178 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الخلل الثاني في تعريفهم

ويتلخص في حذف قيد مقوم في تعريف العبادة التي يقصد بها العمل المتعبد به ، وهو توقف العمل العبادي على النية ، فما قيل في تعريف العبادة : هي فعل ما يتوقف على النية بأصل الشرع " ، وإلا إذا لم يوضع هذا القيد فلن يمنع التعريف الأغيار كالطاعات والقربات غير العبادية ، ولا أعتقد أنهم يريدون اعتبار كل طاعة وقربة عبادة ، نعم كل عبادة هي طاعة وقربة إن قصد بها الله .

179 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وأصل هذا الخلل نبع من كلمات ابن تيمية في تعريف العبادة كقوله : " هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل أو قوله الآخر بأنه : " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة " ، فالله يحب مطلق الطاعات والقربات ، لكن لا يصدق عليها كلها بأنها عبادة بمعنى العمل المتعبد به ، وأما على تعريف ابن تيمية فكلها تدخل في العبادات ، ولذا نستغرب كلمات الفوزان حينما يفسر ذلك قائلا : " وصلة الأرحام عبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة ، والإحسان إلى اليتيم عبادة إلى آخره ،كل ما شرعه الله فهو عبادة " ، فهل هذه هي العبادة بمعنى المتعبد به في اصطلاح العلماء منذ صدر الإسلام إلى زماننا أم هذا تعريف لمطلق الطاعات والقربات فليست العبادات إلا نوعاً وجزءاً منها ؟! وأما ما يقصده علماء الإسلام من كلمة العبادة بمعنى العمل المتعبد به فهو خصوص ما يشرحونه في باب العبادات دون المعاملات .

وهكذا تجد الخلط واضحا في كلمات بعضهم حينما يقول : " وأحسن هذه التعريفات وأجلاها وأعلاها وأولاها هو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ... وجميع أنواع العبادات داخلة في دائرة تلك التعريفات من أعمال تعبدية عملية أو اعتقاديه .

فتبين من تعريف العبادة أن الدين كله داخل في مفهوم العبادة بدون استثناء فالأعمال الاعتقادية واللفظية والبدنية والمالية كلها من أنواع العبادة ، وأجل ذلك دعاء المسألة فهو مع كونه داخلا في العبادة وواحدا من أفرادها فهو من أجل تلك الأنواع ، ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة كما أن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة فهما متلازمان " (1) .

أي معنى لهذا القول : أن الدين كله داخل في مفهوم العبادة بدون استثناء ؟! هل البيع والشراء - وهو من الدين- عبادة ؟! هل الطلاق - وهو من الدين - عبادة ؟!

 

(1) الواسطة بين الله وخلقه ص 284 - 285 .

 
 

180 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

إن مراجعة بسيطة لتعريف السابقين تنبئك عن مدى الخلل الذي وقعوا به ، والخلاصة أن تعريف ابن تيمية المشهور هو تعريف للعبادة بمعنى المتعبد به كما هو صريح إقرار ابن عثيمين والخميس ، ولكنهم تعاملوا معه معاملة تعريف العبادة بمعنى التعبد .

والسابقون من علماء الإسلام عندما يعرفون العبادة بمعنى المتعبد به يصرحون بأنها متقومة بالنية ، قال ابن رشد : " اختلف علماء الأمصار هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ولقوله (ص) : إنما الأعمال بالنيات ، الحديث مشهور " (1) .

وقال الشاطبي : " إن الأعمال بالنيات ، والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات ، الأدلة على هذا المعنى لا تنحصر ، ويكفيك منها أن المقاصد تفرق بين ما هو عادة وما هو عبادة ، وفي العبادات بين ما هو واجب وغير واجب ، وفي العادات بين الواجب والمندوب ، والمباح والمكروه والمحرم والصحيح والفاسد ، وغير ذلك من الأحكام ، والعمل الواحد يقصد به أمر فيكون عبادة ، ويقصد به شيء آخر فلا يكون كذلك ، بل يقصد به شيء فيكون إيمانا ويقصد به شيء آخر فيكون كفرا كالسجود لله أو للصنم " (2) .

وقال السيوطي : " المبحث الثالث فيما شرعت النية لأجله ، المقصود الأهم منها تمييز العبادات من العادات وتمييز رتب العبادات بعضها من بعض كالوضوء والغسل يتردد بين التنظف والتبرد والعبادة ، والإمساك عن المفطرات قد يكون للحمية والتداوي أو لعدم الحاجة إليه ، والجلوس في المسجد قد يكون للاستراحة ، ودفع المال

 

(1) بداية المجتهد ج1 ص 8 .

(2) الموافقات ج2 ص246 .  
 

181 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

للغير قد يكون هبة أو وصلة لغرض دنيوي وقد يكون قربة كالزكاة والصدقة ، والكفارة والذبح قد يكون بقصد الأكل وقد يكون للتقرب بإراقة الدماء ، فشرعت النية من غيرها " (1) .

وقال ابن قدامة : " وقولهم : إنها طهارة قلنا : إلا أنها عبادة والعبادة لا تكون إلا منوية لأنها قربة إلى الله تعالى وطاعة له وامتثال لأمره ولا يحصل ذلك بغير نية " (2) ، وقال علاء الدين الكاساني : " والعبادة اسم لفعل يأتيه العبد باختياره خالصا لله تعالى بأمره والاختيار والإخلاص لا يتحققان بدون النية " (3) ، وقال البكري الدمياطي : " والعبادة : فعل ما يتوقف على النية بأصل الشرع " (4) .

وأما علماء الشيعة ، فقد قال العلامة الحلي : " قال علماؤنا النية شرط في الطهارة المائية بنوعيها والترابية ...لنا : وجوه ... الثاني : أن الوضوء عبادة وكل عبادة بنية ... وأما الكبرى فيدل عليها قوله تعالى ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) والإخلاص هو مراد بالنية ... الثامن : إنها عبادة فافتقرت إلى النية كالصلاة وبيان الصغرى ... أن العبادة هي الفعل المأمور به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي ، والطهارة كذلك فإنها مرادة شرعا ليست مما يطرد بها العرف ولا يقتضيها العقل لانتفاء المصلحة المتأخرة فيها " (5) .

ويقول الشهيد الثاني في شرح اللمعة : " أما القربة فلا شبهة في اعتبارها في كل عبادة ، وكذا تمييز العبادة عن غيرها حيث يكون الفعل مشتركا " (6) .

 

(1) الأشباه والنظائر ج 1 ص 12.
(2) المغني ج1 ص92 .

(3) بدايع الصنائع ج1 ص 83 .
(4) إعانة الطالبين ج2 ص 357 .
(5) منتهى المطلب ج2 ص 8 -10 .
(6) الروضة البهية ج1 ص 72 .
 
 

182 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقال العلامة يحيى بن سعيد الحلي : " العبادات : كل فعل مشروع لا يجزي إلا بنية التعظيم والتذلل لله سبحانه وتعالى " (1) .

قال العلامة النراقي وهو يتحدث عن نية القربة في الوضوء : " ويجب اشتمالها على القربة بأن يكون فعله لله سبحانه ... ومن ذلك يظهر وجه آخر لاشتراط القربة وهو أن العبادة لغة اسم لما تتحق به العبادة المصدرية وهي الإتيان بلوازم العبودية والأصل عدم النقل ولا يكون ذلك بشهادة العرف واللغة إلا فيما كان مطلوبا للمعبود وجوبا أو ندبا مأتيا به لأجل إطاعته وأنه مطلوبه وهذا معنى القربة ، ومن هذا يعلم أن كل مطلوب للشارع يعتبر فيه نية القربة فهو عبادة وبالعكس " (2) .

وقال الشيخ الجواهري وهو يتحدث عن النية المعتبرة في الوضوء : " وكيف كان لا نعرف لها معنى جديدا شرعيا ، نعم ربما وقع في لسان بعض المتشرعة إطلاقها على الإرادة مع القربة ، بل هو مدار قولهم النية شرط في العبادات دون المعاملات ... وظهر لك مما تقدم من معنى النية أنها من الأفعال القلبية التي ليس للنطق فيها مدخلية كما صرح بذلك جماعة من الأصحاب " (3) .

وقال الشيخ يوسف البحراني : " لا ريب في وجوب النية في الوضوء بل في جملة العبادات ، والوجه فيه أنه لما كان الفعل من حيث هو ممكن الوقوع على أنحاء شتى - ولا يعقل انصرافه إلى شيء منها إلا بالقصد إلى ذلك الشيء بخصوصه ولا يترتب عليه أثره إلا بذلك - مثلا الدخول تحت الماء من حيث هو صالح لأن يقصد به التبرد أو التسخن تارة وإزالة الوسخ أخرى والغسل مثلا وإخراج شيء من الماء ونحو ذلك فلا ينصرف إلى واحد من هذه الأشياء أو أزيد إلا بنيته وقصده ...

 

(1) نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر ص 5 .

(2) مستند الشيعة ج2 ص 46- 47 . (3) جواهر الكلام ج2 ص 79 .  
 

183 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وبما ذكرنا ثبت ما ادعيناه من ضرورية النية في جميع الأعمال وعدم احتياجها إلى تكلف واحتمال ، ووجوبها في جميع العبادات المترتب صحتها عليها ، فإن الأعمال كالأشباح والقصود لها كالأرواح " (1) .

 

(1) الحدائق الناضرة ج2 ص 170 -172 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب