وهذا المعنى هو الأظهر في قوله تعالى ( وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً ) الأنفال / 35 فالمقصود ما كانت عبادتهم ، باعتبار أنه لم يعهد للمشركين ركوع وسجود ، وهكذا قصد بكلمة الدعاء العبادة في قوله تعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) غافر / 60 فادعوني يعني اعبدوني ، بل حتى الركوع والسجود إذا استعملت كنوع كناية عن العبادة كما قد يقال في قوله تعالى ( يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي

 

 

 
 

151 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) آل عمران / 43 ، ففي مثل هذه الحالات طرحت الكلمة التي يقصد بها أفعال معينة ولكن بمعنى التعبد الذي يلزم معه نية الخضوع الخاص ، وقد ذكر ذلك ابن تيمية في كلمة السجود في قوله تعالى ( وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) الأعراف / 206 قال : " وقوله ( وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) فإنه إن سلم أنه يفيد الحصر ، فالقصد منه والله أعلم الفضل بينهم وبين البشر الذين يشركون بربهم ويعبدون غيره ، فأخبرهم أن الملائكة لا تعبد غير الله " (1) ، فعلى هذا كلمة يسجدون قصد بها يعبدون .

إذا اتضح ذلك نقول إضافة إلى ما سبق من كون قصد عنوان العبادة لغير الله هو المحقق للشرك هناك بعض الأعمال التي لا تنفك عن كونها عبادة ، فلا يمكن أن نقبل قول من يقول أنا أصلي لفلان قربة إلى الله ، لأن العبادية من ذاتيات عنوان الصلاة لا تنفك عنه ، فما وقع به شرك في العبادة ، ولكن ليس بالضرورة أن نحكم عليه بذلك إذا لم نحرز التفاته إلى التلازم بين عنوان الصلاة وعنوان التعبد أي إلى أن هذا العمل المتعبد به لا ينفك عن عنوان التعبد ، وكما يقال في الفقه لم يلتفت إلى اللوازم الباطلة لفعله .

وأما إذا كان الحديث عن مجرد الأفعال أو الأعمال المتعبد بها من دون أن يكون هناك تلازم بين عنوان العمل وعنوان التعبد و الخضوع الخاص الذي لا يكون إلا لله ، فهنا العمل في حد ذاته وبدون ملاحظة النية والقصد يحتمل وقوعه على أحد نحوين :
الأول : يقصد به عبادة ، وقد يكون المقصود بالعبادة هو الله فهو من التوحيد ، وقد يقصد به غير الله فيكون شركا ، فما يفعله عبدة الأصنام من السجود لأصنامهم بقصدها في الخضوع العبادي الخاص يعد شركا جليا .

الثاني : لا يقصد به العبادة بل يقصد به شيء آخر كالاحترام والتقدير ، فهنا إن كان بأمر الله وبطلب منه عز وجل سيكون العمل احتراما وتقديرا لمن أقيم العمل له

 

(1) مجموع الفتاوى ج4 ص 220 .

 
 

152 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ولكن عبادة لله ، ومثاله الواضح السجود ، فقد وقع لآدم (ع) ولم يكن شركا وكان كما في بعض الأخبار طاعة لله وإكراما لآدم ، ومثله من يقبل الحجر الأسود بقصد عبادة الله فهو يفعل بعض ما ندب إليه الشرع فليس ذلك عبادة للحجر بل عبادة لله .

والخلاصة يتحقق الشرك بقصد عبادة غير الله بمعنى التعبد بل كذلك الأمر لو فرض قصد عنوان آخر لا ينفك عن العبادة وعنوان الصلاة مثال لذلك ، ففعل ذلك عمل شركي بمجرد فعله للغير ، ولكن قد لا نحكم بكفر فاعله ما لم نحرز قيام الحجة عليه ورفع الشبه عنه .

وأما إذا لوحظ العمل بمجرده ومن دون أن يكون هناك تلازم بينه وبين عنوان التعبد ، فمجرد فعله للغير لا يمكن أن يعد شركا مع افتراض خلوه من نية العبادة أي الخضوع الخاص الذي لا يكون إلا لله ، ولذا كل الفقهاء يناقشون تلك الأفعال والأعمال التي توجه بها الفاعل لمخلوق ضمن الحديث عن البدعة لا الشرك عند افتراض أن الفاعل يقصد عبادة الله بتلك الأفعال ، وإليك أمثلة لذلك .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب