160 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

السجود

يخطئ من يقول إن السجود فعل متمحض في العبادة ولا يقع إلا على وجه العبادة ، لأنه كلام يخالف ظواهر آيات القرآن التي سيأتي ذكرها ، والمقدار المسلم هو اختصاص جوازه بالأمم السابقة وحرمة فعله لغير الله في الأمة الخاتمة ، وتجد الحديث عن الأمر واسعا عندما يتطرق العلماء لسجود الملائكة لآدم (ع) وتفسير قوله ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ ) البقرة/34 ، وتبعا له ما صرح به القرآن من سجود يعقوب ليوسف (ع) في قوله تعالى ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ) يوسف / 100 ، وفي الوقت نفسه من الواضح أن السجود من الأعمال العبادية التي نتعبد بها الله ، فما الذي يفرق بين السجودين - أي السجود لله والسجود لآدم – مع أنهما من حيث المظهر الخارجي واحد في الحالتين ، لا تجد مفرقا غير القصد والنية ، ففي الحالة الأولى كانت بنية الخضوع العبادي الخاص والثاني لم تكن كذلك وإنما كانت طاعة لله كما صرح بذلك جل علماء الإسلام ، قال الطبري : " وكان سجود الملائكة تكرمة لآدم وطاعة لله لا عبادة لآدم كما حدثنا به بشر ... عن قتادة قوله ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ

161 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

اسْجُدُواْ لآدَمَ ) فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم ، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته " (1) .

قال البغوي : " الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة ، وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل امتثال أمره ، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة كسجود أخوة يوسف له في قوله عز وجل ( وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا )يوسف / 100 ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض إنما كان انحناء ... ، وقيل معنى قوله ( اسْجُدُواْ لآدَمَ ) أي إلى آدم فكان آدم قبلة والسجود لله تعالى كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة لله عز وجل " (2) .

قال القرطبي : " واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة ، فقال الجمهور : كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض كالسجود المعتاد في الصلاة ...

واختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم (ع) فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب (ع) لقوله تعالى ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ) فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين ؟ والذي عليه الأكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله (ص) وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل : نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد ، فقال لهم : لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين " (3) .

قال ابن كثير : " قال بعض الناس : كان هذا سجود تحية وسلام وإكراما قال تعالى ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ... ) ، وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا ... وقال بعضهم : بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما

 

(1) تفسير الطبري ج1 ص 327 ، رواه ابن أبي حاتم عن قتادة عن ابن عباس ، ج1 ص 84 .

 
(2) تفسير البغوي ج1 ص 33 . (3) الجامع لأحكام القرآن ج1 ص 276- 278 .
 

162 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

قال تعالى ( أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) وفي هذا التنظير نظر ، والأظهر أن القول الأول أولى والسجدة لآدم إكراما وإعظاما واحتراما وسلاما ، وهي طاعة لله عز وجل لأنها امتثال أمره تعالى " (1) .

وفي مصادر الشيعة روي في تفسير القمي عن محمد بن عيسى أن يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمد بن علي بن موسى مسائل ، فعرضها على أبي الحسن (ع) ، وكان أحدها : أخبرني عن قول الله عز وجل ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ) أسجد يعقوب وولده ليوسف وهم أنبياء ؟
فأجاب أبو الحسن (ع) : أما سجود يعقوب وولده ليوسف فإنه لم يكن ليوسف وإنما كان ذلك من يعقوب وولده طاعة لله وتحية ليوسف كما كان السجود من الملائكة لآدم ولم يكن لآدم وإنما كان ذلك منهم طاعة لله وتحية لآدم ، فسجد يعقوب وولده "(2).

وفي تفسير العياشي عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (ع) ... وفي قوله ( وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ) قال :كان سجودهم ذلك عبادة الله " (3) .

وفي الاحتجاج في قصة اليهودي الشامي : " قال اليهودي : هذا آدم (ع) أسجد الله له ملائكته فهل فعل محمد شيئا من هذا ؟ فقال له علي (ع) : قد كان كذلك ولئن أسجد الله لآدم ملائكته فإن سجودهم له لم يكن سجود طاعة أنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل ، ولكن اعترافا بالفضيلة ورحمة من الله له " (4) .

قال الشيخ الطوسي : " واختلفوا في أمر الملائكة والسجود لآدم على وجهين ، قال قوم : إنه أمرهم بالسجود له تكرمة وتعظيما لشأنه - وهو المروي في تفسيرنا وأخبارنا – وهو قول قتادة وجماعة من أهل العلم واختاره ابن الإخشيد والرماني

 

(1) تفسير ابن كثير ج1 ص 81 .
(2) تفسير القمي ج1 ص 356 ، وروى نحوه العياشي ج2 ص 197 .

(3) تفسير العياشي ج2 ص ص 197 .
(4) الاحتجاج ج1 ص 498 -499 .
 
 

163 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وجرى ذلك مجرى قوله ( وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ) في أولاد يعقوب ... وقال الجبائي والبلخي وجماعة أنه جعله قبلة لهم فأمرهم بالسجود إلى قبلتهم ، وفيه ضرب من التعظيم له ، وهذا ضعيف " (1) .
وهكذا صرح الفيض الكاشاني بأن السجود كان لله سبحانه عبودية ولآدم طاعة (2) .

وقال السيد الطباطبائي : " وقوله تعالى ( اسْجُدُواْ لآدَمَ ) يستفاد منه جواز السجود لغير الله في الجملة إذا كان تحية وتكرمة للغير وفيه خضوع لله تعالى بموافقة أمره ونظيره قوله تعالى في قصة يوسف (ع) ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ... ) ... وأما ما ربما ظنه بعض من أن السجدة عبادة ذاتية فليس بشيء فإن الذاتي لا يختلف ولا يتخلف ، وهذا الفعل يمكن أن يصدر بعينه من فاعله بداع غير داعي التعظيم والعبادة " (3) .
وتجد كلمات الجميع مجتمعة على إن المميز بني السجدتين السجدة لله والسجدة لآدم أو ليوسف (ع) هي نية الساجد وقصده لا السجود بمجرده كفعل من الأفعال ، وهذا لا يتنافى مع القول بأنه لغير الله حرام مطلقا في الأمة الخاتمة كما هو مذهب الفقهاء سنة وشيعة، فالتحريم هنا تحريم تشريعي لا لأنه شرك بمجرد فعله للغير.

وعن الركوع قال في حاشية ابن عابدين : " مطلب في إطالة الركوع للجائي ، قوله وكره تحريما لما في ( البدائع ) و ( الذخيرة ) عن أبي يوسف ، قال : سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عن ذلك فكرها ، وقال أبو حنيفة : أخشى عليه أمرا عظيما يعني الشرك ، وروى هشام عن محمد أنه كره ذلك أيضا ، وكذا روي عن مالك والشافعي في الجديد ، وتوهم بعضهم من كلام الإمام أنه يصير مشركا ، فأفتى بإباحة دمه ، وليس

 

(1) التبيان في تفسير القرآن ج1 ص 150 .

(2) تفسير الصافي ج1 ص 168 . (3) الميزان ج1 ص 122- 123 .  
 

164 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

كذلك ، وإنما أراد الشرك في العمل لأن أول الركوع كان لله تعالى ، وآخره للجائي ، ولا يكفر لأنه ما أراد التذلل والعبادة ، وتمامه في ( الحلية ) و ( البحر ) " (1) .
فانظر إلى قوله : ولا يكفر لأنه ما أراد التذلل والعبادة ، فإن قصد التذلل العبادي هو المحقق لشرك العبادة ، لا أن يتحقق الشرك بمجرد قصد القادم للجماعة مع خلوه من تلك النية .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

(3) حاشية ابن عابدين ج1 ص 494- 495 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب